الثلاثاء 26 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
125عامًا على ميلاده صاحب السمو أمير الصحافة محمـد التابعـى ذكريات ومعارك تسع سنوات فى روزاليوسف

125عامًا على ميلاده صاحب السمو أمير الصحافة محمـد التابعـى ذكريات ومعارك تسع سنوات فى روزاليوسف

ما أصعب وأعذب الكتابة عن «أسطورة الصحافة المصرية» الأستاذ الكبير «محمد التابعي» ورحلته مع روزاليوسف السيدة والمجلة طوال تسع سنوات من العمل الصحفى مع روزاليوسف وكل المجلات التى أصدرتها، وصداقة أربعة عشر عاما.



على صفحات روزاليوسف قام «التابعي» بالثورة الصحفية التى امتدت آثارها لكل الصحافة المصرية والعربية، وأسس مدرسة فى فن الكتابة لا يمكن إنكارها أو تجاهلها أمس واليوم وغدا.

 

كان التابعى ينشر مقالاته فى النقد المسرحى بإمضاء «حندس» حيث كان لايزال موظفا حكوميا فى مجلس النواب، وكانت السيدة روزاليوسف ممثلة مسرحية من طراز فريد أطلقوا عليها «سارة برنار الشرق» وشاءت الصدفة أن يكون الإعجاب والتقدير متبادلا بين الناقد وبين الفنانة.. وكان «حندس» مهتما بالمسرحيات التى تشارك فيها روزاليوسف، وكانت هى من جانبها حريصة على قراءة ما يكتبه عنها برؤية نقدية تخلو من التجريح والسخرية وهى اللغة التى كانت سائدة فى الصحافة الفنية فى تلك الأيام!!

ولم يخطر ببال أحدهما على الإطلاق أنهما سيشاركان فى إصدار مجلة فنية راقية بعيدا عن الشائعات والمهاترات والأكاذيب!

ولم يكن غريبا عندما قررت السيدة روزاليوسف أن تصدر مجلتها بالاتصال بالتابعى وحسب روايتها: «كان التابعى فى ذلك الوقت موظفا فى مجلس النواب ويكتب النقد الفنى لجريدة الأهرام وعلمت أنه فى الإسكندرية - وكان الوقت صيفا فاتصلت به تليفونيا أدعوه للحضور للاشتراك فى تحرير مجلة روزاليوسف ولم يصدق التابعى وأخذ يحاورنى ويظننى أسخر منه أو أدبر له مقلبا ولكنه لم يجد آخر الأمر بدا من أن يحضر إلى القاهرة ويشهد بعينيه». وتحكى روزاليوسف واقعة طريفة بينها وبين التابعى حدثت قبل فترة من صدور المجلة فتقول:

«كان الأستاذ التابعى يكتب عن المسرح فى الأهرام بتوقيع «حندس» بأسلوبه اللاذع فى الصحافة والحياة، ولا ينقطع عن التشنيع على الممثلين والممثلات وابتكار الأسماء الساخرة لهم، دون أن يكرهه أحد منهم بالرغم من كل شيء ثم هو سخى مسرف ينفق ما فى الجيب ليأتيه ما فى الغيب.. مولع بحضور المآدب الحافلة ودفع الحساب فى نهايتها حتى آخر مليم فى جيبه، وقد دعوته يوما إلى العشاء بعد نقاش حاد حول نقده لإحدى المسرحيات، لكنه فى نهاية العشاء أصر على أن يدفع هو الحساب وكان مبلغا ضخما فى تلك الأيام - مائة وخمسون قرشا - ويبدو أنها كانت آخر مائة وخمسين قرشا فى جيبه فقد اختفى من اليوم التالى حوالى أسبوعين، بعد أن نشر نص المناقشة الحامية فى جريدة السياسة».

