الأربعاء 28 أكتوبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

الطريق إلى التنمية الشاملة

لاشك فى أن تحقيق معدلات نمو اقتصادى قوية هو هدف أساسى لتحقيق الرفاه للشعوب والاستقرار للدول.. لكن القدرة على الاستمرار فى تحقيق ذلك النمو هو الأمر الأهم، حتى لا يكون النمو الاقتصادى مجرد طفرة مؤقتة ما تلبث أن تخبو أمام أول هبوب لريح التحديات.. ذلك الأمر هو الشغل الشاغل للدولة المصرية فى الوقت الراهن.. كيف يمكن الانتقال من مربع تحقيق نمو اقتصادى قوى إلى الاستمرار فى ضمان النمو فى ظل كافة التحديات الدولية والمحلية.



 

الأمر ليس معادلة صعبة.. لكنه يتطلب إرادة قوية وإجراءات اقتصادية تشق طريقًا نحو استدامة النمو مثلما تشق دولتنا الطرق فى قلب الجبال الوعرة.. وقد أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسى فى أكثر من مناسبة عن ذلك الهدف وعن الوسيلة إلى تحقيقه مُحددها بالإصلاحات الهيكلية..

فكما نفذت مصر برنامجًا اقتصاديًا قويًا دفعها دفعًا لتحقيق معدلات نمو اقتصادية قوية، دفعتها إلى المركز الثالث عالميًا فى النمو بعد الصين والهند خلال العام المالى الماضي، تبدأ البلاد فى تنفيذ حزمة إصلاحات جديدة تحت اسم «الإصلاحات الهيكلية»، ومن المقرر الإعلان عن تفاصيل البرنامج الإصلاحى الجديد خلال أكتوبر الجاري، وسيدعم مصر فى تنفيذه (فنّيًا) صندوق النقد الدولي.

وتنطوى الإصلاحات الهيكلية على أمر هام يفتح الباب على مصراعيه أمام خلق جيل جديد من رجال الرأسمالية الوطنية وإعطاء دور أكبر للقطاع الخاص فى التنمية.. حيث يقر برنامج الاصلاح الجديد مبدءًا هامًا وهو إفساح المجال للقطاع الخاص وتنمية دوره من خلال دعم الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وإزالة القيود غير التمويلية  والتمويلية للشركات، وتيسير توفير المعلومات الاستثمارية المطلوبة، بما يضمن دورًا أكبر للقطاع الخاص فى التنمية.

وقد أكدها الرئيس السيسى منذ أيام فى افتتاح مجمع تكرير البترول بمسطرد- وهو المجمع الأكبر فى مصر وإفريقيا وقد نفذته الدولة بالمشاركة مع القطاع الخاص- حيث وجه الرئيس حديثه لرجال الأعمال قائلًا:«أقول للقطاع الخاص والمستثمرين نحن ندعمكم، وسعداء بمشاركتكم ومساعدتكم فى بناء الدولة المصرية.. أقول للقطاع الخاص تعال معنا سواء بمفردكم أو مع الدولة، نحترم التزاماتنا مع القطاع الخاص ورجاله مصريون شرفاء».

ودعوة الرئيس السيسى للقطاع الخاص ورجال الأعمال ليست مجرد إقرار بأهمية القطاع الخاص فقط، لكنها تعبّر عن ملامح مرحلة مقبلة ستنفّذ لأجلها الدولة إصلاحات جديدة لضمان دور أكبر ومتنامِ للقطاع الخاص فى التنمية وتنفيذ المشروعات.

ويرى رجال أعمال أنه فى ضوء التطورات الاقتصادية والاجراءات التى تتخذها الدولة فإن القطاع الخاص مُقبل على انتعاشة كبيرة، حيث قال رجل الأعمال محمد فرج عامر، رئيس لجنة الصناعة بمجلس النواب، إن مشاركة القطاع الخاص فى مشروع مثل معمل تكرير مسطرد العملاق يؤكد حرص الرئيس السيسى على تشجيع ودعم القطاع الخاص فى إنجاز مثل هذه المشروعات القومية الكبرى، وهو الأمر نفسه الذى أكده مستثمرون كبار أمثال إبراهيم العربى وأحمد هيكل وغيرهما.

وتتمثل محفزات تنمية دور القطاع الخاص خلال الفترة المقبلة فى عدد من الأمور على رأسها تعزيز الشراكة بين القطاع العام والخاص فى مشروعات كبرى، وطرح فرص استثمارية متنوعة للمستثمرين وتوفير البنية الأساسية الضرورية للاستثمار، إلى جانب فتح أبواب التمويلات والإقراض للمشروعات المختلفة من جانب البنوك لاسيما فى ظل حجم السيولة المرتفع لديها.

