الأربعاء 25 نوفمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
هيكل فى "روزاليوسف": بداية ونهاية!

هيكل فى "روزاليوسف": بداية ونهاية!

استمتعت بقراءة تفاصيل الندوة التى نشرتها «روزاليوسف» فى عددها الماضى تحت عنوان مثير و مبهر وهو «محاكمة هيكل فى قاعة إحسان عبدالقدوس» واستغرقت أربع صفحات من المجلة!



كانت مناسبة الندوة صدور كتاب الزميل الدكتور «محمد الباز» الذى اختار له عنوانًا ماكرًا وهو: «هيكل» المذكرات المخفية السيرة الذاتية لساحر الصحافة العربية» التى صدرت عن «دار ريشة للنشر» طرح الزملاء والزميلات عشرات الأسئلة المهمة، وأجاب د. الباز عنها، لكنى توقفت طويلا أمام سؤال عن المناطق الرمادية فى حياة الأستاذ «هيكل» وكانت إجابة د. الباز كما يلى:

«هى دراسة توضح بعض الأحداث التى لم يسترسل «هيكل» فيها أو يكتب عنها الكثير مثلما فعل خلال فترة عمله بمؤسسة «روزاليوسف» التى استمرت لمدة 17 شهرًا تخللتها 10 مقالات كانت بدايتها مقالة عن الملك فاروق بعنوان «ليتنى كنت معهم» وتناول فيها قصة لقاء الملك مع مجموعة من الشباب وآخر أعماله فى «روزاليوسف» كان حوارًا مع «إسماعيل صدقى» رئيس الوزراء آنذاك، وهذا معدل بسيط بالنسبة لتاريخ «هيكل»، لكنه لم يتحدث عنه كثيرًا وهذه منطقة رمادية فى مشواره الصحفى رغم أن «روزاليوسف» هى من أعادت إحياء هيكل فى تسعينيات القرن الماضى».

ويأتى سؤال آخر يقول: «ولماذا كانت «روزاليوسف» نقطة رمادية فى تاريخ «هيكل»؟!

ويقول د. الباز: «روزاليوسف» كانت أول تجربة لهيكل فى الصحافة العربية، ويمكن أن نعتبر أن وجود علامات قوية مثل السيدة «فاطمة اليوسف» و«إحسان عبدالقدوس» كانت عائقًا أمام تحقيقه لطموحاته الكبيرة، خصوصًا أنه لم يستطع فرض سيطرته على عقولهما».

وأظن أن ما قاله د. الباز فى الندوة المهمة قد حفزنى وأثار شهيتى للعودة إلى محاولة فهم وتفسير تلك العلاقة المعقدة والمحيرة فى علاقة الأستاذ «هيكل» بـ «روزاليوسف» السيدة والمجلة!

لا أحد يعرف ما هى الظروف والملابسات والدواعى التى جعلت الأستاذ «هيكل» يغادر «روزاليوسف»، لكنه عاد إليها أوائل عام 1989 مدعوًا لحضور احتفال «روزاليوسف» بعيد ميلاد «إحسان عبدالقدوس» وافتتاح قاعة «إحسان وحضر الاحتفال نجوم الصحافة والفكر والأدب، وألقى الأستاذ «هيكل» محاضرة طويلة قرأها من نص مكتوب على الآلة الكاتبة أو الكمبيوتر، وكان الظن أن يتحدث طويلاً عن تجربته القصيرة فى «روزاليوسف»، لكنه اكتفى بالقول:

«الشخصية الخارقة للعادة التى أعطت لهذه المؤسسة اسمها، وكانت بالفعل بانية صرحها وصانعة تاريخها ومحركة دورها، وملهمة تأثيرها فى حياتنا العامة».

هكذا تحدث «هيكل» باقتضاب شديد، لكن حكايته مع «روزاليوسف» السيدة والمجلة تستحق الرصد والتأمل من أول وجديد!

قبل ذلك بسنوات كان الأستاذ «هيكل» قد أصدر كتابه الشهير «بين الصحافة والسياسة» (سنة 1984)، ولم يذكر تجربته فى «روزاليوسف» سوى بخمسة سطور جاءت فى هامش صفحة 28 من كتابه حيث قال بالحرف الواحد: «لم أكن غريبًا عن أجواء الصحافة العربية، فقد كنا فى تلك الأيام نذهب مع الأستاذ «فيليب حنين» رئيس قسم الشئون المحلية فى «الإيجيبشيان جازيت»، للغداء فى مطعم «الباريزيانا» القريب من الجريدة، وكانت السيدة «روزاليوسف» الفنانة والصحفية الكبيرة تتردد على هذا المطعم، وقدمنا إليها الأستاذ «فيليب حنين» ثم لقيناها أكثر من مرة، وكانت هذه السيدة ذات الشخصية القوية كريمة فى تشجيعها لصحفيين مبتدئين ودعتنا إلى مائدتها مرات، ثم دعتنا إلى مجلتها، وهناك كان لقائى الأول مع الصحافة العربية.