 كان صدور روزاليوسف صباح 25 أكتوبر سنة 1925 معجزة حقيقية فى عالم الصحافة، حيث كان كل رأسمالها اثنى عشر جنيها ويتذكر التابعي:

«توليت أنا تحرير باب النقد المسرحى وكل ما له علاقة بالتمثيل، وتطوع المرحومان الأستاذان «عباس محمود العقاد» وإبراهيم عبدالقادر المازني.. بالكتابة للمجلة مجانا والوحيد الذى كان يتناول أجرا عما يكتبه هو الأستاذ عبدالوارث عسر.. وكان يتناول خمسين قرشا عن الزجل الواحد، ومن بعده تولى الدكتور سعيد عبده كتابة المواويل والمنظومات القصيرة للمجلة فى مقابل نفس المبلغ أى خمسين قرشا زيدت فيما بعد إلى جنيه واحد!

وطبعنا من العدد الأول ثلاثة آلاف نسخة بيعت كلها فى بضعة ساعات وشجعنا هذا على زيادة عدد النسخ فطبعنا من العدد الثانى أربعة آلاف نسخة ولكن بيع منها خمسمائة نسخة فقط والباقى أى «3500» نسخة أعيدت إلينا  مرجوعًا، ذلك لأن الجمهور كان ينتظر من مجلة تحمل اسم ممثلته المحبوبة المشهورة أن تكون مجلة خفيفة الظل.. ولكن العدد الأول من المجلة كان مملوءا بمقالات فى الأدب أى أنها كانت مجلة لاتهضمها معدة القراء فى تلك الأيام. وهبط التوزيع إلى مائتى نسخة ولم يكن فى مقدورنا أن نستمر على هذا الحال وخصوصا أن السيدة روزاليوسف كانت قد تركت فرقة رمسيس، حيث كانت تتناول أعلى راتب كان يتناوله ممثل أو ممثلة فى تلك الأيام وهو ستون جنيها فى الشهر!

وتضيف السيدة روزاليوسف: كانت العقبات والمصاعب والأزمات تتجمع وتتكاتف وتقف فى سبيل كل عدد.. لا ثمن الورق، ولا أجور الطبع ولا شيء أبدا. ودعوت لعقد مؤتمر خطير لتقرير مصير المجلة بعد أن انكمشت فى السوق فلم يعد يباع منها ما يفى بثمن المشاوير اللازمة من وإلى المطبعة.. وأخذنا فى تبادل الآراء وقال التابعى إن سبب بوار المجلة هو الأدب العالى ومسئوليته تعود على الفلاسفة من أنصار هذا اللون البغيض من الأدب، وأن الجمهور يريد غذاء  يهضمه وخير الغذاء هو الفكاهة التى تشيع فى المواضيع والأخبار والأنباء الطريفة التى تبعث بالابتسام على الشفاه.

وأن نباعد بين الأدب العالى وبين المجلة بعد أن خرب الأدب العالى بيوتنا ونشف ريقنا وورانا المر!!

وأقبل الجمهور على المجلة وارتفع رقم التوزيع من ألفى نسخة إلى ثلاثة.. فأربعة حتى وصلنا إلى تسعة آلاف نسخة ولما تتجاوز المجلة عددها الثلاثين فكان نجاحا هائلا أشعر بنشواته كل أسبوع وكل يوم وبدأت المجلة تثير اهتمام أبناء الطبقة المثقفة وتتغلغل فى قصورهم وتتداولها أيدى فتياتهم وفتيانهم».  

قررت روزاليوسف تحويل المجلة إلى مجلة سياسية ووافق رئيس الوزراء «أحمد زيور باشا» على طلبها قائلا: أعطوها الترخيص خلوها تأكل عيش!! وكما تقول السيدة روزاليوسف: دخلت ميدان السياسة وحيدة لا يسندها حزب ولا يمولها حاكم ولا يدبج لها المقالات، كاتب سياسى قديم.

وكانت فرحتى لا تقدر ولكن أين أجد الفلوس، وانفتحت نفس الأستاذ التابعى على آخرها ورمى فجأة بعلبة السجاير التى على قد الحال وقفز واقفا ليخبرنا فى لهجة حازمة بأنه سيأتى لنا بقرشين من تحت الأرض نبل بها ريقنا فى هذه الليلة، وغاب التابعى وعاد يحمل فى يمينه ورقة من فئة الجنيه فقابلناه صارخين ولكن كيف جرت الأعجوبة؟

«تأملت التابعى من فوق لتحت وبالعكس فإذا بى أرى معصمه خاليا من ساعة اليد وهى ساعة ذهبية كانت عنوان وجاهته فى كل مكان وكانت لها بركات فى أن تجعل الناس يحسنون الظن بالمجلة وبمن يكتبون فيها».

