السبت 27 فبراير 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
  دعاة السوشيال ميديا.. سلفيون خلف التريند! "الحلقة الأولى"

دعاة السوشيال ميديا.. سلفيون خلف التريند! "الحلقة الأولى"

 



كاريكاتير عماد عبدالمقصود
كاريكاتير عماد عبدالمقصود

 

فى وقت واحد كانت ثلاثة أصوات مختلفة تطالبنى أن أضع هذه الظاهرة على بساط البحث، كان الصوت الأسبق زمنيّا هو صوت الزميل أحمد الطاهرى، رئيس التحرير، فى أول مقابلة بيننا بعد أن تولى منصبه، وكان الصوت الثانى هو صوت الأستاذ والصديق الكبير نبيل عبدالفتاح، المفكر والباحث الكبير، وكان الصوت الثالث هو صوت الزميل محمد فتحى، رئيس تحرير أحد برامج «التوك شو» المهمة، الذى كان يدعونى لفتح الملف عبر هواء البرنامج.. كانت هذه ثلاثة أصوات من خلفيات إعلامية وبحثية وعمرية مختلفة تحرّضنى على دراسة هذا الموضوع المهم... ولم تكن الظاهرة بعيدة أبدًا عن اهتمامى، ولكننى كنت مشغولًا بالانتهاء من دراسة الماضى الذى هو بالتأكيد طريقٌ إلى الحاضر والمستقبل.. وها قد آن الأوان.

مَن هم دعاة «السوشيال ميديا»؟.. من ناحية الجيل نحن نتحدث عن الجيل الثالث من الدعاة الجُدُد، وهى ظاهرة بدأت مع بداية الألفية تقريبًا، وكان يمثل الجيل الأول فيها دعاة أبرزهم عمرو خالد، وخالد الجندى والحبيب على «قبل أن يحسما انتماءهما الفكرى للمؤسَّسَة الدينية الرسمية»، وكان فيها أيضًا إخوان متخفون فى ثياب الدعاة، مثل صفوت حجازى وحازم صلاح أبو إسماعيل «كانوا يتحدّثون عن آداب الخطبة والحب فى الإسلام»، ويدعون أن لاعلاقة لهم بالسياسة، أمّا الجيل الثانى؛ فقد عَبَّر عنه دعاة مثل معز مسعود، ومصطفى حسنى، وآخرين أقل شُهرة، مثل شريف شحاتة، وعمرو مهران وآخرين، الجيل الثالث من الدعاة الجُدُد هم دعاة «السوشيال ميديا»، ويتميزون بأنهم لا يمارسون الدعوة سوى فى الفضاء الأزرق.. إن بعضهم لم يصعد منبر جامع فى حياته، وربما لم يجلس فى مجلس علم واحد ولا مَرّ بأى مرحلة من المراحل التى يمر بها الداعية التقليدى، هو أيضًا لا يحتاج لموافقة الأوقاف على أن يمارس عمله، إنه يُحَلق وحده فى الفضاء الافتراضى ويَخلق جمهوره، ويتحكم فى مضمون ما يقوله، ولا أحد يستطيع إيقافه سوى شخص ما فى وادى السليكون فى أمريكا.

كاريكاتير عماد عبدالمقصود
كاريكاتير عماد عبدالمقصود

 

يتميز دعاة السوشيال ميديا بالطبع بصغر السِّن، وتتراوح أعمارهم بين بداية العشرينيات والخامسة والثلاثين، وعلى عكس الدعاة الجُدُد والدعاة التقليديين فإن دعاة السوشيال ميديا لا يحددون موضوعاتهم مسبقًا ولكنهم غالبًا ما يربطون الموضوعات التى يتحدثون فيها بـ«التريند» أو الموضوع الأكثر رواجًا على وسائل التواصل الاجتماعى؛ حيث يكون هذا هو مدخلهم لإيصال رسالتهم.

