الجمعة 25 يونيو 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

رحيل موجع لأسطورة لن تتكرر: سمير غانم.. كل هذا الحزن من أجلك وحدك

يقولون إنّ كبرَ العمر والمرض الذى يسبق الوفاة عاملان ممهدان للرحيل، يساهمان بشكل أو بآخر فى تخفيف ألم الأحبّة، وتحجيم قسوة الفراق، لكن تلك الجملة تبدو كأسطورة سخيفة لا تحمل أى نوع من الصدق مع رحيل أى مبدع بالغ التأثير، فأى إشارة تصدر من هذا المبدع فى أيامه الأخيرة لتعلن عن اقتراب النهاية يتلقفها محبوه بمزيد من التشبث بالأمل فى البقاء، فرحيله يعنى لهم رحيل جزء من تاريخهم الشخصى وذكرياتهم التى ارتبطت بتاريخ هذا المبدع وإنجازه، وفى حالة النجم الخالد «سميرغانم» فاق الحزن أى وصف، وشَعر كل فرد منا بأن مصابًا جللاً قد حدث داخل بيته، وتحولت مواقع التواصل الاجتماعى على اختلاف روادها إلى سرادُق عزاء كبير، يواسى فيه المحبون بعضهم بعضًا بحزن صادق، لم يتكرر كثيرًا منذ نشأة تلك المواقع.. والسطور التالية ما هى إلا محاولة لفهم اللغز.. لماذا حَزن المصريون على «سمير غانم» كما لم يحزنوا من قبل؟



 النهاية الدرامية

جزءٌ كبيرٌ من الارتباط الذى يشعر به الجمهور تجاه كوميديانات الزمن الجميل حتى الآن يرتبط بنهاياتهم المأساوية، تلك المفارقة الكبيرة بين الضحك الذى تسببه أعمالهم، والأسَى الذى تخلفه أخبارُ رحيلهم تخلق نوعًا من التعاطف يزيد من مَحبتهم داخل القلوب بلا شَك، فلا يمكن أن يضحك أحدهم على مَشهد قدّمه «إسماعيل يس» قبل عشرات السنوات، إلا ويتذكر ما تناقلته الأخبار عن أيامه الأخيرة حينما أدار له الزمان ظهره، وانحسرت الأضواء عنه، وتراكمت الديون عليه، حتى قتله اليأس، ولا يمكن أن يردد أى شخص إيفّيه من إفيهات «عبدالفتاح القصرى» الشهيرة إلا ويقفز فى ذهنه قسوة سنواته الأخيرة، حينما أصيب بالعمَى وفقدان الذاكرة، وتلقى الطعنات الغادرة من أقرب الناس إليه حتى رحل وحيدًا، يعانى الفقر والغدر.. والحقيقة أن قائمة الفنانين أصحاب النهايات المأساوية تطول، وفى حالة الفنان الراحل «سمير غانم» شعر الجميع بقسوة تقلب الزمن وغدره، فالراحل حتى أيامه الأخيرة كان يعمل، وفى الموسم الرمضانى الماضى شارك ابنته «إيمى» فى إحدى الحملات الإعلانية، كما شاركت زوجته القديرة «دلال عبدالعزيز» فى مسلسل (ملوك الجدعنة) لتقدم دور «عطية» فتأسِر القلوب بخفة روحها وجمال طلتها المعهودة، كما كان من المنتظر أن يعرض مسلسل (عالم موازى) من بطولة ابنته «دنيا» ليعدل كفة الكوميديا المائلة هذا الموسم، لكن كل هذا تبدد بين يوم وليلة، وتحولت نظرات الإعجاب بتلك الأسرة السعيدة إلى نظرات ترقب وخوف من المجهول، وتعجب من قسوة الزمن وتبدّل الأيام، فسرعان ما أعلن خبر إصابة الفنانة «دلال عبدالعزيز» وابنتها بالفيروس اللعين، مما أدى إلى خروج المسلسل من السباق، ومن ثم الإعلان عن تدهور حالتها الصحية، ثم دخول النجم الراحل إلى المستشفى، وصراعه مع المرض، ثم رحيله دون وداع من شريكة عمره وحبيبته، التى أخفَى عنها المُحبون الخبرَ الحزين خوفًا على صحتها.. كل هذه الأحداث المتلاحقة أضفت دراما من نوع خاص على مشهد الرحيل.

 العطاء المستمر

على مدار ستة عقود عمل خلالها فى الفن عاش «سميرغانم» ليُمتع المصريين دون توقّف، وما يتعجب منه البعض أن «سمير غانم» كانت له تجربة مسرحية العام الماضى لم تستمر طويلاً بعنوان (الزهر لمّا يلعب)؛ حيث بدأ عرض المسرحية فى نهاية يناير 2020، وتوقفت سريعًا بسبب انتشار فيروس كورونا، وإذا كان العمل المسرحى يحتاج إلى مجهود كبير؛ فإنه فى حالة «سَمُّورَة» يحتاج إلى مجهود مضاعف، فهو مَلك التفاصيل على خشبة المسرح، ومن يقرأ شيئًا عن كواليس مسرحياته الناجحة يجد أنه كان شريكًا أساسيّا فى كل عناصر المسرحية، يضيف من خبرته فى السيناريو والإخراج والاكسسوارات والملابس، ولعل هذا العطاء الإبداعى الذى لم ينقطع كان سببًا فى أن يشعر البعض بصدمة عندما أُعلن عمره الحقيقى مقرونًا بخبر الوفاة، فالرجل أمام الكاميرا ينسى أنه قد تجاوز الثمانين، ويتحول سريعًا إلى شاب فى العشرينيات من عمره.

