الأحد 3 يوليو 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

تخبط تصريحاتهم يفضح نيتهم بعدم الرضوخ لمجلس الأمن هل تعود إثيوبيا إلى مائدة المفاوضات؟

استيقظ العالم الأربعاء قبل الماضى، على بيان رئيس مجلس الأمن، الذى وافق عليه جميع أعضاء المجلس الخمسة عشر خلال جلسة مفتوحة، أوضح فيه أن المفاوضات بين الدول الثلاث «مصر، السودان، وإثيوبيا»، يجب أن تستأنف بدعوة من رئيس الاتحاد الإفريقى؛ للانتهاء على وجه السرعة من نص اتفاق مُلزم ومقبول بشأن ملء وتشغيل السد، فى غضون فترة زمنية معقولة، مشددًا على ضرورة العودة إلى اتفاق المبادئ المُوقّع فى عام 2015.



 

وأكد أستاذ أبحاث السلام والنزاع، رئيس اليونسكو للتعاون الدولى فى مجال المياه، أشوك سوين، أن «البيان خطوة مهمة؛ لأن مجلس الأمن اتخذ أخيرًا موقفًا رسميًا، بعد شهور من المفاوضات، حول كيفية حل  الخلاف حول سد النهضة. هذا البيان مهم أيضًا؛ لأن مجلس الأمن، دخل فى نزاع نهر عابر للحدود للمرة الأولى».

تباينت ردود فعل الدول فور صدور القرار. ومع ذلك، يأمل كثيرون أن تبدأ جولة جديدة من جولات تفاوض سد النهضة قريبًا؛ ليعود أطرف النزاع إلى طاولة المفاوضات، التى تهدأ تارة، وتشتعل تارة أخرى..فمن المفترض أن تكمل الدول الثلاث مسيرة عشر سنوات من التفاوض العسير، التى يراها البعض فترة طويلة. ولكنها، فى الحقيقة، فترة طبيعية لمفاوضات بحجم قضية كتلك، فى وقت صارت فيه أزمة المياه قضية عالمية؛ خصوصًا مع تغير المناخ.

 حُسن النوايا 

رحبت وزارة الخارجية المصرية ببيان مجلس الأمن، وقالت، إنه: «يمثل دفعة مهمة للجهود المبذولة، من أجل إنجاح المسار الإفريقى التفاوضى، وهو ما يفرض على إثيوبيا الانخراط بجدّيّة، وبإرادة سياسية صادقة؛ بهدف التوصل إلى اتفاق قانونى مُلزِم، حول قواعد ملء وتشغيل سد النهضة على النحو الوارد فى البيان الرئاسى لمجلس الأمن».

كما رحبت وزارة الخارجية السودانية- أيضًا- ببيان مجلس الأمن. وقالت إن اهتمام المجلس بهذه المسألة بالغ الأهمية، وحرصه على إيجاد حل لها؛ تلافيًا لتداعياتها على الأمن والسلم فى الإقليم. 

وأضافت الخارجية السودانية إن بيان مجلس الأمن جاء متوازنًا ومراعيًا لمصالح الأطراف الثلاثة. مؤكدة استعدادها للانخراط الَبّناء فى أى عملية تقود إلى استئناف التفاوض بين الأطراف الثلاثة، تحت مظلة «الاتحاد الإفريقى»، وتوصل الأطراف إلى اتفاق مُلزم حول ملء وتشغيل سد النهضة.

أثبت الرد المصرى والسودانى على قرار مجلس الأمن حُسن النيّة والمرونة فى التعامل، اللذين - لطالما- أظهرتهما الدولتان، خلال العقد الماضى من المفاوضات، ومدى تمسُّك الدولتين بالتفاوض كحل دبلوماسى، فى إطار ما يُعرف بمنهج المصلحة المشتركة لجميع الأطراف، فقد سعت مصر، والسودان إلى الوصول لاتفاق ملزم قانونًا بشأن ملء وتشغيل السد، يتضمن آلية فعالة وملزمة، من أجل تسوية النزاعات المستقبلية؛ فيما أصرت إثيوبيا على اتفاق يتضمن مبادئ توجيهية غير ملزمة. وعليه، لجأت دولتا (الممر، والمصب) لنهر النيل إلى مجلس الأمن، بعد أن استنفدتا جميع أشكال وأطر التفاوض مع الجانب الإثيوبى، إذ أقرّت القاهرة، والخرطوم، أن 10 سنوات من المفاوضات مع الجانب الإثيوبى، بوساطة إفريقية ودولية باءت بالفشل؛ موضحتين مدى تعنت «أديس أبابا» بملء السد، بما ينتهك (اتفاقية عام 2015)، ويشكل تهديدًا وجوديًا لـ150 مليون شخص فى دولتَىْ المصب.

 المراوغة الإثيوبية

المثير للريبة فيما يخص الرد الإثيوبى على قرار مجلس الأمن، هو التصريحات المراوغة، ففى البداية، قال مندوب إثيوبيا فى الأمم المتحدة تاى أسقى سيلاسى إن: «مجلس الأمن أصدر بيانه فى صيغة غير ملزمة قانونيًا».