مَن هم دعاة «السوشيال ميديا» إذن؟.. نحن نتحدث عن أطياف واسعة ومتنوعة؛ حيث يمكن لكل من شاء أن يصور فيديو قصيرًا فى موضوع دينى، ويطرحه على صفحته على «فيس بوك»أو «يوتيوب»، بعضهم لم يجد لونه بعد وبعضهم يقلد الدعاة الجُدُد من الجيل الأقدم، وبعضهم يقدم صيغة إسلامية ساذجة لكتاب «السّر»، ومناهج التنمية البشرية الأمريكية، ويقدم دورات مدفوعة بعنوان «كيف تصبح من ذوى الألباب؟»، ومن أشهَر هؤلاء أحمد عاشور، الذى يقدم مادة غير مدروسة جيدًا، وتصل أحيانًا إلى حدود اللغو..مثل قوله بأن سرطان الثدى يصيب السيدات بسبب الضغط داخل صدورهن! إلى غير ذلك من كلام يصل إلى حدود «الهرتلة» بلغة شباب هذه الأيام.

 

كاريكاتير عماد عبدالمقصود
كاريكاتير عماد عبدالمقصود

 

هناك نماذج كثيرة تُعَبّر عن حالات مختلفة، «عاشور»- مثلًا- فى بداية العشرينيات، وهو مماثل فى العمر لنجم آخر فى هذا المجال وهو «مؤمن ندا» الذى يبدو واثقًا من نفسه بطريقة تدعو للدهشة، فهو يقول فى حوار مع موقع «بوابة الحوار الدولى» إنه كان يعمل مونتيرًا ومصورًا لعَدد من الفيديوهات الدعوية التى يسجلها آخرون، وأن هذا منحه الخبرة الكافية لكى يصبح داعية! ورُغْمَ سِنِّه الصغيرة («23» عامًا)؛ فقد بدأ منذ خمس سنوات على يوتيوب، ثم انتقل إلى موقع فيسبوك، وهو يقول إنه لم يدرس الدين بأى طريقة منظمة، ولم يحصل على أى دورات فى العلوم الشرعية، وهو يستعين فى إعداد الفيديوهات التى يقدمها بكتاب واحد لا غير هو «الفقه المُيَسَّر»..! ويقول إنه لا مانع لديه من رفع الفيديو بعد إذاعته لو اتضح أنه يحتوى على أخطاء شرعية. يقول أيضًا إن أساتذته هم أسماء مثل «علاء حامد، أبو بكر القاضى، محمد الغليظ».. وهى أسماء لشباب فى منتصف الثلاثينيات.. من السَّلفيين الجُدُد.. وبعضهم من أبناء الجيل الثالث من الدعاة الجُدُد.. هو لا يقول مثلًا إنه تلميذ محمد الغزالى! أو حتى عمرو خالد! أو غيرهما من مشاهير الدعاة.. إن هذه الأسماء لا تعنيه، وبعضهم بلا مصداقية لديه، إنه لا يعرف سوى الدعاة الذين وصَّلوه عَبر الفضاء الأزرق، وتأثر بهم وقرّر أن يقلدهم ويصبح داعية مثلهم عَبر قراءة فى كتاب ثم الوقوف أمام كاميرا الموبايل لتسجيل فيديو دينى.

على أن الكتلة الأساسية والمؤثرة من دعاة السوشيال ميديا هم من السَّلفيين الجُدُد أو سَلفية التريند، وهم هجين من الدعاة السَّلفيين التقليديين وبين الدعاة الجُدُد، فمن حيث المَظهر العصرى هم يشبهون الدعاة الجُدُد فى تفاصيل كثيرة، ومن حيث المضمون هم أقرب لدعاة السَّلفية، وإن كانوا يصيغون هذا المضمون فى قوالب كوميدية ضاحكة.

 

كاريكاتير عماد عبالمقصود
كاريكاتير عماد عبالمقصود

 

وهم يتجاوزون الدعاة الجُدُد من حيث بساطة اللغة، واقترابها أكثر من الشارع اقترابًا يصل إلى حدود الابتذال، وبعضهم يعتبر هذا الابتذال مقبولًا مادام يؤدى إلى تسويق الدين الذى يصفه بأنه «منتج» ويصف نفسَه بأنه «خَدّام المنتج».. إنها لغة تخلط بين دور رجُل الدين وبين دور مندوب المبيعات، وقد كان هذا هو جوهر فكرة الدعوة الجديدة فى مصر منذ مطلع الألفية.