وذات مساء استدعيت الأستاذ «التابعي» صديقى وطلبت منه أن يجرب قلمه فى الكتابة السياسية، وهنا بحلق التابعى فى وجهى وارتفع طربوشه محمولا على شعره الواقف ثم قال لى بلهجة قاطعة: «لا يا ستى أنا لا أحب السياسة ولا السياسيين».

وتعبت معه حتى أقنعته بأن يجرب قلمه فى الكتابة السياسية، كان يحدث أن يجىء مقال الأستاذ «حبيب جاماتى أقصر من الحيز المخصص له فأطلب من التابعى أن يتمم الفراغ بتعليق سياسي، وهنا يصرخ ويحتج ويرفض بإباء وشمم ولكن مناقشاتنا كانت تنتهى كما قال بانهزامه وانتصارى فيكتب كلمة قصيرة فى السياسة تدل - رغما عنه - على استعداد سياسى ممتاز، وهكذا بدأ التابعى يكتب فى السياسة من يونيو سنة 1926.

حتى ذلك الوقت لم يكن الأستاذ «يوقع باسمه على أى شيء فى روزاليوسف حتى سلسلة المقالات التى ترجمها بعنوان «ملوك وملكات أوروبا تحت جنح الظلام.. تسببت فى سجنه مع زميله «إبراهيم خليل» الذى أنابته روزاليوسف ليحل محلها بعد سفرها إلى باريس، وتوقفت المجلة عن الصدور، وحكمت المحكمة بالحبس ستة أشهر مع إيقاف التنفيذ!

وتقول روزاليوسف كان لهذه القضية فضل الكشف عن الأستاذ التابعى ككاتب سياسي، إذ كان حتى ساعة القبض عليه يكتب فى المسائل السياسية مستترا بلا توقيع!

وأثناء نشر التابعى لتلك الحلقات انفرد بالكشف عن وجود مذكرات مهمة للزعيم «سعد زغلول» ولم يكن أحد يعلم بأمر هذه المذكرات حتى أسرة سعد زغلول نفسه، ويروى الأستاذ «التابعي» قصة هذا الانفراد قائلا:

توفى سعد زغلول باشا وكنت موظفا بسكرتارية مجلس النواب عندما لعبت الصدفة دورها الذى لا بد منه فى حياة كل صحفى وصحفية، فقد حدث أن طلبت أم المصريين من زوج ابنة شقيقها المرحوم «فؤاد بك كمال» سكرتير عام مجلس النواب أن ينتدب بعض موظفى السكرتارية لتنظيم مكتبة الزعيم الراحل فانتدب رحمه الله اثنين من زملائى وكانا يعملان معى فى غرفة واحدة وهما «فؤاد فرعوني» الوزير المفوض السابق «وعثمان رمزى - مستشار بالمحاكم - وانتهيا من تنظيم المكتبة بعد أسبوع أو أكثر وعادا إلى عملهما معى فى سكرتارية مجلس النواب.

وذات صباح جلس كل منهما يتحدث إليّ عما لاحظه فى مكتبة الزعيم الراحل وتناول الحديث مذكراته التى تركها، فوصف أحدهما كراستين من هذه المذكرات وصفا دقيقا ولحسن حظى كانت ذاكرتهما قوية، وكانت ذاكرتى أيضا قوية وبعد انتهاء الحديث ذهبت إلى غرفة التواليت الخاصة بالسكرتارية وكتبت رؤوس المواضيع قبل أن أنسي، وصدر بعد ذلك العدد الأسبوعى من روزاليوسف وبه ثلاث صفحات  عن مذكرات «سعد زغلول» «العدد 98 تاريخ 22 سبتمبر 1927».

