الأربعاء 25 نوفمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
من نيكسون إلى بايدن .. العلاقات المصرية الأمريكية فى نصف قرن

من نيكسون إلى بايدن .. العلاقات المصرية الأمريكية فى نصف قرن

أكتُب من القاهرة الآمنة المستقرة..عائدًا من واشنطن المتوترة.. بعد تغطية  واحدة من أغرب الانتخابات الرئاسية فى تاريخها، التى سعينا إلى نقل واقعها دون رتوش هنا على صفحات «روزاليوسف».. تلك الانتخابات التى جرت ما بين «دونالد ترامب» و«جو بايدن»، وانتهت بإعلان فوز «بايدن» ليعود الديمقراطيون إلى البيت الأبيض وينتظرون فقط اعتماد ممثلى المجمع الانتخابى للنتيجة المعلنة فى ديسمبر المقبل، وأن ترفض المحكمة العليا طعون حملة ترامب التى ترفض الاعتراف بالنتيجة وتعد أنصارَها بسيناريو انتخابات 2000 التى جرت ما بين «آل جور» و«بوش» الابن، عندما أُعلن فوز المرشح الديمقراطى «آل جور» فى نوفمبر ثم أقرَّت المحكمة فوز «بوش» الابن بعد مرور 37 يومًا على إعلان فوز آل جور، وجاء فوز بوش بنحو 573 صوتًا.. ولكن السيناريو الأخير هو رهن قضائى ونحن الآن أمام حقيقة سياسيّة تعامَل معها العالمُ الذى انتظر معرفة نتيجة تلك الانتخابات لما لها من تبعات على السياسة الدولية بشكل مباشر.. وهذا هو مربط الفرس: «التبعات» على الشرق الأوسط  وفى القلب منه مصر.. أمّا «المستقبل» فهو محور الحديث، وعلى الأخص ما بين القاهرة وواشنطن.. ويحمل «تاريخ» العلاقات «المصرية- الأمريكية» معطيات شافية تقود إلى نتائج أو تساعد فى الوصول إلى نتائج.. أمّا الحقائق فهى بنت الأيام المقبلة.. وهو ما سنسعَى لاستشرافه فى السطور التالية..



 

أولا.. مصر وأمريكا فى خمسين عاماً موجات الود والخلاف وفلسفة التعاون الدائم 

 

إن استعراض خمسين عامًا من العلاقات «المصرية- الأمريكية» بداية من عهد إدارة نيكسون وصولًا لإعلان فوز بايدن.. ومن عهْد الرئيس الراحل محمد أنور السادات، وصولًا إلى عهد الرئيس عبدالفتاح السيسى للوهلة الأولى تكتشف أن العلاقات بين القاهرة وواشنطن تعرف التمييز، ولذلك تستحق الوصْفَ بأنها علاقات استراتيجية قائمة على المصالح المتبادلة والنّدّية والبُعد المؤسّسى حاكم لها.

بمعنى.. أن هذه العلاقات تميز بين جملة المصالح التى تجمع الدولتيْن من جهة، وبين مسألة التناغم والاختلاف حول قضية من القضايا المشتركة التى تهم الدولتيْن من جهة، وبين التناغم والاختلاف مع الإدارة التى تسكن البيت الأبيض من جهة أخرى، وهو ما يتضح من العرض الآتى للعلاقات «المصرية- الأمريكية» مع مختلف الإدارات التى سكنت البيت الأبيض وانتماءاتها الحزبية:

 

إدارة نيكسون الحزب الجمهورى 

 

كانت هذه مرحلة جَسّ نبض للحُكم الجديد فى مصر وللرئيس السادات تحديدًا  من قِبَل الولايات المتحدة بعد رحيل الرئيس عبدالناصر فى سبتمبر 1970.. لم تُقْدِم الولايات المتحدة على تغيير نمَط العلاقة مع الرئيس الجديد، كانت ترتكن إلى الأمر الواقع الممَثل فى حالة اللا سلم واللا حرب وتجميد قضية الشرق الأوسط بعد قبول الرئيس عبدالناصر لمبادرة «روجرز» ورغبة الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى- آنذاك - فى عدم اشتعال الموقف.

