السبت 25 سبتمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
انتفاضة القدس أسقطت الأقنعة وفضحت «تسييس» حقوق الإنسان

انتفاضة القدس أسقطت الأقنعة وفضحت «تسييس» حقوق الإنسان

حقوق الإنسان الفلسطينى هى قصة طويلة حزينة فى مسيرة منظمات حقوق الإنسان الدولية، ثم جاءت انتفاضة حى الشيخ جراح فى القدس لتسقط الأقنعة الزائفة من جديد وتكشف الوجه الحقيقى للمنظمات التى تاهت من جديد فى شوارع القدس.



فلسطين ليست على خريطة حقوق الإنسان، فمن يحدد أجندة العمل ويوجه التمويل لا يكترث بالحق الفلسطينى ولا بحياة أو موت أطفال غزة، بل ويتجاهل تمامًا جرائم الحرب الإسرائيلية، فى المقابل تسعى طوال الوقت لتشويه وجه دول ليست على وفاق معها مثل مصر، وتعمل بشكل منهجى على تزييف الحقائق؛ وربما الدفاع عن العناصر الإرهابية التابعة لجماعة الإخوان المسلمين الإرهابية.

بالتأكيد مصر تعانى من انتهاكات حقوقية مثلها مثل باقى دول العالم، فلا توجد أى دولة وصلت لحد الكمال، لكن تلك المنظمات استهدفتها لدرجة دفعتها إلى التحرك لتعطيل صفقات التسليح المصرية، ومخاطبة رؤساء الدول والمنظمات الدولية لوقف التعامل مع الدولة المصرية، بل وأطلقت حملات فى مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة والبرلمان الأوروبى وغيرها من المؤسسات الدولية، فعلت ذلك بينما الدولة المصرية حققت نجاحات لا ينكرها سوى جاحد فى ذلك الملف تحديدًا وربما على رأسها إنجاز المبادرة الرئاسية حياة كريمة لتنمية القرى وتحسين أحوال سكان الريف المصرى وهو مشروع حقوقى بامتياز ويخاطب ملايين المصريين ويعطى المواطن المصرى حقه فى التنمية المستدامة وهى أحد أهم أهداف الألفية الموضوعة من جانب الأمم المتحدة.

على الجانب الآخر لن تجد أى تحرك من جانب تلك المنظمات تجاه إسرائيل لا فى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ولا فى البرلمان الأوروبى، تجاهل تام لجرائم الحرب الإسرائيلية لم يتحدث عنها سوى المنظمات العربية وتحديدًا المنظمة العربية لحقوق الإنسان.

إسرائيل فى الانتفاضة الأخيرة ارتكبت 4 جرائم ضد الإنسانية بحسب القانون الدولى بدأت بالتهجير القسرى لأهالى حى الشيخ جراح بالقدس وتفريق تظاهرات سكانه الرافضة للقرار بقوة السلاح مما تسبب فى سقوط ضحايا من المدنيين، وقامت طائراتها الحربية بقصف قطاع غزة، وهو ما أوقع عددًا كبيرًا من الضحايا والمصابين بالإضافة إلى قصف مقرات صحف ووسائل إعلام، وهو ما يمثل انتهاكًا للاتفاقيات الدولية وقرارات مجلس الأمن الهادفة لحماية الصحفيين فى مناطق النزاعات المسلحة. 

وبحسب ما رصدته المنظمة العربية لحقوق الإنسان لأعداد الضحايا فقد بلغ عدد الشهداء بعد سبعة أيام من القصف المتواصل برًا وبحرًا وجوًا 216 فلسطينيًا، بينهم 202 مدني، وإصابة نحو 5500 فلسطينى، وسقط فى قطاع غزة وحده 188 شهيدًا، بينهم 175 مدنيًا، يضمون 55 طفلًا و 33 سيدة، ونحو ألفى مصاب منهم 400 فى حالة خطرة، وثبت أن الجيش الإسرائيلى استخدم أسلحة شديدة التفجير ذات قوة نيرانية عالية التدمير، ضد مناطق مدنية دونما اكتراث بحياة وسلامة المدنيين.

وتسبب القصف المتواصل فى تدمير 900 وحدة سكنية بشكل كامل وتضرر 5 آلاف منزل بصورة جزئية نتيجة استهداف الأبراج السكنية المزدحمة، ونتيجة هدم المنازل على رؤوس قاطنيها، وبصفة خاصة فى فترات الليل دون تحذير مسبق، والذى أدى لمذابح كبيرة، من أبرزها ما جرى لأسرة أبوحطب فى مخيم الشاطئ شمالى غزة والذى أودى بحياة 11 شخصًا بينهم ثمانية أطفال وسيدتان.

كما استخدمت قوات الاحتلال القوة المميتة ضد المحتجين فى القدس الشرقية ومدن وبلدات الضفة الغربية، ما أدى إلى استشهاد 21 فلسطينيًا بالذخيرة الحية فى مواجهة محتجين لمجرد استخدام بعضهم الحجارة، وإصابة نحو 4 آلاف آخرين.