قامت القيامة ولم تمض ساعات على صدور  العدد وثمنه قرش صاغ واحد حتى قفز الثمن إلى خمسة قروش ثم عشرة قروش ونفدت جميع النسخ من الأسواق ولم يعد فى الاستطاعة الحصول على نسخة واحدة، وقامت الدنيا فى بيت الأمة، واعتقدت «أم المصريين» أن المذكرات قد سُرقت، واتصل بى المرحوم «فؤاد كمال» وكان يعرف  علاقتى  بروزاليوسف وأخذ منى كلمة شرف بألا أنشر شيئا عن مذكرات «سعد زغلول» ويظهر أنه كان يعتقد أننى نشرت أشياء وأخفيت أشياء  ولكن الواقع أننى قد نشرت كل ما كنت أعرفه.

واشتهرت المجلة ، وقفز توزيعها من تسعة آلاف إلى ستة عشر ألف نسخة فى الأسبوع الواحد  ثم أرسل لى مكرم عبيد الأستاذ فوزى اسكندر الذى أخبرنى أن الأستاذ مكرم يريد التعرف بى وكان قد انتخب سكرتيرا عاما للوفد بعد أن انتخب النحاس رئيسا له، وذهبت وقابلته فى مكتبه.

فكان هذا اتصالى الأول بالوفد وسياسة الوفد وأصبحت  بعدها روزاليوسف مجلة وفدية تدعو للوفد وتهاجم خصوم الوفد .. ولما انفضت حكومة الائتلاف بين الوفديين والدستوريين شنت المجلة حملة عنيفة على «الأحرار الدستوريين» وعلى زعيمهم  محمد محمود باشا.

وعرفنى الناس وحتى تلك اللحظة لم أكن أوقع مقالاتى ، كنت رئيس تحرير فعلى لا أسمى ! فهى تحمل اسم شخص آخر ثم استنكفت أن أكون موظف حكومة وأشتم رئيس الحكومة بدون أن يظهر اسمى فقدمت استقالتى فى يونيو سنة 1928 وبدأت الاحتراف ووضعت اسمى كرئيس لتحرير المجلة واحترفت الصحافة ، أى أننى اشتغلت ثلاث  سنوات كهاو قبل أن أحترف الصحافة».

وتضيف السيدة روزاليوسف فى ذكرياتها الصحفية قائلة : كان التابعى بالبرلمان وكان يشتغل فى تحرير المجلة عن طريق التهريب ، شأنه فى ذلك شأن بقية الزملاء الذين كانوا يساهمون فى التحرير ، واستمر على هذه الحال لا يسترعى عمله فى المجلة أنظار الوزارة ، حتى  كان ذلك العهد الذى تقدمت فيه المجلة الصحف السياسية المعارضة فأخذت الوزارة تبث العيون لمعرفة مصادر التحرير فى المجلة!

 وأخيرا وصل إلى علم الوزارة أنه يحرر القسم الأكبر من هذه المجلة وبدأت العيون ترمقه بنظرات مخيفة فكان أمام أمرين لا ثالث لهما : إما أن يترك التحرير وإما أن يترك وظيفته فى البرلمان .. وبعد أخذ ورد بينه وبين نفسه وبينه وبينى رضى بالثانية فأخذ عفشه من البرلمان وأصبح جنديًا صريحًا سافرًا فى خدمة الصحافة وقضية البلاد ، وقد كانت الظروف المحيطة بالموقف على أحسن ما يكون إذ المجلة رائجة وربحها وفير وكنت أقتسم معه وإياه مناصفة هذا الربح ، وإذا المستقبل يبتسم لكلينا ».

منذ تحولت روزاليوسف من مجلة فنية أدبية إلى مجلة سياسية أصبحت حديث الناس والأحزاب ورجال السياسة ورؤساء الحكومات المتعاقبة ، وخاضت عشرات المعارك دفاعا عن مبادئها وحريتها !!

كانت فاتورة هذه المعارك مصادرات وتعطيل المجلة لأسابيع أو شهور أو حتى إلغاء رخصة الصدور  نهائيا !!

عن تلك الأيام بحلاوتها ومراراتها يقول الأستاذ «محمد التابعى»: 

 «كان أول قرار أصدره «محمد محمود باشا» رئيس  مجلس الوزراء قراره بمصادرة مجلة روزاليوسف التى كنت أتولى رئاسة تحريرها – «يوم 30 يوليو سنة 1928» وأصدرنا بعدها مجلات عديدة منها «الرقيب» و«مصر الحرة» و«االشرق الأدنى»!