مشروعات الشراكة

وفيما يتعلق بتعزيز الشراكة فتتخذ الدولة عددًا من الإجراءات من بينها الإعلان عن مشروعات محددة مثل إنشاء تجمعات صناعية، كذلك المشاركة فى التطوير الشامل لشركات القطن والغزل والنسيج التابعة لوزارة قطاع الأعمال العام، والتى يجرى تنفيذها باستثمارات ضخمة تتجاوز 21 مليار جنيه.

كذلك فثمة فرص للاستثمار فى الأراضى غير المستغلة التابعة لشركات القطاع العام والواقعة بمناطق متميزة على مستوى الجمهورية، والجارى طرحها على مراحل لاستغلالها فى العديد من المشروعات، خاصة بعد تغيير الاستخدام لنحو 182 قطعة أرض من صناعى إلى سكنى مختلط.

وفى مجال السيارات، فقد فتحت الحكومة الأبواب أمام القطاع الخاص للمشاركة فى إعادة إحياء شركة النصر للسيارات من خلال إنتاج السيارات الكهربائية بنحو 25 ألف سيارة سنويًا بالتعاون مع شركة دونج فينج الصينية، وإمكانية التعاون مع القطاع الخاص فى خدمات البيع والصيانة وكذلك محطات الشحن الجارى التنسيق بشأنها مع وزارتى الكهرباء والتنمية المحلية، ذلك إلى جانب عدد كبير من المشروعات، بل خارطة استثمارية متكاملة سيتم إتاحتها تفصيليًا أمام القطاع الخاص.

وقد كان إطلاق صندوق مصر السيادى إيذانًا بإيجاد منصة لخلق مزيد من فرص الشراكة الفاعلة بين القطاعين العام والخاص لتنفيذ استثمارات مشتركة تحقق النفع والمصالح المتبادلة.

التمويلات البنكية

وفيما يتعلق بفتح باب التمويلات الكبرى للقطاع الخاص، فإن البنك المركزي، طبقًا لتأكيدات طارق عامر، محافظ البنك المركزي، يضع نصب عينيه فى الفترة المقبلة إحداث طفرة غير مسبوقة فى التمويلات، لاسيما بعد أن أقر الرئيس السيسى القانون الجديد للجهاز المصرفى والبنك المركزي، حيث يرى محافظ البنك المركزى أنه من الضرورى خلال المرحلة المقبلة رفع نسب الإقراض من البنوك، حيث لا تزيد فى الوقت الراهن عن 45% من الودائع، بينما يرى المحافظ أنه يمكن ضخ نسبة 100% من الودائع لإقراض الشركات والمستثمرين.

وطبقًا لعامر فإن البنوك سيكون فى مقدورها ضخ ما يزيد على 2 تريليون جنيه إضافية للمشروعات والأفراد، وذلك من شأنه مساندة المشروعات الجديدة وكذا توسيع حجم المشروعات القائمة، وفى سبيل ذلك يطرح البنك عددًا من المبادرات لتحفيز الإقراض متحملًا فروق أسعار الفائدة، حيث يفرض فائدة 8% فقط على مبادرة بقيمة 100 مليار جنيه لدعم المشروعات الصناعية والزراعية وقطاع المقاولات متوسطة الحجم.

وثمة بنوك حكومية كبرى وعلى رأسها البنك الأهلى سارعت فى زيادة حجم القروض الموجهة للمشروعات الكبرى والمستثمرين، حيث وصلت القروض الموجهة من البنك الأهلى للمستثمرين والشركات الكبرى ما يربو على نصف تريليون جنيه لأول مرة فى الأشهر الأخيرة، ويستهدف البنك زيادة حجم التمويلات بقوة للقطاع الخاص فى الفترة المقبلة.

ضمان المنافسة

وبالانتقال إلى العنصر الأكثر أهمية والذى كان البعض يشكك فيه فى فترات سابقة، وهو ضمان المنافسة العادلة، وكانت تقارير قد شككت فى المنافسة فى ظل دخول الجيش فى مجالات اقتصادية متنوعة، وإن كان السبب الرئيسى فى هذا التوسع مرجعه الأساسى إلى الحرص على توفير وتغطية احتياجات البلاد من السلع الأساسية والخدمات الضرورية فى وقت كانت البلاد تعانى من مشكلات متعددة، إلا أن القيادة السياسية أعلنت وحرصًا على مبدأ المنافسة عن الاتجاه لطرح حصص من شركات يمتلكها الجيش فى البورصة.