واستعانت السلطات الإسرائيلية بميليشيات المستوطنين المسلحين فى ملاحقة السكان الفلسطينيين على جانبى الخط الأخضر، وشهدت مدن  1948 اعتداءات مروعة بحق فلسطينيين يتمتعون بجنسية دولة الاحتلال.

ومارست إسرائيل التهجير القسرى المجرم دوليا ضد الفلسطينيين القاطنين فى القدس ضمن مخططها لتهويدها ومحو الوجود العربى وينطبق التعريف الدولى لجريمة التهجير القسرى على التصرفات الإسرائيلية بحق سكان حى الشيخ جراح حيث دفعتهم للرحيل والهجرة، باستخدام وسائل الضغط والترهيب والاضطهاد، واستخدمت قوتها المسلحة السطو على منازل الفلسطينيين من قاطنى الحى وتفريق المظاهرات السلمية بقوة السلاح والاعتداء عليها فى مخالفة للحق فى التظاهر.

ورغم أن محكمة العدل الدولية اعتبرت جدار العزل الإسرائيلى فى كل من الضفة والقدس جريمة فصل عنصرى «الأبارتهايد» وأكدتها تقارير لجنة الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على جميع أشكال التمييز العنصرى إلا أن المنظومة الحقوقية الدولية لم تعاقب المنظومة الأممية إسرائيل وتجاهلت ممارسات سلطات الاحتلال الإسرائيلى ضد الفلسطينيين حتى حاملى الجنسية الإسرائيلية ومصادرة حقهم فى البناء والتنقل والعمل والزواج من أجانب بخلاف الفصل الكامل بين الفلسطينيين فى الضفة الغربية وغزة.

وتحت أنظار العالم قامت الطائرات الحربية الإسرائيلية «برج الجلاء» فى حى الرمال بمدينة غزة وبداخله مقرات وكالة الأنباء الأمريكية «الأسوشيتد برس»، ومحطات إذاعة محلية وشبكات إنترنت، وقامت قوات الاحتلال باعتقال لحوالى 27 صحفيًا فى الضفة الغربية وهى جريمة حرب بموجب المواد 8 من 55 من بروتوكول روما الأول المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية ولقرار مجلس الأمن رقم 2222 لسنة 2015.

واعتبر القانون الدولى استهداف مكاتب الصحفيين انتهاكًا للحماية القانونية المفروضة للصحفيين فى مناطق النزاعات المسلحة بموجب اتفاقيات لاهاى لعام 1899 والمادة 79 من البروتوكول الإضافى الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1949 والتى نصت على حماية الصحفيين خلال قيامهم بمهمتهم الصحفية فى مناطق النزاعات المسلحة ومنحتهم حصانة من الأعمال العسكرية وعدم توقيفهم، وكذلك احترام مقار عملهم وممتلكاتهم حيث لا تعتبر المكاتب الإعلامية أهدافًا عسكرية.

كل ذلك حدث أمام أعين هيومان رايتس ووتش والعفو الدولية ولم تحرك ساكناً، اكتفت بالبيانات فقط ولا حملة ولا مطالبة بوقف تسليح الجيش الإسرائيلى ولا حديث عن معاقبة إسرائيل بالقانون الدولى.

تجاهل أكبر مؤسستين حقوقيتين فى العالم للقضية الفلسطينية يفتح المجال أمام اتهام تلك المنظمات بممارسة العمل السياسى وليس الحقوقى، وأنهم مجرد أداة للضغط على الدول وليس حماية حقوق الإنسان.

ارتبطت بوصلة تحرك هيومان رايتس ووتش والعفو الدولية دائمًا بالسياسة الخارجية الأمريكية والبريطانية، ومع تولى الرئيس الأمريكى جو بايدن الرئاسة وإعلانه عن أن سياسته الخارجية ستكون قائمة على حماية حقوق الإنسان، تمت ترجمتها عمليًا قبل أزمة القدس باجتماع وزير الخارجية أنتونى بلينكن مع عدد من النشطاء، فى مشهد استقواء واضح من جانبهم بالإدارة الأمريكية الجديدة ضد حكوماتهم، فالدفاع الأمريكى عن انتهاكات إسرائيل ضد الفلسطينيين والانحياز لها فى مجلس الأمن وتعطيل أى قرار يدين انتهاكاتها لحقوق الإنسان الفلسطينى يؤكد أن حديث الإدارة الأمريكية الحالية أو أى إدارة قادمة عن حقوق الإنسان مجرد تجميل لسياستهم الخارجية القائمة على تحقيق مصالح وخطط الإدارة ولا مانع من تمريرها فى شكل شعاراتى جذاب.

وكان صمت هؤلاء النشطاء أمام انحياز الإدارة الأمريكية لإسرائيل متوقعًا أيضًا، فى ممارسة أصبحت معتادة لازدواجية المعايير، وتطبيق معاييرهم الخاصة بحقوق الإنسان بالمقاس على دول وتجاهل دول أخرى لديها حصانة من الولايات المتحدة. 

