الإثنين 10 مايو 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

التفاصيل الكاملة لمفاوضات «الفرصة الأخيرة» حول سد النهضة

بعد توقف تجاوز ثلاثة أشهُر، واجه مفاوضات سد النهضة تعثرٌ جديدٌ، عقب الإعلان عن فشل الاجتماعات الوزارية الأخيرة بين الدول الثلاث- مصر والسودان وإثيوبيا، والتى عقدت مطلع الأسبوع الماضى فى كينشاسا عاصمة الكونغو الديمقراطية.. وبحسب بيان وزارة الخارجية المصرية؛ فإن «جولة المفاوضات، التى عقدت يومَى الأحد والاثنين الماضيين، «لم تحقق تقدُّمًا ولم تفض إلى اتفاق حول إعادة إطلاق المفاوضات». 



كشفت مصادر مطلعة لـ«روزاليوسف» كواليس الخلافات التى سيطرت على اجتماعات وزراء الدول الثلاث بكينشاسا، مما دفع رئيس الكونغو الديمقراطية للتدخل وتمديد المفاوضات على مستوى الخبراء، بعد أن فشل الوزراء فى التوصل إلى اتفاق. 

وأكدت المصادر بأن ما جرى فى تلك الجولة من المفاوضات، لم يكن سوى مناورة إثيوبية أرادت بها أديس أبابا التنصل من أى إطار قانونى أو اتفاق ملزم؛ حيث طالبت بترحيل المفاوضات لما بعد الملء الثانى للسد، فضلًا عن رفع سقف مطالبها بطرح بند تقاسُم مياه النيل على طاولة التفاوض.

وأرجعت المصادر سبب الخلافات العميقة التى سيطرت على الاجتماع الوزارى المغلق للدول الثلات، إلى محاولة الوفد الإثيوبى شق الصف المصرى السودانى والوقيعة بينهما، ورفض طلب الوفد السودانى بإمداده بالمعلومات والبيانات اللازمة قبل الملء الثانى لسد النهضة الإثيوبى لكى لا تقع مشاكل عند سد الروصيرص؛ حيث تَذَرَّعَ الوفد الإثيوبى بأنه يرفض إشراك القاهرة فى هذا الشأن وإنها مسألة تخص البلدين.

وكذلك اعتراض الوفد الإثيوبى على أن يكون التفاوض على النقاط الخلافية على أساس مرجعية مسودة واشنطن أو حتى بعد إجراء تعديلات عليها.

قبيل انطلاق المحادثات المباشرة من المفاوضات، التى تميزت بأنها الأولى برئاسة الكونغو للاتحاد الإفريقى، والأولى بحضور الوزراء وجهًا لوجه منذ انتشار فيروس «كورونا» وبعد فشل مفاوضات واشنطن فبراير 2020. تضاربت الرسائل التى تبادلتها الدول الثلاث فيما بينها ما زاد من احتمالات فشل هذه المفاوضات حتى قبل أن تبدأ.

ففى حين لم تكتفِ مصر بإرسال فقط وفدها الرسمى للتفاوض إلى كينشاسا، ممثلا فى كل من وزير الخارجية ووزير الموارد المائية والرى، وَجَّهَ الرئيس «عبدالفتاح السيسى» خطابًا رسميّا لرئيس الكونغو الديمقراطية «فيلكس تشيسيكيدى»، تضمّن العديد من الرسائل الإيجابية التى كشفت عن أن مصر تنظر إلى مستقبل العلاقات، من خلال البعد الشعبى والأخوى مع شعوب دول حوض النيل، ودول القارة الإفريقية.

فى المقابل، كانت الإشارات القادمة من أديس أبابا حول ما يعتزم الإثيوبيون التصرف حتى قبل أن تبدأ جولة المفاوضات الثلاثية تحت مظلة الاتحاد الإفريقى سالبة ومحبطة للغاية وتنسف أى أمل فى التوصل إلى حل سلمى توافقى للأزمة.

فقد استبق الجانب الإثيوبى اجتماعات كينشاسا بالإعلان عن توليد الطاقة من السد فى أغسطس المُقبل، بعد الملء الثانى الذى يصر على المضى قُدُمًا فيه، حتى لو لم يتم الاتفاق مع مصر والسودان حول آلية الملء والتشغيل. 

فقد دعت أديس أبابا قبل بدء الاجتماعات إلى إعادة النظر فى اتفاقية 1959 بغرض التوصل إلى اتفاقية جديدة لتقسيم المياه، وإسقاط الاتفاقية التى تطالب مصر باحترامها والمحافظة على الحصة التى أقرتها لها فى مياه النيل والتى تبلغ 55.5 مليار متر مكعب سنويّا. 

وهو نفس المطلب الإثيوبى، الذى طرح بالفعل خلال المفاوضات مما يعنى تغيير الخطاب الإثيوبى المتعلق بالغرض من إنشاء السد، من مجرد توليد الكهرباء، إلى إعادة توزيع المياه وتقليل حصة كل من مصر والسودان من إيراد النيل. 

فيما طالب رئيس وزراء السودان الدكتور «عبدالله حمدوك» فى رسائله إلى كل من الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبى والاتحاد الإفريقى بعدم إثارة مسألة الحصص فى الجولة الجديدة من المفاوضات والتركيز على القضايا الفنية والقانونية الخاصة بالتشغيل والأمان. 

على مدار ثلاثة أيام، منذ السبت الماضى، تبادل وفود كل من مصر وإثيوبيا والسودان، المباحثات الثنائية، ومع كل من المبعوثين الأمريكى والأوروبى، فى حضور رئيس الكونغو الديمقراطية، التى تتولى بلاده رعاية جولة المفاوضات الحالية باعتبارها الرئيس الحالى للاتحاد الإفريقى.