وكان رجال البوليس السرى ينتظرون إلى أن يتم طبع العدد وإعداده للتوزيع ثم يبلغوا المسئولين ، وأخيرًا تحديث «محمد محمود باشا» وكتبت كلمة فى برواز بالصفحة الأولى من المجلة وكان عنوان الكلمة «عطلها بأه»!!

 وفعًلا أصدر دولته – يرحمه الله – قرارا بمصادرة المجلة وتعطيلها لمدة أربعة أشهر مع إنذار صاحبة المجلة المرحومة فاطمة اليوسف بأن أية مخالفة قادمة أو هجوم على الوزارة سوف يكون الرد عليه هو تعطيل المجلة نهائيا عن الصدور !».

 ولم تتوقف الحرب على روزاليوسف والمجلات التى صدرت كبديل لها ويتكرر السيناريو فى زمن حكومة إسماعيل صدقى باشا ويتذكر التابعى : 

 فى 4 أغسطس 1930 صدر قرار من مجلس الوزراء بتعطيل روزاليوسف تعطيلا نهائيا ، ونشر فى اليوم التالى «5 أغسطس» ، وفى 7 أغسطس أصدرنا «البرق» وفى 13 سبتمبر عطل مجلس الوزراء «البرق» وفى 19 سبتمبر أصدرنا مصر الحرة ، وفى 22 سبتمبر عطل مجلس الوزراء جريدة مصر الحرة وفى 28 سبتمبر سنة 1930 أصدرنا الربيع ، وفى 30 سبتمبر عطلت الوزارة الربيع ، وفى 4 أكتوبر أصدرنا «صدى الشرق» وفى نفس اليوم عطلت الوزارة «صدى الشرق» وفى 15 أكتوبر 30 أصدرنا «الصرخة»!

وتقول السيدة «روزاليوسف»: توالت علينا النكبات المالية بفعل المصادرة ومسك الاشمئناط مرة برقبة صديقى «التابعي» وكان ذلك على أثر إجراءات إحدى هذه المصادرات وكان التابعى يمضى آخر الأسبوع فى رأس البر فأرسل إلى «صدقى باشا» تلغرافا مهره بإمضائه يحتوى على كلمة واحدة وهى «ولو».. وقد أحسنت هذه الكلمة البسيطة عن موقف المجلة وعن نفسية القائمين بتحريرها.

وتروى السيدة روزاليوسف قصة مقابلة عجيبة بين الأستاذ «التابعي» وصدقى باشا رئيس الحكومة فتقول:

كان الأستاذ التابعى على معرفة قديمة بسعادة توفيق دوس باشا وزير المواصلات فى الوزارة الصدقية، فحدث أن دعاه «دوس باشا» إلى مقابلته ليقول له أن دولة صدقى باشا رجل معقول وأنه لا يكره المعارضة إذ جرت على منطق معقول، وطلب إليه أن يأتى معه لمقابلة صدقى باشا فى الإسكندرية!

وبعد الأخذ والرد نزل الأستاذ التابعى على إرادة «دوس» باشا لأننا كنا نود أن نعرف رأى صدقى باشا الرجل فى المعارضة بعد أن عرفنا فيها رأى «صدقى باشا» رئيس الوزراء.!

وهنا يحكى التابعى فيقول أن المقابلة جرت فى منزل الباشا بالإسكندرية وكان الباشا واقفا فى حديقة الدار، وأنه استقبله بابتسامة «كليشيه» من الصنف الممتاز ثم تناول الحديث فيما تناول مسألة المعارضة فقال صدقى باشا ما مضمونه إذا كانت المعارضة تقضى أن تضربونى بالسيف فيصح أن تضربوا النحاس باشا ولو بالدبوس.

ثم أن الباشا صاحب الدولة أخذ يبدى امتعاضة من الصور الكاريكاتورية التى نسجلها له على صفحات المجلة ويقول أن «خلقته» ليست على القبح الذى ترسمه بها ريشة المصور فى المجلة «الرسام صاروخان!»!