التجدد ومواكبة العصر

أفُول نجم أى فنان سببه الجُمود وعدم مجاراة العصر، وكثير من الفنانين الذين انحسرت عنهم الأضواء وتوقفوا عن العمل فى سنواتهم الأخيرة حدث لهم ذلك لأنهم لم يعوا تلك الحقيقة، لكن «سمير غانم» كان يعيها جيدًا، لذلك تعامل مع غالبية النجوم الشباب دون تنظير، أو استخفاف بموهبتهم أو بما يقدمونه، ودون فرض حواجز بمنطق الأستاذية وفَرق الخبرات، لذا تجده قد منح فرصًا من ذهب للعديد من الوجوه على مدار مشواره الفنى الطويل، وفى السنوات الأخيرة، عندما تغيرت معادلة الكوميديا فى مصر، التقط ذلك بذكائه وفطرته، فتعامل مع غالبية شباب «مسرح مصر» فى أعماله الأخيرة، وغيرهم من الوجوه الجديدة، بالإضافة إلى أنه لم يتوانَ يومًا فى لقاءاته المتعددة أن يمتدح الناجح منهم.. هذا التواصل الدائم كان سببًا فى بقائه حاضرًا وبقوة فى ذاكرة كل الأجيال حتى الأحدث منها.

 تحديد الهدف

فى بداية حياة «سمير غانم» الفنية، وعندما كان واحدًا من نجوم (ثلاثى أضواء المسرح) بمشاركة «چورچ سيدهم والضيف أحمد» كتب لهم الإذاعى المعروف «أحمد سعيد» مسرحية سياسية بعنوان (مطلوب ليمونة)، وكانت المسرحية بها جرأة فى انتقاد الوضع السياسى القائم آنذاك، فتدخلت الرقابة لمصادرتها سريعًا، وبعد تلك الواقعة بسنوات طويلة، قدّم «سمير» من تأليف «وحيد حامد» مسرحية ذات مغزى سياسى تحمل عنوان (جحا يحكم المدينة) حذفت الرقابة معظمها عندما عُرضت على شاشة التليفزيون، مما جعله يفكر طويلاً قبل تقديم تجربة مشابهة، وفى السينما قدم فيلمًا ميلودراميّا وحيدًا بعنوان (الرجل الذى عطس) من تأليف «لينين الرملى»، ورُغم روعة الدور ومغزاه؛ فإن الراحل صرّح بأنه لا يحب هذا الدور، ولا يشعر أنه يشبهه، ولعل هذا ما يميز «سمير» عن غيره من الفنانين، فهو لا يذهب إلا إلى ما يشبهه، لا يدّعى العمق، ولا يتظاهر الإلمام بأبعاد الأمور، وبالتالى لم يتساءل الناس عن موقفه من الثورات، ولم يشغلهم معرفة رأيه فى الأحداث السياسية العديدة التى مرت بها مصر، فقط هو يمتلك خلطة سحرية تسعد الناس فيقدمها لهم ليستمتعوا بها.

 النقاء وتصدير المَحبة

فى حياة «سمير غانم» لا مكان للغيرة، ولا خلافات تؤثر على المَحبة، لا مشاعر عدائية لأحد، وحتى الخلاف الذى حدث بينه وبين «چورچ سيدهم» بعد أن أفصح له عن رغبته فى الانفصال عن الفرقة، والاستقلال بنفسه سرعان ما تلاشَى بمرض الأخير الذى تسببت سرقة أخيه له فى مرضه، فانتصرت العِشرة والمَحبة فى النهاية، وظلت المودة هى التى تغلف حديث الطرفين عن بعضهما، ولا أحد ينسى أن «سمير» كان سببًا فى أن يلقى الجمهور على «چورچ» نظرة الوداع فى 2014 عندما أقنعه بالظهور فى إعلان إحدى شركات المشروبات الغازية بعد طول غياب، وهو الظهور الذى لم يتكرر إلى أن وافته المنية فى مارس 2020، أمّا «سمير» فقد ذكر فى ندوة تكريمه بمهرجان القاهرة السينمائى عام 2017 أن أكثر ما أسعده بهذا التكريم هو رسالة «چورچ سيدهم» له، التى قال له فيها: (حبيبى سمير.. تكريمك هو تكريمى لمشوار عشناه معًا، فعندما تتوّج لجائزة فاتن حمامة فهى تطوّق عُنقى).

 الحياة بلا صخب

أجمل ما فى أسرة «سمير غانم» أنها أسرة تشبه كل المصريين، تتبع القواعد ذاتها التى يتبعها البيت المصرى الذى من أولى مقوماته أن تظل مشاكله بداخله، لذلك كان من الصعب وعلى مدار 37 عامًا منذ زواج الثنائى أن يُنشر خبرًا عن خلاف نشب بينهما، أو مشكلة ألمّت بهما، وهو أمر توارثته «دنيا وإيمى» اللتان يتعامل معهما الجمهور باعتبار موهبتهما فقط، فلم يشعر الجمهور أن تواجدهما القوى على الساحة الفنية سببه الواسطة، أو أن والدهما قد استغل نفوذ نجوميته لفرضهما، كل هذا حقق قربًا من نوع خاص بينه وبين الجمهور، بالإضافة إلى القرب الذى تحقق نتيجة عدم انعزال الراحل عن الناس، لدرجة أنه صرّح من قبل أن إفّيهاته الخالدة معظمها مستقى من أناس شاهدهم بنفسه، وتعامل معهم عن قرب، واحتفظ بعباراتهم المميزة فى ذاكرته الإبداعية ليستخدمها وقت الحاجة، لذلك كان من الطبيعى أن يبادله الجمهور هذا القرب، ليشعر الناس أنه فرد منهم، عاش مثلهم، وتحدّث بلسانهم، وساهم فى إسعادهم، فمَلك قلوبهم.