الخميس 23 سبتمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

بعد عقدين من الحروب أنفقت خلالهما مليارات الدولارات دون نتائج تُذكر: واشنطن تتصالح مع التنظيمات الإرهابية

على مدار عَقدين من الزمن ومع توالى خمسة رؤساء أمريكيين، حمل كل منهم أچندة شملت التعهد بإنهاء الحرب فى أفغانستان والعراق، إلا أن القرار لم يكن من السهل تنفيذه؛ لأن سياسة «الحرب ضد الإرهاب» التى ابتدعها الرئيس الأمريكى الأسبق «چورچ بوش» لمحاربة الجماعات الإرهابية المتمثلة فى تنظيم القاعدة وطالبان؛ لم تأتِ بثمارها رغم مليارات الدولارات التى أنفقت.



 جاء قرار الرئيس الأمريكى «چو بايدن» بسَحب القوات الأمريكية من أفغانستان وترك الساحة لطالبان لتمسك بزمام الحُكم بداية عهد جديد، أو يمكن أن نعتبره فصلًا تاريخيًا جديدًا تتواجد فيه التنظيمات الإرهابية والجماعات المسلحة بصورة «مقبولة» أمام القوى الدولية؛ بل اتجه الأمرُ إلى محادثات بين الدول الغربية وحركة طالبان حول فتح صفحة جديدة من العلاقات.. فهل أصبح العالمُ فى تصالح مع هذه التنظيمات الإرهابية؟.. وهل بدأت واشنطن عهدًا جديدًا تقبل فيه الصلح مع المنظمات الإرهابية وتنسَى سياستها المتبعة منذ عقود مقابل أن تحظى بتعهد تلك المنظمات بعدم المساس بمصالح أمريكا أو حلفائها؟

 الانسحاب الكبير

فى 8 يوليو 2021، أعلن الرئيس الأمريكى «چو بايدن»، أن بلاده فى طريقها لتحقيق هدفها المتمثل فى سَحب القوات الأمريكية من أفغانستان قبل الموعد النهائى الأصلى فى 11 سبتمبر من العام الجارى. موضحًا أن القوات الأمريكية قد ذهبت إلى أفغانستان لمنع هجوم إرهابى آخر بحجم مآسى 11 سبتمبر 2001، وقد أنجز الجيش هذه المهمة.

وفى 15 أغسطس الماضى استطاعت طالبان أن تصل إلى العاصمة كابول وخروج الرئيس الأفغانى «أشرف غنّى» من البلاد، وفى 31 أغسطس أعلنت الإدارة الأمريكية عن خروج آخر جندى أمريكى من الأراضى الأفغانية، ورُغم ما حمله هذا الخروج من فوضى عارمة؛ فإن الرئيس «بايدن» لطالما حاول الدفاع عن هذا القرار، موضحًا أن الإدارة الأمريكية لا تتحمل نتيجة ضعف الجيش الأفغانى ولم تذهب إلى أفغانستان «لبناء دولة».

ويلاحَظ هنا أن القادة العسكريين الأمريكيين كانوا يتوقعون سقوط الحكومة الأفغانية؛ نظرًا لأن القوات الأفغانية كانت تعانى مشكلات مزمنة لم يتم أبدًا علاجُها، مثل الفساد العميق، وإخفاق كابول فى دفع رواتب الجنود وضباط الشرطة لأشهُر، بالإضافة إلى انشقاق القوات التى يتم إرسالها على الجبهة؛ نظرًا لأنه لا يتم توفير طعام، أو ماء كافٍ، ناهيك عن الأسلحة. وفى ظل هذه الظروف أدرك «بايدن» أن بقاء القوات الأمريكية لسنوات إضافية لن يحل مشكلة انهيار القوات الأفغانية، لذا، رأى أن أفضل الخيارات هو سَحب القوات الأمريكية.