كانت هذه السطور القليلة هى كل ما تذكره الأستاذ «هيكل» لا أكثر ولا أقل بدون زيادة أو نقصان!  

 لكن التفاصيل الأكثر دهشة وإثارة جاءت قبل ذلك بسنوات طويلة عندما نشرت «روزاليوسف» تحقيقًا صحفيًا مهمًا عنوانه «كيف تأثروا بـ«روزاليوسف» بقلم الأستاذة مهجة عثمان «عدد 6 نوفمبر 1961»، وفى هذا التحقيق تحدث الأستاذ «هيكل» باستفاضة قائلاً:

«فى عام 1942 وكنت قبل ذلك أعمل فى آخر ساعة وقصتى مع السيدة «روزاليوسف» بدأت فى شرفة الصحافة بمجلس النواب، فقد جاء مقعدى بجانبها، وعندما عرفت أننى «هيكل» قالت لى إنها تقرأ ما أكتبه فى آخر ساعة!

وشعرت بسعادة غامرة واحترام كبير لهذه السيدة المتواضعة التى تحدثنى ببساطة وتقول بتواضع إنها تقرأ لى!

وفى هذه الأيام كانت «روزاليوسف» تقف فى صف المعارضة وكانت تعانى من مصادرة الحكومة لها، ولم يكن فيها ما يكفى من المحررين، وكان «سانو» - «إحسان عبدالقدوس» - وهو الاسم الذى كنا ننادى به «إحسان» ونحن أطفال فى مدرسة خليل أغا، وكان أيامها يعمل فى آخر ساعة.

المهم أنها عرضت علىّ العمل فى «روزاليوسف» وقبلت فقد أغرتنى المساحات التى تحتاج إلى تحرير أن أملأها بعملى!

ويمضى الأستاذ «هيكل» قائلاً: «السيدة «روزاليوسف» نفسها كان لها التأثير الأكبر فى حياتى كلها، فقد كانت لديها القدرة على دفع الإنسان بقوة إلى العمل، وإشعال غريزة التفوق فى نفسه، لقد كنت آخذ منها خمسة جنيهات فى الشهر، ولكنى أعمل بمليون جنيه!

ويحكى «هيكل» واقعة مهمة ذات دلالة بطلتها السيدة «روزاليوسف» فيقول:

«قصة أذكرها كلما شعرت بالتعب فأسترد قوتى واجتهادى، كنت مريضًا فى أحد الأيام وكانت حرارتى مرتفعة جدًا، وأنا أعمل وحدى فى أحد أعداد «روزاليوسف»، ولكنى صمدت حتى انتهى العدد وبدأ عمل المطبعة!

وفى الساعة الواحدة صباحًا علمت أن الرقابة شطبت نصف العدد، وكانت أوامر الرقابة فى ذلك الوقت ألا تصدر المجلة وبعض صفحاتها بيضاء حتى لا يعرف القراء أن الرقابة تدخلت وكان أمامنا أحد حلين: إما أن نملأ الفراغ أو يصادر العدد!

وعزّ علىّ أن نستسلم للحل الثانى فحضرت فى السادسة صباحًا إلى المجلة وجلست أكتب ودرجة حرارتى 40 تقريبًا!

وفى الثامنة صباحًا جاءت السيدة «روزاليوسف» إلى المجلة فأخبرها الحاج «حسن» رئيس المطبعة بما حدث، ورأتنى جالسًا أكتب، فقالت لى منزعجة:

- أنت مريض قوم روّح فنحن لن نصدر العدد هذا الأسبوع!

وقاست حرارتى وجلست أمامى على كرسى أسيوطى حتى أنتهى من الكتابة، ونسيت المرض وامتلأت بالحماس وكتبت ثمانى صفحات، وجاء الرقيب مرة أخرى وشطب صفحة منها فاضطررت إلى ترجمة مقالة من إحدى المجلات الأجنبية عن «فورد».

وحين بدأت المطابع تدق هدأت أعصابنا وأخذتنى السيدة «روزاليوسف» ودعتنى على الغداء فى الباريزيان»!

ويختتم الأستاذ «هيكل» حواره مع الزميلة «مهجة عثمان» بقوله:

- لقد كانت هذه السيدة تملك كمية كبيرة غير معقولة من الرقة الملهمة والقوة الدافعة»!