خلال هذه المرحلة نجح صانعُ القرار المصرى فى قراءة الواقع الأمريكى بشكل يفوق قراءة صانع القرار الأمريكى للواقع المصرى.. وبدأ ذلك بإشارات واضحة عن استقلالية القرار فى مصر عن الاتحاد السوفيتى رُغْمَ الصداقة أو حتى التحالف المَرحلى، وظهر ذلك مع قرار طلب مغادرة الخبراء السوفييت من مصر، وفى العام 1972 بدأت قنوات الاتصال بين القاهرة وواشنطن إلى أن جاء يونيو 1972 ومعه أصيبت إدارة نيكسون فى مَقتل بتفجير فضيحة «ووتر جيت». فى هذه الأثناء كانت مصرُ تقومُ بالإعداد لمَرحلة العبور بقوة ودقة متناهية، وكان جزءًا من هذا الإعداد سياسيّا قراءةُ المشهد الأمريكى، وبينما كانت إدارة نيكسون تترنح قامت مصرُ بحربها الكبرى لتحرير أرضها فى أكتوبر 1973 وتدَخَّلت إدارة نيكسون بكل قوتها لدعم إسرائيل من جهة، ولكن من الجهة الأخرى بدأت الولايات المتحدة تعرف أن مصالحها تتأثر بقوة مما يحدث فى الشرق الأوسط  والداخل  الأمريكى من الممكن أن يعانى, لتبدأ فى إعادة قراءة لسياستها تجاه المنطقة، والتى بدأت مع عهد الإدارة التالية.

 

إدارة جيرالد فورد 

الحزب الجمهورى 

 

تولى الرئيسُ فورد الحُكمَ بعد استقالة نيكسون على أثر فضيحة «ووتر جيت».. كانت مصرُ قد حقّقت الانتصارَ فى حرب أكتوبر 1973 وبدأ العالمُ يُعيد قراءة المشهد فى الشرق الأوسط وفى مصر بالغة القوة والحيوية التى استعادت كبرياءَها بمعجزة عسكرية.. وكانت مرحلة «فورد» هى مرحلة عبور من نوع آخر للعلاقات «المصرية- الأمريكية» وللشرق الأوسط .

ولكن يمكن اعتبار مرحلة إدارتى نيكسون وفورد من 1969 حتى 1977 هى مرحلة «هنرى كيسنجر» وزير الخارجية ومستشار الأمن القومى الأمريكى فى تلك الحقبة، والمخطط الاستراتيجى الحقيقى لمنهج الولايات المتحدة فى التعاطى مع الشرق الأوسط وقراءة القوى المؤثرة فيه ومجمل المصالح الأمريكية فى المنطقة وكيفية الحفاظ عليها.. ومن هذا المنطلق جاء التأسيس الحديث للعلاقات «المصرية- الأمريكية» مع عهد إدارة كارتر.

 

إدارة جيمى كارتر 

الحزب الديمقراطى 

 

بين يدى عدد جريدة الأهرام الصادر بتاريخ 4 نوفمبر 1976 صباح حسم نتيجة الانتخابات الأمريكية التى جرت بين كارتر وفورد - أهداه لى المؤرخ الصحفى الأستاذ موفق بيومى- وجاء مانشيت الأهرام بلا انحيازات، معلنًا انتخاب كارتر رئيسًا للولايات المتحدة بفارق مليونَى صوت بينه وبين فورد.

وفى العدد نفسه، رحَّب الأستاذ الكبير صلاح جاهين  بالرئيس الأمريكى الجديد قائلًا (كارتر خيرك).. مرحلة كارتر كانت مرحلة ذهبية فى العلاقات «المصرية- الأمريكية» لأول مرّة تعرف هذه العلاقات مرحلة التناغم فى المواقف والتنسيق الاستراتيجى، ومن هنا جاء التأسيسُ الحديث للعلاقات التى شهدت مبادرة الرئيس السادات للسلام وخطابه فى الكنيست، ثم مفاوضات كامب ديفيد، ثم اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل ومعها تَعهُّدات أمريكية بدعم السلام وتثبيته وإنجاحه فى المنطقة، وهى التعهدات التى عُرفت شعبيّا باسم «المعونة الأمريكية» التى تقدم لمصر وإسرائيل بأرقام ونسب متفاوتة.

فى هذه المرحلة قدَّم الرئيس السادات الوجه الحضارى العالمى لمصر وانتزع احترام العالم كرجُل سلام وحصل على جائزة نوبل للسلام، ولكن الود والتناغم لم يستمرا، واستمرت المصالح، وهو ما حدث فى عهد ريجان.