بل إن وزيرة التخطيط كانت قد أعلنت أنه من الوارد أن يتم طرح حصص تتمثل فى 100% من شركات تابعة للجيش، وذلك من شأنه توسيع قاعدة الملكية بالنسبة لهذه الشركات ومساهمة القطاع الخاص فيها، مما يعد دليلًا على حسن نوايا الدولة فى تعاملها مع القطاع الخاص وضمان المنافسة العادلة.

وتعول الحكومة كثيرًا خلال المرحلة المقبلة على تقوية جهاز المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية وتدعيم دوره فى الرقابة على القطاعات الاقتصادية المختلفة لتفكيك أيّة كيانات احتكارية، والوقوف بقوة فى وجه الممارسات الضارة بحركة الاستثمار، وذلك من شأنه إنعاش التدفقات الاستثمارية وإحداث حالة من الطمأنينة بالنسبة لرجال الأعمال والمستثمرين.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسى قد أقر خلال العام الماضى قانونًا رقم 15 لسنة 2019 بتعديل بعض أحكام المرسوم بقانون رقم 95 لسنة 1945 الخاص بشئون التموين وبعض أحكام قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية الصادر بالقانون رقم 3 لسنة 2005، وهو التعديل الذى عزز من دور جهاز المنافسة بالسوق.

البنية الأساسية

أما فيما يتعلق بالبنية الأساسية فتهتم الدولة خلال الفترة المقبلة بعدد من الأمور من بينها طرح مناطق صناعية جديدة تستطيع استيعاب التدفقات الاستثمارية المتنوعة، وفى هذا الإطار تعتزم هيئة التنمية الصناعية طرح 7 مجمعات صناعية فى كل من محافظات (الإسكندرية، البحر الأحمر، بنى سويف، المنيا، الغربية، الأقصر، سوهاج).

كذلك فقد اعتمدت وزارة التخطيط مؤخرًا نحو 8.5 مليار جنيه، لإنشاء 13 مجمعًا صناعيًا بمختلف محافظات الجمهورية لخدمة المشروعات المتوسطة والصغيرة، حيث إن هناك العديد من التحديات التى تواجه الشركات الناشئة ورجال الأعمال بسبب انتشار الفيروس، تأتى أبرز تلك التحديات فى انخفاض المعروض من العمالة، نظرًا لظروف بعض العمال الصحية أو الحاجة إلى رعاية الأطفال أثناء إغلاق المدارس وتقييد حركة الأشخاص.

ويعد دعم المشروعات الصغيرة من الأمور الهامة حيث إنها جزء من الاقتصاد القومي، إذ بلغ عدد المنشآت فى هذا القطاع 1.7 مليون منشأة تمثل 44.6% من إجمالى المنشآت فى القطاع الخاص الرسمي، وبلغ عدد المشتغلين 5.8 مليون مشتغل بنسبة 43.1% من إجمالى المشتغلين فى القطاع الخاص.

التشريعات الاقتصادية المحفّزة

وبالانتقال إلى عنصر مهم فى معادلة تحفيز القطاع الخاص، وهو التشريعات الاقتصادية واستقرارها، فقد اتخذت الدولة عدة إجراءات، أولها توفير البيئة التشريعية الملائمة للقطاع الخاص، والتى تضع الأساس التشريعى لخلق بيئة محفزة للاستثمار، حيث أقرت عام 2017 قانون الاستثمار الجديد، وأدخلت عليه فى 2019 بعض التعديلات من أجل مزيد من التسهيلات الإجرائية والمالية، كما أقرت الدولة قوانين الإفلاس والتراخيص الصناعية وغيرها من أجل ذلك الهدف.

فضلًا عن تعديل بعض أحكام قانون تنظيم مشاركة القطاع الخاص فى مشروعات البنية الأساسية والخدمات والمرافق العامة الصادر بالقانون رقم 67 لسنة 2010، والذى يقدم تسهيلات لعقد شراكات من هذا النوع ويمنح القطاع الخاص فرصة المبادرة باقتراح مشروعات الشراكة.

مستهدفات من القطاع الخاص

وتنتظر الحكومة من القطاع الخاص خلال العام المالى الجارى نحو 145 مليار جنيه استثمارات جديدة، وإن كان هذا الرقم ليس بالكبير كنتيجة مباشرة لتأثيرات فيروس كورونا، لكنه يعد رقمًا إيجابيًا، فهناك دول بدأت تشهد انكماشًا غير مسبوق فى حجم الاستثمارات من الشركات والقطاع الخاص بسبب تأثيرات الجائحة.