فى قلب ظاهرة «سلفية التريند» تبرز أسماء مهمة لدعاة مثل أمير منير، وياسر ممدوح، ومحمد الغليظ، وسنعرض لبعض هذه الأسماء بالتفصيل فى حلقات مقبلة.. لكن السؤال المهم الآن: لماذا حقق دعاة السوشيال ميديا هذا الحضور، ولماذا هم سلفيون تحديدًا؟.. إجابة هذا السؤال لها علاقة بهزيمة الإخوان فى الثلاثين من يونيو ورفْض المصريين لهم، فلم يكن سرّا أن ظاهرة الدعاة الجُدُد فى بداية نشأتها كانت ظاهرة إخوانية تمامًا.. فأستاذا عمرو خالد.. «وجدى غنيم» و«عمر عبدالكافى» قياديان فى جماعة الإخوان، وهو نفسُه كان من قيادات الجماعة فى جامعة القاهرة فى الثمانينيات (كنا فى «روزاليوسف» أول من كشف ذلك)، وداعية مثل مصطفى حسنى كان إخوانى الهوَى طوال سنوات صعود الإخوان، كان الدعاة الجُدُد يصعدون طوال سنوات صعود الإخوان.. وكان هناك من يتمسّح بهم تزلفًا للإخوان.. لكن الجماعة هُزمت.. أزاحها تحالف من القوات المسلحة والشعب، هذا التحالف فيه مكون سلفى.. إذن السَّلفيون غير ممنوعين من التواجُد والعمل.. ليقل هؤلاء الدعاة إذن إنهم سلفيون.. وسيكون هذا جواز مرور يمنع رفض الناس والسُّلطات لهم وبعدها سيكون لكل حادث حديث.

 

كاريكاتير عماد عبدالمقصود
كاريكاتير عماد عبدالمقصود

 

من الأسباب الأخرى لصعود دعاة السوشيال ميديا هو هذا الانتشار السّرطانى لوسائل الاتصال، فالتليفونات فى يد الجميع، والقنوات التليفزيونية تفتقد للجاذبية، وهناك أربعون مليون مصرى لهم حسابات على فيس بوك فقط... والأهم من هذا أن كل الدعاة الجماهيريين الذين عرفتهم مصر كانوا أبناء وسائل الاتصال فى عصرهم..فالشيخ الشعراوى كانت نجوميته نتيجة انتشار التليفزيونات فى بداية السبعينيات، ونجومية الشيخ كشك كانت نتيجة دخول الكاسيت مصر عام 1975، وعمرو خالد أصبح نجمًا بفضل انتشار الفضائيات فى بدايات الألفية وربما لولاها لعاد محاسبًا كما طلب منه أحد المسئولين ذات يوم.

دعاة «السوشيال ميديا» إذن هم أبناء هذا التطور التكتولوجى، هم أبناء الدرس الدينى الذى يمكن تسجيله بينما أنت تسير بالسيارة، درس قصير، مدته خمس دقائق، لغته كوميدية و«عاميته جارحة».

داعية السوشيال ميديا على عكس الجيل الأول من الدعاة الجُدُد.. إنه لا يقدم نفسَه كشخص مُهذّب مُمتثل، لا..إنه يقدم نفسَه على أنه «شبَح»..لا يهمه أحد و«مُقطع البطاقة».. وإذا كان الجيل الأول من الدعاة «وكلهم غير أزهريين» قد اجتهدوا فى إثبات مهارتهم فى تحصيل العلم الشرعى، وسعَى بعضُهم للحصول على الدكتوراه، وتمسَّح بعضُهم فى الأزهر؛ فإن دعاة الجيل الثالث يفاخرون بأنهم لم يتعلموا من أحد، وأنهم علّموا أنفسَهم بأنفسهم، أمّا مصادر ثقافتهم فهى بسيطة للغاية، مثل الاستماع إلى شريط كاسيت، أو برنامج لداعية مُعَيّن.. وقتها يحدث التحوُّل.. ويُقرر الطالبُ الفاشل أن يلتزم دينيّا، وأن يتحول إلى داعية.. إن هذا النموذج مُلهم لجمهور السوشيال ميديا..إنه يخبرهم أن باستطاعتهم التحوُّل من كائنات لا فائدة لها..تحدق فى شاشة الموبايل طوال اليوم إلى نجوم، وهُدَاة لغيرهم، ودُعاة أثرياء.. ينظمون دورات التنمية البشرية.. ويلقون محاضرات مدفوعة الثمَن، ويخرجون كمرشدين دينيين فى رحلات الحج الفاخر، ويديرون صفحات فيس بوك وقنوات يوتيوب تدر عليهم عشرات الآلاف كل شهر..أليس ذلك مغريًا!!.

فى الحلقة التالية.. «أمير منير.. شبح الدعوة»