 

إدارة رونالد ريجان 

الحزب الجمهورى 

 

لم يتم التجديد لكارتر.. لم يحصل على ولاية ثانية.. كانت هذه هى المفاجأة السياسية التى حملتها الانتخابات الأمريكية التى جرت بين جيمى كارتر الديمقراطى ورونالد ريجان الجمهورى.

معطيات العصر والزمن ظهرت أيضًا على صفحات جريدة الأهرام؛ إذْ يُوثِّق عددُها الصادر فى 6 نوفمبر 1980 مدَى اهتمام الدولة المصرية بهذه الانتخابات.. أوفَدَ الأهرام مراسلًا إلى واشنطن للتغطية وهو الأستاذ مكرم محمد أحمد، وكان عنوان تغطيته (لماذا خسر كارتر؟.. ما هى آثار نجاح ريجان ؟)، أمّا المانشيت فكان (السادات: شعب مصر يهنئ ريجان بفوزه ولن ينسى لكارتر مواقفه الشريفة من السلام)، أمّا كاريكاتور صلاح جاهين فتخلى عن حياد الأهرام فى معالجة الانتخابات، وانتقد الناخب الأمريكى الذى اختار ريجان بدلًا من كارتر.. وفى العدد نفسه وفى صدر الصفحة الأولى خبر منسوب لمصدر دبلوماسى يفيد بأن السادات قرّر إرسال وزير الخارجية كمال حسن على إلى واشنطن فى ديسمبر 1980 من أجل التحضير إلى قمة مع الإدارة الجديدة التى تتسلم السُّلطة فى يناير 1981.. أمّا «رأى» الأهرام فخُصص لوداع كارتر تحت عنوان (كلمة حق لكارتر)، تناولت مواقفه تجاه شعب مصر.

وواقعيّا؛ لم تكن إدارة ريجان متناغمة مع مصر؛ سواء مع الرئيس السادات الذى فوجئ بتغيير النبرة الأمريكية وإن ظلت واشنطن على التزامها، ولكن كل طموح شفهى للعلاقات بين السادات وكارتر لم يفعل به ريجان، حتى تلك الأفكار المدوَّنة فى محاضر اجتماعات تنصَّل منها، وكان حريصًا على أن يظهر أنه عكس كارتر فى كل شىء، وعزَّز من ذلك أنه حصل على أغلبية ساحقة فى المجمع الانتخابى 489 صوتًا مقابل 49 لكارتر، ولم تكن مريحة أيضًا مع الرئيس مبارك الذى تسلم السُّلطة بعد اغتيال السادات فى أكتوبر 1981، ولم يكن انسحاب الأرض قد اكتمل، وساعدت مواقف ريجان فى إعطاء مساحة لإسرائيل للمراوغة.. ولكن فى نهاية المطاف التزمت الولايات المتحدة بتعهداتها وحفظت علاقاتها الاستراتيجية الوليدة مع مصر، وفى المقابل تمكَّنت مصرُ من الحفاظ على مصالحها  رُغْمَ مواقف عديدة من الشَّد والجذب جمعت القاهرة وواشنطن فى عهد ريجان. 

 

إدارة جورج بوش (الأب) 

الحزب الجمهورى 

 

مع نهاية عهد ريجان وبداية عهد بوش الأب.. تنفست العلاقات «المصرية- الأمريكية» وارتقت.. كانت مصر قد تغيرت، أصبحت أكثر استقرارًا بعد عقود من الحروب انعكست على عناصر القوة الشاملة للدولة، فضلا عن استعادة علاقاتها بأغلب الدول العربية بعد المقاطعة، وأعلنت مصر عن حضورها الإقليمى وأنها الدولة العربية الكبرى والأهم فى المنطقة مع حرب الخليج الثانية ومعركة تحرير الكويت من الاحتلال العراقى.. انتقلت العلاقة من تنسيق المواقف السياسية إلى التنسيق والتعاون العسكرى.. صحيح أن مبدأ التعاون العسكرى تأسَّسَ عام 1976 لكن بعد حرب الخليج الثانية عرف التعاون العسكرى بين البلديْن المناورات والتدريبات المشتركة، وهى مناورات «النجم الساطع» التى بدأت عام 1993 مع إدارة بيل كلينتون.

 

إدارة جورج بوش (الابن) 

الحزب الجمهورى 

 

كان وصول المحافظين الجُدُد إلى سُدَّة الحُكم ودخولهم إلى البيت الأبيض نقطة تحوُّل فى العلاقات «المصرية- الأمريكية».. غاب عنها التناغُم والتفاهُم.. واستمرت فلسفة الحفاظ على المصالح لدَى الجانبيْن.. ولكن بصعوبة.

