الثلاثاء 29 سبتمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
تلك الجائحة

تلك الجائحة

هاتفتنى صديقتى «جولييت» السينما المصرية.. جميلة الجميلات.. سيدة الرومانسية «زهرة» -كما تحب أن نناديها- والتى ظلت أكثر من ثلاثين عامًا تنشر شذاها السخى أفلامًا تنعم بأريجها كل النظارة.. والتى قررت الانسحاب من الأضواء منذ سنوات فى صمت دون أن تعلن رسمياً الاعتزال.. ودون جلبة دعائية.. إنها «نجلاء فتحى».. كان صوتها هذه المرة على غير عادتها فى حديثها، فقد عهدتها تثير البهجة والنشوة وتطلق ضحكاتها الشقية ومداعباتها الرقيقة وتعبيراتها المشرقة المحبة للحياة وللوجود كله.



قالت بصوت متهدج ومُجهد ومُضّطرب.. كنت خارج القاهرة لعدة أيام.. عدت بعدها لمنزلى ليخبرنى بعض الجيران بواقعة مأساوية بدأت بوفاة جار عزيز على مشارف التسعين من عمره.. مسيحى.. تربطه بكل سكان العمارة علاقات ودودة وحميمية.. فقد كان كريم الخلق.. حلو الشمائل..رقيقًا عطوفًا.. يعيش بمفرده فى شقته بعد وفاة زوجته وهجرة ابنه إلى الخارج.. ويقضى معظم وقته بصحبة صديقه الأثير «الحاج» الطيب الذى يقطن أيضًا وحيدًا فى شقته المقابلة.. ويماثله فى العمر.. يتسامران ويتبادلان الأحاديث الشجية والذكريات؛ مرة فى بلكون شقته وأخرى فى بلكون شقة الصديق.. وقد امتدت أواصر تلك الصداقة لأكثر من خمسين عامًا.. ظل الحاج يبكى صديقه ويلطم وجهه فى انهيار وصراخ متصل حتى فقد الوعى.. ونقل إلى غرفة العناية المركزة بأحد المستشفيات حتى لفظ أنفاسه الأخيرة فى صباح اليوم التالى.

قالت لى «نجلاء» وهى تجهش بالبكاء فى تأثر: هذه هى مصر الحقيقية.. مصر المحبة المتسامحة التى لا تعرف خطاب الكراهية والتعصب الدينى.. والفرقة بين أبناء الوطن الواحد.. إن النعرة الطائفية البغيضة وسيطرتها على عقول الكثيرين منه نتيجة الهبة الصحراوية التى تفشت تحمل خطاب الكراهية الأسود وازدراء الآخر والتطرف الدينى المتبلور فى فتاوى التكفيريين.. تلك التى من شأنها أن تطفئ شموع الاستنارة وتلفظنا خارج التاريخ.

قلت لها: دعينا نحلم بأن تنقشع تلك الجائحة.. ونعود إلى روح ثورة (1919) التى حطمت الحواجز النفسية والانقسامات العنصرية على أساس دينى.. ولم تعل من شأن الطائفية فوق المواطنة.. لقد ذكرتينى فى هذه المناسبة بـ«عريان يوسف سعد».

تساءلت باهتمام: «من هو عريان يوسف سعد؟».

قلت إنه طالب الطب «القبطى» وعضو منظمة اليد السوداء التى كان هدفها اغتيال ضباط الاحتلال البريطانى والمتعاونين معهم من المصريين فى عام 1919.. تقفز ذكراه إلى ذهنى حيث أعلى من شأن المواطنة فوق الطائفية، وأقدم على التضحية بحياته عن طيب خاطر دفاعًا عن شرف الوطن وحريته واستغلاله.. مقدمًا مثلاً لا يتكرر للغيرة على بقاء وحدة وتماسك عنصرى الأمة فى مواجهة المستعمر الأثيم، بينما كان «يوسف وهبة باشا» رئيس الوزراء القبطى يمر بسيارته فى شارع «سليمان باشا» القى عليه عريان قنبلتين ولكنه نجى وحُكم على عريان بالأشغال الشاقة عشر سنوات.. وقد اعترف أنه أراد كقبطى أن يغتال عميل الاستعمار حتى لا يدان المسلمون ويقال إن الباعث دينى.. ومن ثم تشوه الحركة الوطنية وتظهر فيها مسألة الأقلية والأكثرية وهى بغية الاستعمار، ومنتهى أمله أن يتخذ من حماية الأقلية سببًا لبقائه وبقاء الاحتلال.. فالبلاد مقبلة على خطر محدق.. هذا قبطى يرأس الوزارة والشعب ثائر يُطالب باستقالتها والمظاهرات لا تنقطع تهتف بسقوطها.. وذلك بسبب الإعلان عن نبأ قدوم لجنة إنجليزية برئاسة اللورد «ملنر» وزير المستعمرات البريطانية لبحث مطالب البلاد فى «مصر».. تلك اللجنة التى أعلن «سعد زغلول» من باريس مقاطعتها.. لكن «يوسف وهبة» رئيس الوزراء قبلها.. رغم أن البطريرك أرسل وفدًا من أعيان الأقباط يرجوه ألا يخالف إرادة الأمة، ويكون سببًا فى سوء الظن بالأقباط واتباع الفرقة بين العنصرين.

يقول عريان فى مذكراته: إذا اعتدى مسلم على رئيس الوزراء وقعت الواقعة وقيل إن المسلمين اعتدوا عليه لأنه قبطى.. ولكن لو أننى اعتديت عليه.. فسوف أسلم نفسى حتى يعلم العالم أننى لست من المسلمين.. وقابلت صديقى ففاتحته فى الأمر فأكد لى أن الموت محقق إما فى أثناء الحادث على يد الحرس.. وإما بحكم الإعدام الذى لا شك فيه.. قلت إذا كنا نطلب للوطن الحرية فما نيل الاستقلال بالأمر الهين ولو لم يكن الموت حائلًا بين المستعمرين والحرية لما كان فى الدنيا مستعبد واحد.. لقد حسمت أمرى منذ أن بدأت الثورة على أن يكون سبيلى فيها سبيل من لا يعبأ بالحياة وأنا ميت على كل حال.. إن لم أمت اليوم فى شرح الشباب فأنا ميت حين تدركنى الشيخوخة.. ولكن الوطن حى لن يموت.. فيجب أن نعمل نحن الأموات على أن يحيا الوطن الذى لا يموت حياة كريمة.. إن الوطن خالد فلا يحق لنا أن نتركه باقيًا فى القيود حتى نحتفظ بأرواحنا إلى حين.