انتهى ما قاله الأستاذ «هيكل» ولا يحتاج إلى تعليق!

وهنا أتوقف أمام شهادة الأستاذ «أحمد حمروش» رئيس تحرير مجلة روزا الأسبق «وعضو تنظيم الضباط الأحرار» وكما جاءت فى كتابه «زيارة جديدة لهيكل» حيث يقول:

«أذكر أثناء زيارة سريعة إلى إسبانيا عام 1961 مع الزميل «إحسان عبدالقدوس» وكنا فى ضيافة الزميل «أحمد كامل» الذى كان يعمل وقتها ملحقًا عسكريًا فى المغرب وإسبانيا، والتقينا به فى الرباط فأصر على أن يقدم لنا شقته الخالية فى مدريد لنقيم فيها أيامنا الثلاثة هناك.

أذكر أن «إحسان عبدالقدوس» قال لى ونحن نتجاذب حديثًا كان لا ينقطع من الصباح إلى المساء إن «محمد حسنين هيكل» كان الصحفي الوحيد الذى كسب ثقة والدته السيدة «روزاليوسف» فقربته إليها إلى حد أنه كان يوقع بينه وبينها!

ولا شك أن هذه الموهبة هى التى دفعته إلى كسب ثقة «محمد التابعى» ليعمل معه فى «آخر ساعة» ثم يصبح رئيسًا لتحريرها بعد أن باعها لأخبار اليوم وعلى رأسها «مصطفى أمين» و«على أمين» وهما صحفيان موهوبان أيضًا ولا تنقصهما القدرة على حسن الانتقاء!

اكتساب الثقة موهبة قديمة إذن عند «هيكل» إذ ما الذى يمكن أن يدفع السيدة «روزاليوسف» إلى تقريبه منها إلى الحد الذى يثير ابنها، إلا أن يكون صحفيًا وقادرًا، ومعروف أن السيدة «روزاليوسف» كانت تصدر مجلة خاصة تستهدف النجاح والربح معًا».

شهادة «أحمد حمروش» السابقة تقودنى لشهادة الأستاذ «إحسان عبدالقدوس» نفسه وكما جاءت فى كتاب الأستاذ «محمود مراد» «اعترافات إحسان عبدالقدوس: «الحرية والجنس» كان «محمود مراد» يسأل إحسان قائلاً: «نعود إلى تلك الفترة الخصبة منذ ثلاثين عامًا وأكثر، من كان يعمل فى الصحافة وقتها من جيلك؟

وأجاب إحسان قائلاً: كثيرون.. إن معظم الذين تراهم اليوم شيوخًا كانوا شبانًا وقتها تعرفت عليهم أو عملوا معى بشكل ما «مأمون الشناوى» كان معنا فى روزا، بل إن «محمد حسنين هيكل» عمل فى «روزاليوسف».

لقد كان «هيكل» فى «الإجبشيان جازيت» وكان يتصل بآخر ساعة عن طريق الصحفى «صلاح عبدالجيد» وكان يعتقد أنه يستطيع العمل فى آخر ساعة عن طريق هذه الصداقة، ولما لاحظت هذا ووجدت أن هيكل نشط طلبت منه أن يذهب ويحاول أن يعمل فى «روزاليوسف» حيث سيجد مجالاً أحسن ويبرز بسرعة، وفعلاً ذهب وعمل فى روزا وبعدها بأربعة أشهر كانت عودتى أنا إلى المجلة لأجده قد سيطر على روزا!

ويمضى إحسان قائلا فى شهادته المثيرة:

«إن من مميزات هيكل أنه نشيط فى عمله ويرضى القائمين عليه.. ولهذا فإن والدتى السيدة «روزاليوسف» اعتمدت عليه إلى حد كبير جدًا، ومن هنا كانت عودتى للمجلة سببًا فى أن يتركها هو «لأن المعركة بيننا لم تكن متكافئة.. فأنا ابن صاحبة المجلة»!

عمومًا كان هيكل صحفيًا نشطًا ومخبرًا ممتازًا.. وهو فى آخر ساعة - عندما عاد إليها - استولى على المجلة والتابعى، كان التابعى يعتمد عليه، ولكن المحررين كانوا يغيرون منه و يكرهونه»!  

وتبقى تحية وتقدير للزميل العزيز الأستاذ «أحمد الطاهرى» رئيس التحرير الذى أدار الندوة وحضرها نجوم «روزاليوسف» وعلى رأسهم الزميلة «د. فاطمة سيد أحمد» عضو الهيئة الوطنية للصحافة، وطارق مرسى وصبحى شبانة، وهدى المصرى وإسلام عبدالوهاب وهانى دعبس ومروة الوجيه.>