كانت إدارة بوش الابن بداية لتاريخ سياسى جديد داخل الولايات المتحدة وبداية تغيُّر وجهها السياسى داخليّا وعالميّا، ضربت عرض الحائط بالشرعية الدولية، تورطت فى حرب أفغانستان.. دمرت العراق.. بشرت بكارثة اسمها (الفوضى الخلاقة).. روّجت لمصطلح (الشرق الأوسط الجديد).. مارست كل محاولات الضغط لتطويع الموقف المصرى لمصلحة سياستها الإقليمية المدمرة وفشلت، وظلت القاهرة على ثوابتها ومواقفها، وبلغ التناطح مَداه بسبب تعمُّد إدارة بوش الابن إقحام أنفها فى الشأن المصرى الداخلى.. وكنتُ شاهدًا على العديد من مواقف الشد والجذب بين السيد «أحمد  أبوالغيط» وزير الخارجية آنذاك والأمين العام للجامعة العربية حاليًا و«كونداليزا رايس» وزيرة خارجية أمريكا حينها.. أذكر فى أحد المؤتمرات بأسوان عندما تحدثت «رايس» عن قضية «الهارب»  أيمن نور، انفعل أبوالغيط قائلًا «انظرى حولك ستجدين معابد بُنيت من الجرانيت عليك أن تعلمى أن دماغ المصريين أكثر صلابة من هذه الأحجار».  وبدأت هذه الإدارة الدفع بأدوات لها فى الداخل المصرى وقامت باقتطاع مبلغ من المعونة الأمريكية وتخصيصه لتمويل منظمات مجتمع مدنى، ومعها ظهرت النخب الممولة فى مصر فى الأحزاب والصحف والقنوات، وبدأت تعمل فى القاهرة منظمات حقوقية دولية لديها سوابق فى الفوضى.. وكل هذه المعطيات ترجمت على الأرض فى يناير 2011.

 

إدارة بيل كلينتون 

الحزب الديموقراطى 

 

تُوصَف هذه المرحلة بأنها واحدة من المراحل الذهبية فى العلاقات «المصرية- الأمريكية» على جميع المستويات السياسيّة والعسكريّة والاقتصاديّة وحتى الشعبيّة.. كانت إدارة كلينتون تدرك حجم وثقل مصر فى المنطقة جيدًا، لا سيما أن إدارة كلينتون كانت تتخذ من قضية الصراع «العربى- الإسرائيلى» وملف السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين أولوية سياسية كبرى لها، وبالتالى نشطت العلاقات «المصرية- الأمريكية»، وكان الحراك السياسى كبيرًا فى المنطقة، وتم توقيع اتفاقية «غزة- أريحا»، وتم توقيع اتفاقية السلام «الأردنية- الإسرائيلية»؛ بل وفتحت قنوات سياسية مع سوريا، وعقدت مباحثات كامب ديفيد الثانية بحضور الراحل ياسر عرفات.. كان المناخ العام مساعدًا حتى فى الداخل الإسرائيلى.. كل هذه الطاقة الإيجابية الإقليمية كان مرجعها الرئيسى الحركة النشطة فى مسار العلاقة «المصرية- الأمريكية».

 

إدارة باراك أوباما 

الحزب الديموقراطى 

 

لم يكن أوباما يحتاج إلى الكثير من الوقت بعد زيارته للقاهرة وإلقاء خطاب جامعة القاهرة لكى يدرك أن شيئًا ما قد حدث فى قبضة الرئيس مبارك على الحُكم، وأن التغيير فى مصر مسألة وقت.. ومع انفجار الموقف فى يناير 2011 سعت إدارة أوباما إلى تأسيس أمر واقع جديد فى العلاقات «المصرية- الأمريكية» .. أمر واقع ليس فى صالح القاهرة يعمد إلى تآكل مساحة الرفض المصرية، هذا من ناحية.. ومن الناحية الأخرى عملت هذه الإدارة على تقويض القوى الإقليمية الرئيسية فى المنطقة، ممثلة فى مصر والسعودية، فى المقابل خَلق مسارات لأدوار دخيلة وأصبحت طرفًا رئيسيّا فى الفوضى الإقليمية من ليبيا إلى اليمن إلى سوريا إلى العراق، وأغلب الظن أنها كانت تبنى تصوّراتها السياسية تجاه مصر على تقديرات دبلوماسية لا تتسم بالحِرَفية، ومن هنا كانت صدمة إدارة أوباما من ثورة 30 يونيو، وأن أمرًا واقعًا جديدًا يُخلق فى مصر وفق قوانين الطبيعة التى تقول إن «لكل فعل رد فعل مساوٍ له فى المقدار ومضاد له فى الاتجاه»، وبالتالى جاءت الثورة المصرية فى 30 يونيو لتصحيح كل المسارات الخاطئة الداخلية والخارجية ثم تفويض الشعب المصرى للمشير عبدالفتاح السيسى القائد العام للقوات المسلحة- آنذاك- بالتصدى للإرهاب.. وشكَّل هذا التفويض ضربة مصرية كبرى أصابت كل أهدافها.