وقد بدا واضحًا أن هناك اهتمامًا كبيرًا من جانب الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبى بمتابعة جلسات التفاوض بكنيشاسا، باعتبارها الفرصة الأخيرة للوصول إلى اتفاق شامل لقواعد ملء وتشغيل سد النهضة، ومنع أى تصعيد حول هذا النزاع؛ حيث بعث السفير الأمريكى لدى الكونغو «مايكل هامر»، برسالة إلى الوفد الإثيوبى المشارك فى المفاوضات حثَّه فيها على تبادُل البيانات بشأن السد لتلافى حالات طارئة فى مصر والسودان. وقال: «من المهم تبادُل بيانات السد وملئه مع الأطراف الأخرى».

وكانت المفارقة هى رفض الجانب الإثيوبى للطلب الأمريكى. 

وخلال الجلسات، قدمت وفود البلدان الثلاثة رؤيتها فيما يتعلق بأزمة سد النهضة ولكن انتهى الاجتماع الوزارى المغلق للوفود الثلاثة «من دون تحقيق أى تقدُّم» إثر اتساع هوّة الخلافات بين الدول الثلاث، ما قاد إلى تعثر صدور بيان ختامى، وتمديد المباحثات لساعات إضافية. 

ففى اليوم الأول للمفاوضات، عقدت اجتماعات فنية على مستوى الخبراء واللجان الفنية لوزراء الرى فى الدول الثلاث، تمهيدًا للقاءات التفاوضية لبحث قواعد بناء وملء السد، تلتها لقاءات مباشرة بين وزراء الخارجية والرى.

طرح خلالها الجانبان المصرى والسودانى على الجانب الإثيوبى شروطا واضحة لا تقبل اللبس، تتمثل فى تغيير طريقة ومنهجية التفاوض- بإشراك وسطاء جدد من الاتحاد الأوروبى والولايات المتحدة والأمم المتحدة إلى جانب الاتحاد الإفريقى- وهو المقترح السودانى الذى يطالب بالوساطة الرباعية وتؤيده مصر من أجل التوصل إلى اتفاق قانونى ملزم قبل الملء الثانى لسد النهضة فى موسم الأمطار المقبل.

إلا أن الوفد الإثيوبى رفض ذلك، وأصر على وساطة الاتحاد الإفريقى على أن تكون باقى الأطراف مراقبة، كما أصر أيضًا على إجراء الملء الثانى فى يوليو المقبل، ورفض أى آلية من شأنها إدارة مشتركه للسد.

تواصلت المفاوضات لليوم الثانى على التوالى؛ حيث عُقد اجتماع مغلق بين وزراء خارجية الدول الثلاث. انتهى دون اتفاق على منهجية التفاوض بسبب استمرار تعنت وتصلُّب الموقف الإثيوبى ورفضه للوساطة الرباعيه (٣+١) التى تتمسك بها دولتا المصب مصر والسودان، ما أدى إلى فشل المفاوضات حول المنهجية الجديدة التى من شأنها الدفع بعملية التفاوض حتى يمكن الوصول إلى اتفاق قانونى ملزم ومُرضٍ للأطراف الثلاثه قبل بدء إثيوبيا فى الملء الثانى. 

عُقد الاجتماع المُغلق الثانى فى اليوم الثالث من مفاوضات كينشاسا بحضور وزراء خارجية الدول الثلاث. وتضمنت المطالبات «المصرية- السودانية» بأن يلتزم الجانب الإثيوبى بوقف الاستفزازات والتعهد بعدم اتخاذ أى أعمال خاصة ببدء الملء الثانى أو أى خطوات تضر دولتَى المصب لحين حسم ملف التفاوض وتوقيع اتفاق قانونى ملزم بمشاركة وضمانات دولية، بدورها لم تقدم إثيوبيا أى ضمانات بشأن الملء الثانى للسد فى يوليو المقبل ولم تستجب للمطالبات الأخرى؛ بل طرحت على طاولة المفاوضات بند تقاسم المياه ما كشف عن أن السد لم يعد مرتبطا بتوليد الطاقة؛ إنما بالمساعى الإثيوبية لإعادة تقسيم مياه النيل. 

بعد انتهاء الجلسة المسائية لوزراء الخارجية والرى للدول الثلاثة، دون إحراز أى تقدم لتقريب وجهات نظر ورؤى الأطراف المعنية فشلت أيضًا الأطراف الثلاثة فى صياغة البيان الختامى وتم تمديد المفاوضات ليوم إضافى بعد تدخُّل الرئيس الكنغولى «تشيسيكيدى».

كان الموقف «المصرى- السودانى» قد شهد تطورًا خلال تلك الجولة من المفاوضات، من المطالبة بتغيير إطار المفاوضات وضرورة وجود وساطة رباعية إلى تيسير ووضع حلول للقضايا ثم إلى إيلاء المسئولية لرئاسة الاتحاد الإفريقى بأن يستخدم ما لديه من أدوات لحلحلة الأمور، ولكن قوبلت كل تلك الأطروحات بالرفض الإثيوبى المتواصل، وآخرها الاقتراح المصرى بأن تتم المفاوضات - وفقًا للولاية الممنوحة من قبل رؤساء دول وحكومات الاتحاد الإفريقى- وذلك للتوصل لاتفاق قانونى ملزم.

لهذه الأسباب مجتمعة،أعلنت كل من مصر والسودان فى بيانات منفصلة، فشل مفاوضات كينشاسا حول سد النهضة، وذلك بعد ساعات من اجتماع وزارى «إضافى» لصياغة البيان الختامى لاجتماعات سد النهضة بعاصمة الكونغو.