والحقيقة أن العدالة الدولية وقفت عاجزة أمام الجرائم الإسرائيلية المتعددة بحق الشعب الفلسطينى، بداية من مجلس الأمن المتخاذل عن اتخاذ أى قرار ضد إسرائيل، وحتى المحكمة الجنائية الدولية ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة وتراجع منظمات حقوق الإنسان الدولية عن الضغط من أجل محاكمة مجرمى الحرب فى إسرائيل.

نحن أمام حالة من العجز الشديد عن تحقيق العدالة سببها تدخلات الولايات المتحدة، واستخدامها لحق الفيتو أكثر لحماية إسرائيل وهو ما أعطاها نوعًا من أنواع الحصانة الدولية والإفلات من العقاب وهو ما شجع الحكومات الإسرائيلية على استمرار انتهاكها لحقوق الإنسان.

على الجانب الآخر اعتادت الإدارة الأمريكية تعنيف إسرائيل فى الكواليس على جرائم الحرب لوضعها -الولايات المتحدة- فى حرج دولى وهو ما يهدد خططها المرتبطة بمصالحها، ومع بداية الشد والجذب بين بايدن وبنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلى بدأت هيومان رايتس ووتش والعفو الدولية الاقتراب على استحياء من الأزمة، وصدرت بيانات تنتقى ألفاظها بعناية دون أن تتطرق إلى أسبابها مع تعمد إدانة الطرفين.

والدليل أن آخر بيان أصدرته هيومان رايتس ووتش عن فلسطين كان بتاريخ 12 مايو الماضى وانتقدت فيه التصعيد الإسرائيلى، لكنها فى الوقت نفسه وصفت أعمال المقاومة الفلسطينية «بالشغب» دون أن تتطرق إلى جرائم الحرب أو توثق عدد الضحايا، أو حالات توقيف واعتقال الصحفيين، حتى أنها تجاهلت قصف برج الجلاء فى غزة رغم أنه كان يضم وكالة الأسوشيتد برس الأمريكية.

وفى إبريل الماضى أصدرت تقريرًا انتقدت فيه سياسات الفصل العنصرى من جانب إسرائيل ضد الفلسطينيين وكان عنوانه «إسرائيل ترتكب الفصل العنصرى... قرار لم نتوصل إليه بسهولة» ورغم رقة العنوان وإظهار صعوبة إدانة إسرائيل على المنظمة الأمريكية إلا أن محاولتها للتوازن وعدم إحراج إسرائيل رفضته الخارجية الأمريكية وقالت فى بيان رسمى ردًا على التقرير: إن إسرائيل لا تنتهج سياسة «فصل عنصرى» بحقّ الفلسطينيين.

أما العفو الدولية فأصدرت بيانًا واحدًا ينتقد إسرائيل ويطالب بوقف التصعيد، جاءت سطوره ذرًا للرماد فى العيون، ولغته خفيفة بالمقارنة بما يكتب فى سياقات أخرى ضد دول موجودة على أجندتها، وللعفو الدولية تحديدًا تاريخ قديم من التعاون مع إسرائيل بحسب تقرير نشرته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية فى مارس 2017  استخدمت إسرائيل الفرع المحلى للمنظمة كواجهة لوزارة الخارجية الإسرائيلية فى أواخر الستينيات والسبعينيات، استند التقرير لوثائق رسمية أفرجت عنها وزارة الخارجية الإسرائيلية، قالت: إن بعض رؤساء أفرع منظمة العفو الدولية فى إسرائيل كانوا على اتصال منتظم بوزارة الخارجية الإسرائيلية منذ أواخر الستينيات وصولًا إلى منتصف السبعينيات من القرن الماضى، وكان هؤلاء المسئولون يبلغون نظراءهم فى وزارة الخارجية عن أنشطتهم المختلفة وتلقيهم عددًا من التعليمات لتنفيذها.

الوثائق كشفت محاولات إسرائيل التأثير فى نشاط منظمة العفو الدولية من الداخل، وتحدثت عن تلقى مكتب العفو فى إسرائيل أموالًا ومساعدات مادية نقلت عبر وزارة الخارجية لتغطية الرحلات الجوية والبدلات اليومية ورسوم التسجيل والمبالغ المستحقة عن مقر المنظمة.

وكانت الفترة الذهبية لازدهار العلاقات بين وزارة الخارجية الإسرائيلية، ومكتب منظمة العفو فى الفترة ما بين عام 1974 و1976عندما تولى يورام داينشتاين مسؤولية إدارة مكتب المنظمة وكان موظفًا سابقًا فى وزارة الخارجية الإسرائيلية وعمل كقنصل إسرائيلى فى نيويورك وكانت الخارجية الإسرائيلية على اتصال دائم به خلال فترة رئاسته للمنظمة وهى الفترة التى شهدت عمليات اغتيال الموساد لقادة الفصائل الفلسطينية.

ما جرى فى انتفاضة القدس كان كاشفًا لازدواجية هيومان رايتس ووتش والعفو الدولية، وفاضحًا لتمثيلهم دور الأسد أمام الدول المستهدفة من الغرب أما أمام إسرائيل فهى مجرد نعامة مكسورة الجناح!.