وتعلق السيدة روزاليوسف قائلة: ضحكت لامتعاض صدقى باشا، وقلت حقيقة أن الرجل حريص على شهرته كدونجوان من الصنف الراقي، وودت لو كنت مع «التابعي» لأرى وجه الباشا وهو يقول إن وشه مش «وحش» كده، وهذا وجه الباشا لم أره قبل ذلك ولم أره أبدا أثناء قيامه فى الوزارة لأحكم على كمية «السكس أبيل» التى يعتريها الاشمئناط إذا تجاسر أحد على أن يمسها بشيء حتى ولو بريشة المصور!

روزا والتابعى يا جدع «روزا والتابعى يا جدع»!!

هكذا كان نداء باعة الصحف على مجلة روزاليوسف صباح يوم صدورها، ودخلت روزاليوسف والتابعى التاريخ من أوسع  أبوابه، فهى المجلة الوحيدة التى هاجمت الأحزاب والحكومة بل والمندوب السامى البريطانى نفسه من خلال مقالات التابعى أو أفكاره التى تجسدها ريشة الفنان «صاروخان».

ولأول مرة تحتفل الصحافة المصرية وحزب الوفد بمرور عشر سنوات على اشتغال التابعى بالصحافة، وحرصت روزاليوسف على نشر هذه الكلمات والتهاني.

قال مصطفى النحاس باشا بعد مقابلته مع التابعى: يسرنى أن أعلم أنك اجتزت عشر سنين فى عالم الصحافة الحرة بأسلوبك الجديد الرائع الذى ابتدعته فى فن التحرير، وكتب «مكرم عبيد» من أسوان برقية جاء فيها: إن لك فى كل قلب وفى عقل كل وفدى مكان التقدير والإعجاب، وكان الأولى أن أقول كل مصرى بل كل شرقى عربى فالكل عرف لك فضلك وإخلاصك وأسلوبك البديع والمبتدع، وصلتنا اليوم فى أسوان روزاليوسف فتخاطفها الناس ـ أى تخاطفوا المجلة لا صاحبتها ـ سلامى للسيدة روزاليوسف وأبلغك وإياها تحيات دولة الرئيس الجليل.

وكتبت الأهرام بتاريخ 19 مارس سنة 1933: كان أمس ختام عشر سنوات على احتراف الأستاذ «محمد التابعي» مهنة الصحافة والذين يعرفون الأسلوب الجديد الذى ابتدعه محرر روزاليوسف يشهدون له بأنه من أقدر الصحفيين فى السهل الممتنع، وله فضل الأسبقية والابتكار ولا يزال متميزا به، فريدا فيه، فنهنئه ونرجو له  فى خدمة الصحافة عشرات السنين!

ولم تتخلف صحيفة واحدة عن تهنئة التابعى بهذه المناسبة اعترافا بدوره المهم والرائع فى الصحافة المصرية.

فجأة تعكر الجو بين الأستاذ «محمد التابعي» والسيدة «روزاليوسف» فى صيف سنة 1934 وتوالت الخلافات بينهما على التافه والجليل على حد قولها، وخرج التابعى ليؤسس مجلة آخر ساعة، وتصدر روزاليوسف الجريدة اليومية فى مارس سنة 1935، لكن بقى بينهما الود والتقدير والاحترام لم ينقص! وفى هذا الصدد يقول الأستاذ التابعي:

الواقع أنه لم يكن سهلا على نفسى أن أترك روزاليوسف وصاحبتها بعد زمالة فى العمل دامت تسع سنوات وصداقة أربعة عشر عاما!!

لم يكن سهلا فقد كنت دائما أذكر لها يرحمها الله أنها كانت بالنسبة لى أما وشقيقة معا، ولا أنسى وقد كنت يومئذ أقيم بمفردى فى فيللا بشارع أحمد مظهر بالزمالك، لا أنسى ليلة عاودنى المغص الكلوى الشديد فقمت ووضعت معطفا فوق ثياب النوم، وسرت وأنا منحنى الظهر أبحث عن عربة أو سيارة إلى أن وجدت  «تاكسى» عند تقاطع شارع حسن صبرى مع شارع 26 يوليو وذهبت إلى مسكنها فى شارع الحواياتى  ولا أعرف ماذا يسمونه الآن ـ وكانت الساعة قد جاوزت منتصف الليل ضغطت على زر الجرس، وفتح لى الباب زوجها الأستاذ «زكى طليمات» الذى كان قد عاد من باريس فى 1928 ـ أى منذ ثلاث سنوات ـ وهبت هى من نومها مذعورة تسأل ما الخبر؟