ثم أعربت وزارة الخارجية الإثيوبية عن أسفها لقيام مجلس الأمن بتبنّى موقف فى مسألة المياه التى ليست من صلاحياته؛ وفى بيان رسمى، أعلنت أنها لن تعترف بأى مطالبة قد تثار على أساس البيان الرئاسى، وقالت إن مجلس الأمن أصدر- بطريقة غير مسبوقة- بيانه بعد تسعة أسابيع من جلسته بشأن السد. مضيفة إن: «زلة تونس التاريخية بتقديم البيان الرئاسى تقوّض مسئوليتها الرسمية كعضو مناوب فى مجلس الأمن الدولى على مقعد إفريقى».

فى المقابل، وفى يوم صدور قرار مجلس الأمن، أعرب وزير الخارجية الإثيوبى دمقى ميكونن عن رغبة إثيوبيا فى عودة المفاوضات الثلاثية، بشأن سد النهضة فى أسرع وقت ممكن!

وكتب وزير الخارجية الإثيوبى فى تغريدة على موقع التواصل «تويتر»، إن: «عند لقائى بنظيرى كريستوف لوتندولا من جمهورية الكونغو الديمقراطية، فى مكتبى، كرّرت التزامنا الراسخ لاستئناف المحادثات، التى يقودها الاتحاد الإفريقى، حول سد النهضة فى أسرع وقت ممكن؛ لأنه فى مصلحة الثلاثية».

جدير بالذكر، أن «لوتندولا» صرّح أثناء تواجده فى الخرطوم للصحافة فى اليوم نفسه- فى إطار جولة رسمية للدول الثلاث (مصر، السودان، إثيوبيا) - أن ملء الخزان من قبل«إثيوبيا يعكس تصلبًا لا يليق بدولة تحترم سيادة جيرانها، وتحافظ على مصالحهم».

لذلك، غير معروف إن كان رد إثيوبيا المتضارب، جاء نتيجة مفاجأتها بقرار مجلس الأمن، والضغط عليها من قِبَل الاتحاد الإفريقى لاستئناف المفاوضات، أمْ أنها مجرد حركة من حركاتها المراوغة، التى اعتمدت عليها خلال العقد الماضى من المفاوضات؟. 

ومن المعروف أن «أديس أبابا» اعتمدت فى مفاوضاتها أسلوب المراوغة؛ حيث تشارك فى المفاوضات لتظهر أمام المجتمع الدولى بأنها متعاونة، فيما تحاول فرض سياسة الأمر الواقع على دولتَىْ (الممر، والمصب) لنهر النيل، من خلال استمرار بناء وملء السد، دون اتفاق، ضمن استراتيچية يشوبها الغموض، وكانت صراعية فى بعض الأحيان، من أجل إضاعة الوقت، واستغلال أطول فترة ممكنة حتى تحقق أهدافها.

 كيف تفكر «إثيوبيا»؟

وبعيدًا عن ردود الفعل، صار التساؤل المُلح  الآن: هل تضطر إثيوبيا للتفاوض بجدّيّة، أمْ تستمر فى المراوغة؟ 

يأمل بعض المحللين السياسيين فى أن الضغط الدولى، والظروف الداخلية التى تمر بها «أديس أبابا» يضطرها للتفاوُض بجدّيّة؛ لتخفف عن كاهلها إحدى الأزمات.. فقد أعلن الرئيس الأمريكى چو بايدن- منذ أيام - عن أمر تنفيذى يسمح بفرض عقوبات على المسئولين والكيانات الإثيوبية؛ بسبب استمرار الأزمة الإنسانية، وانتهاكات حقوق الإنسان فى إثيوبيا؛ إذ كانت الحرب الأهلية هناك مستعرة، ويموت الآلاف فى معارك دامية بين مقاتلى «تيجراى»، والمجندين الذين تنشرهم الحكومة الإثيوبية؛ لدعم جيشها المحطم، كما وثّق أكثر من 200 موقع مذبحة فى «تيجراى»، وتعرضت آلاف النساء للاغتصاب، ناهيك عن المجاعة، وتهديد الكراهية العرقية التى تثيرها الدعاية الحكومية بتقسيم أوصال البلاد. 

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ فقد أدى التعنت الإثيوبى إلى جر السودان (أحد أطراف نزاع سد النهضة) لتلك الحرب بشكل غير مباشر، بعد أن تدفق عشرات الآلاف من اللاجئين من «تيجراى» إلى السودان، ورفض رئيس الوزراء الإثيوبى آبى أحمد عرضًا مبكرًا، قدّمه رئيس الوزراء السودانى عبدالله حمدوك، بالوساطة لوقف إطلاق النار فى «تيجراى»، مما أضر بالثقة بين الزعيمين. وأتت تلك التداعيات، فى الوقت الذى أعادت فيه القوات السودانية والإثيوبية تسليح قطاع من الأراضى الزراعية المتنازع عليها على حدودهما، مما أثار مخاوف من صراع أوسع.

على صعيد آخر، قد تستمر إثيوبيا فى التعنت والمراوغة، إذ تُعَد تصريحاتهم المتضاربة - المذكورة سابقًا - دليلاً على عدم جدّيتها فى دخول مفاوضات بنّاءَة.

ومع ذلك، أكد رئيس لجنة الدفاع والأمن القومى بمجلس الشيوخ المصرى الفريق أسامة الجندى، أن الرئيس «السيسى» قال، إن: «التفاوض مع إثيوبيا حول سد النهضة، الذى تبنيه أديس أبابا على ضفاف النيل، لا يجوز أن يستمر إلى ما لا نهاية، كما أن  الدولة المصرية تتفهم متطلبات التنمية الإثيوبية؛ لكن يجب ألا تكون تلك التنمية على حساب الآخرين».