  اتفاق المصالح

لم يكن قرارُ الرئيس «چو بايدن» بانسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان مفاجئًا للقوَى الدولية؛ بل المفاجأة كانت فى سرعة إتمام قرار الانسحاب دون أخذ جميع الاحتياطات الأمنية والاستخباراتية فى تبعات وصول تنظيم طالبان إلى الحُكم هى التى أدت إلى هجوم داخلى وخارجى على قرار الرئيس «بايدن»؛ خصوصًا بعد حادث تفجير مطار كابول ومصرع 13 من عناصر القوات الأمريكية، وكذلك زيادة القلق من عودة تنظيمَىْ داعش والقاعدة مرّة أخرى فى المشهد الدولى.

ويُذكر أن الرئيس الأمريكى السابق «دونالد ترامب» أبرم اتفاقَ سلام مع حركة طالبان فى فبراير 2020 تضمّن مغادرة القوات الأمريكية للبلاد، فى حال إيفاء حركة طالبان بالتزاماتها، والتى تتضمن عدم تحويل أفغانستان إلى ملاذ آمن للتنظيمات الإرهابية، غير أن إدارة «بايدن» تجاهلت هذا الشرط، وعمدت للانسحاب مَهما كانت النتائج؛ حيث أكدت الأممُ المتحدة أن أفغانستان تُعَد الآن ملاذًا آمنًا لنحو عَشرة آلاف إرهابى موزعين على القاعدة وداعش، وغيرهما من التنظيمات الإرهابية. 

فى المقابل أصاب دول الاتحاد الأوروبى وحلفاء واشنطن العديد من الهواجس من قرار الانسحاب الأمريكى؛ حيث يتمثل القلق الأوروبى على محورَيْن أساسيين، هما (الإرهاب، واللاجئون). وتمثل القضية الثانية التهديد الأكبر، بالنظر إلى تدفق اللاجئين الأفغان بالفعل على دول الجوار؛ خصوصًا إيران، فى محاولة للوصول إلى تركيا، ومنها إلى أوروبا. 

ولا تمتلك أوروبا من أدوات كافية للتأثير على طالبان؛ خصوصًا بعد رحيل الولايات المتحدة، ولذا، فالحل الأمثل أن دول الاتحاد الأوروبى ستسعى لإدارة هذا الملف بالتعاون مع تركيا، عبر تقديم حزمة مساعدات اقتصادية بهدف استيعاب اللاجئين داخل حدودها، ومنعهم من الانتقال إلى الدول الأوروبية.

 كما يتوقع خبراء أن تتجه الدول الأوروبية إلى توظيف سلاح العقوبات، فقد حذر «جوزيب بوريل»، منسق السياسة الخارجية فى الاتحاد الأوروبى، فى بيان «إذا تم الاستيلاء على السُّلطة بالقوة وإعادة تأسيس إمارة إسلامية؛ فإن طالبان ستواجه عدمَ الاعتراف والعزلة وتراجع الدعم الدولى». ورُغم هذا التهديد؛ فإنه، حتى فى حالة تنفيذه، لن يمثل تهديدًا خطيرًا على حركة طالبان بصورة تدفعها للتجاوب مع المَطالب الأوروبية. 

 اعتراف دبلوماسى

لم تحسم القوَى الغربية بعد طبيعةَ العلاقات التى ستقيمها مع حركة طالبان، رُغم بعث الحركة المتشددة برسائل تطمين إلى المجتمع الدولى؛ لتعطى الانطباع أنها غيّرت من عقيدتها السياسية فى طريقة حُكم البلاد.

ولقيت الحركة ترحيبًا دوليًا من بعض الجهات، لم تحظ به خلال فترة حُكمها السابق التى اتسمت بالعنف (1996-2001)، إذ إن روسيا والصين وتركيا رحّبت بتصريحات قيادييها الأولى.