وكانت بيانات العام الماضى قد أشارت إلى زيادة استثمارات القطاع الخاص من 250 مليار جنيه إلى 444 مليار جنيه نتيجة جهود الحكومة فى إصلاح مناخ الاستثمار، وتمثل أرقام العام الماضى مؤشرًا جيدًا حول انتعاش القطاع الخاص؛ حيث تشير المؤشرات إلى أن هناك نموًا يزيد عن العام السابق بنسبة 77%.

وتواجدت استثمارات القطاع الخاص بكل القطاعات ومنها الغاز الطبيعى، الأنشطة العقارية، الصناعة التحويلية، الكهرباء وغيرها، وقد بلغ معدل استثمار الناتج المحلى 18.2%، وتستهدف الدولة زيادة ذلك بشكل كبير فى السنوات المقبلة.

وقدم البنك الدولى شهادة تؤكد تحسن أوضاع القطاع الخاص فى مصر، حيث أشار فى أحدث تقاريره ، إلى أن نمو إجمالى الناتج المحلى الحقيقى فى مصر سجل نحو 5.6% خلال السنة المالية 2019، مرتفعاً من 5.3% خلال السنة المالية 2018، لافتًا إلى أن استثمارات القطاع الخاص تشهد تعافياً هى الأخرى.

وتابع التقرير أنه بافتراض استمرار إصلاحات الاقتصاد الكلى والتحسن التدريجى فى بيئة الأعمال، من المتوقع أن يصل النمو الاقتصادى إلى 6% بحلول السنة المالية 2021.

وضمن المؤشرات التى توضّح قدرة الدولة على جذب وتحفيز الاستثمار الخاص نجاحها فى التقدم إلى المركز 93 عالمياً من بين 141 دولة شملها تقرير التنافسية العالمية الصادر عن المنتدى الاقتصادى العالمي.

وأوضح التقرير تحسن مؤشرى كفاءة سوق السلع وكفاءة المؤسسات، حيث تقدمت مصر 21 مركزًا فى مؤشر كفاءة سوق السلع، لتحتل المرتبة 100 مقارنة بالمرتبة 121 فى العام الماضي، نتيجة الجهود التى بذلتها الحكومة فيما يتعلق بتسهيل الإجراءات المرتبطة بالعملية الاستثمارية، وإصلاح منظومة الضرائب والدعم، وحماية المنافسة.

وأشار التقرير إلى تقدم مصر 20 مركزًا فى المؤشر الفرعى لكفاءة المؤسسات، من المركز 102 إلى المركز 82 عالميًا، استفادةً بجهود الحكومة لاستعادة ثقة المستثمرين فى المؤسسات الاقتصادية، وتحسين كفاءة الخدمات الحكومية، والحوكمة، وكفاءة الإطار القانوني، وحل النزاعات الاستثمارية وتعارض المصالح، ومكافحة الفساد، وحماية حقوق الملكية الفكرية، والإدارة العادلة للأراضي، ووضوح الرؤية الحكومية.

وأظهر التقرير تقدم مصر 7 مراكز فى مؤشر كفاءة النظام المالي، لتحتل المرتبة 92 عالميًا، وتقدمت 4 مراكز فى المؤشر الفرعى للبنية التحتية، من المركز 56 فى العام الماضى إلى المركز 52، و4 مراكز أيضاً فى المؤشر الفرعى لسوق العمل، لتحتل المرتبة 126 عالميًا، و3 مراكز فى المؤشر الفرعى للقدرة على الابتكار، لتحتل المرتبة 61 عالميًا.

لجنة للتواصل بين الحكومة ورجال الأعمال

ومن الأمور الإيجابية لخلق حالة تواصل فعال بين الحكومة والقطاع الخاص، قيام مجلس الوزراء مؤخرًا بتشكيل مجموعة لتحسين مناخ الاستثمار وتعظيم مشاركة القطاع الخاص، وذلك بمشاركة محمد عبدالوهاب، الرئيس التنفيذى للهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة، وإبراهيم العربي، رئيس اتحاد الغرف التجارية، ومحمد السويدي، رئيس اتحاد الصناعات، ومجموعة من كبار رجال الأعمال والمستثمرين، وذلك فى إطار خطة الدولة للمرحلة الحالية، الرامية لتعظيم الاستفادة القصوى من جميع أدوات الاستثمار، وتشجيع رجال الأعمال والمستثمرين لضخ المزيد من رءوس الأموال فى مشروعات تنموية كبرى على مستوى الجمهورية، فضلاً عن السعى لتهيئة بيئة جاذبة للاستثمار فى مصر.