وحاولت هذه الإدارة تطويق إرادة الشعب المصرى لكنها فشلت، وقد عايشتُ هذه الأيام فى واشنطن وشاهدتُ الصراخَ فى عشرات الندوات فى مراكز الأبحاث الأمريكية الكبرى التى كانت قد خصَّصت برامج لدراسة الإسلام السياسى على تخيُّل أن المنطقة ستظل فى جُعبة الإرهاب لـ100سَنة!.

وعوضت إدارة أوباما فشلها بالمُضى لمنحدر غير مسبوق فى العلاقة بين القاهرة وواشنطن، وهو المساس بالمعونة العسكرية وتعليقها، وكان رد القاهرة أكثر قوة واحترامًا وكبرياءً، واستفادت مصر من هذا السلوك بتحقيق غاية قديمة، وهى تنويع مصادر التسليح، وهو ما حدث، وتحققت طفرة غير مسبوقة للقدرات العسكرية المصرية. 

 

إدارة دونالد ترامب 

الحزب الجمهورى 

 

نفترض فى هذه السطور أن دونالد ترامب سيعترف بالنتيجة التى جرت فى الانتخابات وأن «بايدن» هو الفائز، وأنه  سيقوم بتسليم السُّلطة فى 20 يناير 2021؛ لأن هذه السطور تكتب بينما ترفض إدارة ترامب إجراء أى تسليم وتسلُّم مع الإدارة الجديدة وتنتظر فصل المحكمة العليا فى الطعن المقدَّم على مخالفات الانتخابات.

ولكن.. واقعيّا مع وصول إدارة دونالد ترامب إلى البيت  الأبيض بدأت عملية مراجعة للعلاقات مع القاهرة.. وبمعنى أدق بدأت مرحلة تصحيح أخطاء إدارتى بوش الابن وباراك أوباما، وعادت مرحلة التناغم مَرّة أخرى، ونجح الرئيس «عبدالفتاح السيسى»  فى إعادة تأسيس العلاقات «المصرية- الأمريكية» مجددًا وفق ثوابت مصرية، أهمها استعادة مساحة الرفض المعتمدة على استقلال القرار الوطنى المصرى، وانطلق التعاون «المصرى- الأمريكى» فى مختلف الملفات والقضايا الدولية، وأضيفت أبعاد استراتيجية جديدة فى العلاقة تتعلق بأمن الطاقة وأمن المياه، وفى الإطار الثنائى شهدت العلاقات بين البلدين نقلة نوعية بعد سنوات من التصلب، والأهم من ذلك أنها عرفت قدرًا عاليًا من النضج، بمعنى أن طبيعة عالم اليوم تختلف عن زمن التحالف المُطلق أو الخلاف المُطلق، وأغلب السياق انتقائى، بمعنى: نتفق على هذا الملف ونختلف فى هذا الملف.. وأكبر دليل على ذلك هو تمسُّك مصر الدائم بحل الدولتين على حدود ما قبل 5 يونيو 1967 وفق قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن كأساس لحل القضية الفلسطينية رُغم سعى إدارة ترامب لوضع سياق موازٍ.

كذلك عزَّزَ استقلال القرار الوطنى المصرى قدرة صانع القرار المصرى من تعظيم العلاقات مع الولايات المتحدة وفى الوقت نفسه الانفتاح شرقًا بتوقيع اتفاق شراكة استراتيجية مع الصين فى ديسمبر 2015 وتعاون بلغ أرقى مراحله مع روسيا رُغم المعركة الدائرة بين واشنطن وبكين.. ولكنها مصر .

ونواصل الأسبوع المقبل تحليل مستجدات المَشهد الأمريكى وانعكاسه على مصر والمنطقة بشكل مباشر.