واستندت إلى ذراع زكى طليمات وقادنى إلى غرفة نومه التى كان فيها سريران، ونمت فى أحدهما بينما ذهبت هى وملأت «قربة» من الجلد بالماء الساخن ووضعتها على موضع الألم، وبقيت فى دارها أربعة أيام زارنى خلالها المرحومان السيدان «مصطفى النحاس» و«مكرم عبيد» بعد أن عرفا بمرضي، لقد قامت هى وزوجها الأستاذ زكى طليمات على خدمتى وتمريضى طوال الأيام الأربعة إلى أن استطعت مغادرة الفراش والعودة إلى مسكنى بالزمالك.

ومن هنا لم يكن سهلا على نفسى أن أتركها فى عام 1934 وأترك مجلة روزاليوسف، ولكن واحدا أو اثنين من الانتهازيين المستغلين ـ وقد انتقلا إلى رحمة الله ـ كان أفهماها أنه لا حاجة بها لأن تتقاسم معى ربح المجلة وأن مجلة روزاليوسف «لو طبعت ورق أبيض لبيعت فى السوق» لأن اسمها كان يكفى لحمل القراء على شرائها وهكذا.. قدر!!

ولقد عرفت رحمها الله الحقيقة بعد ذلك وكتبت كلمة فى مجلتها قالت ما قالته فى وصف أخلاق الاثنين المذكورين وأشادت فيها بى فى كلمة طويلة ثم التقينا صدفة فى رمل الإسكندرية بعد صدور مجلتى الجديدة بشهر ونصف الشهر واقترحت على أن أعود إلى عملى فى روزاليوسف، ولكنى قلت: ماذا يقول الناس عنى إذا أنا أغلقت مجلتى وعدت إليك بعد ستة أسابيع!! وأكدت أننى سوف أكون دائما فى خدمتها وأننا نستطيع أن نتعاون معا ونبقى أصدقاء كما  كنا.

وبعد أيام قليلة من وفاة السيدة روزاليوسف فى 10 أبريل سنة 1958 يكتب التابعى على صفحات الأخبار كلمة تقطر حزنا جاء فيها:

القلم لا يطاوعنى لأكتب عن روزاليوسف ميتة! إنه نفس القلم الذى كثيرا ما كتب عنها وهى نجمة المسرح وكوكب الصحافة.. كيف يستطيع القلم الذى كتب شهادة الميلاد أن يكتب شهادة الوفاة؟! لست أعرف كيف أبدأ؟!

فروزاليوسف بالنسبة لى لم تكن صديقة فحسب وإنما كانت شريكة الشباب كانت رفيقتى فى الكفاح الطويل الشاق.. كانت جزءا من صراعى فى الحياة وكنت جزءا من حياتها المليئة بالعرق والدم والدموع!

كان اسمى يظهر إلى جوار اسمها فى عشرات المجلات التى أصدرناها، فى قضايا الصحافة.. فى محاكم الجنايات.. فى معارك الصحافة التى خضناها وفى قمة الطغيان التى عاشتها الصحافة فى عهود الاستبداد وكنت أجد فيها الصديق الوفى والزميل القوى والشريك فى المحن والخطوب ورأينا الفشل معا والنجاح معا وذقنا الإفلاس معا والأرباح معا!

ومررنا فى الهزائم والانتصارات جنبا إلى جنب وانقطعت شركتنا ولم تنقطع صداقتنا.. وفرقتنا الأيام ولكنها لم تستطع أن تنسينا ذلك الماضى المليء بالأحلام والآلام.. وها هى تذهب اليوم وأشعر أن جزءا منى قد ذهب معها إنها أيام الشباب.

ومهما طال الكلام عن «صاحب السمو أمير الصحافة الأستاذ محمد التابعي» فهو قليل قليل، لكن المهم أنه دخل التاريخ ولم يخرج منه..