أمّا واشنطن فقد أعلنت أنها ستنتظر ما ستقدمه طالبان فى بعض الملفات، منها الحريات والمرأة واحترام حقوق الإنسان قبل اتخاذ قرار حول طبيعة العلاقات مستقبلاً معها. وقال «جايك سوليفان» مستشار الرئيس الأمريكى للأمن القومى: «سيكون على طالبان أن تُظهر لبقية العالم من هى». وأضاف «التقييم ليس جيدًا؛ لكن سيكون من السابق لأوانه القول من الآن ما سيكون الوضع فى المستقبل».

من جانبها، حذت المملكة المتحدة حذو الولايات المتحدة تمامًا كما فعلت فى قرار سَحب قواتها من أفغانستان، فقد أكد «بوريس چونسون» رئيس الوزراء، أن بلاده ستحكم على نظام طالبان «بناءً على أفعاله وليس على أقواله».

وكان «دومينيك راب» وزير الخارجية، قد أكد أن لندن «بطبيعة الحال» لن تعمل مع طالبان. لكنه اعتبر أن مع المفاوضات الجارية فى قطر للتوصل إلى حكومة أكثر تمثيلاً للمجتمع الأفغانى، «نريد تقييم ما إذا كانت هناك إمكانية لتعديل نوع النظام الذى سنراه قائمًا».

وأقر «چوزيب بوريل» وزير خارجية الاتحاد الأوروبى بالأمر بشكل صريح، فقال «طالبان ربحت الحرب فى أفغانستان. إذن، علينا أن نتحدث إليهم».

ومع كل هذه المتغيرات فى الموقف العالمى، شهدت جلسة مجلس الأمن التى عقدت الشهر الماضى لبحث أزمة أفغانستان قرارات ضمنية بقول تواجُد «طالبان» كممثل فعلى عن أفغانستان، وقال «أنطونيو غوتيريس» الأمين العام للأمم المتحدة «إن وجود الأمم المتحدة فى أفغانستان سيتكيف مع الوضع الأمنى لكنه سيستمر ويقدم الدعم»، وهو الأمرُ الذى يوضّح التسليم بالأمر الواقع بأن التنظيم الإرهابى أصبح له مكانة ربما تكون معترفًا بها دوليًا خلال فترة قريبة، فقط كل ما يتطلبه الأمر الحفاظ على مصالح الدول الغربية فى المنطقة، وهذا ما أكدته طالبان فى تصريحاتها فى بداية الشهر الجارى؛ حيث أعلنت أنها تسعى إلى إقامة علاقات ودية مع الولايات المتحدة بعد مغادرة آخر جندى أمريكى مطار كابول، كذلك مع الدول الغربية، متعهدةً بإبقاء التزاماتها تجاه المعاهدات السابقة والشعب الأفغانى.

ووفق محللين؛ فإن القوَى الغربية تتمتع بقدر تأثير أقل بكثير الآن بعدما باتت طالبان فى الحُكم. لكن الولايات المتحدة لا تزال تمارس تأثيرًا لا مَثيل له على الجهات المانحة الدولية، ويمكن أن تفرض عقوبات قاسية أو حتى شروطا على المساعدات الضرورية لإعادة إعمار هذا البلد المدمَّر جرّاء الحرب.

وقالت «ليزا كورتيس» المستشارة السابقة للبيت الأبيض المكلفة بشئون وسط وجنوب آسيا فى عهد «دونالد ترامب»، فى تصريحات صحفية، إنه على واشنطن استخدام اعتراف دبلوماسى محتمل بطالبان لتمارس عليها ضغوطا وتفرض اتباع سلوك أفضل.

وتقول هذه الخبيرة فى مركز الأمن الأمريكى الجديد «بما أنه سينبغى علينا توصيل مساعداتنا الإنسانية إلى هناك، سيجرى التعامل معهم ربما على مستوى ما.. لكن فيما يخص الاعتراف الدبلوماسى؛ فإن ذلك لا ينبغى أن يُمنَح دون مقابل».