الخميس 6 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
هاني عبدالله

الأسطى حسن.. والسقوط فى الغواية

يتم تقديم شخصية «الأسطى حسن» منذ المشهد الأول كشخص غير راضٍ فى مقابل زميله «شلاطة» الذى يعلن كدعاية للنظام الجديد بعد الثورة «كل المدارس بقت جنبنا ومجانًا». خلفهما لافتة «القناعة كنز لا يفنى»، ولا يكتفى «صلاح أبوسيف» بالصورة بل يجعله يقرأها، لتصل الرسالة إلى كل المتفرجين. 



 

المشهد الثانى تغنى فيه «هدى سلطان» أغنية (الشرط نور وأنا شارطة عليك) بينما تنظف بيتها بنفسها فى تضادٍ مع كلمات الأغنية بشكل ظريف. ويستمر المخرج فى تقديم تفاصيل الحياة مع معاناة الفقر وابنه الواد «محروس» يشاكسه مضافًا إليه نموذج الحماة «مارى منيب» التى تعاير زوج ابنتها بفقره. 

المشهد الثالث يركز على ساق لسيدة جميلة فى سيارتها تأتى إلى الورشة لتتفق على تركيب باب فى منزلها فتلحظ العامل القوى، تتأمله وتختاره وتعبر سيارتها الكوبرى بين بولاق والزمالك. سينما «صلاح أبو سيف» التى توجز وتشرح بالصورة والكلمة فى إلحاح على الفكرة. يقدم مقابلة متوازية بين الزوجة التى ترضى بعيشها، «عزيزة» بنت البلد التى يحترمها أهل الحتة، والهانم «كوثر» التى تصطاد الرجل وتغويه، ويواصل «أبوسيف» استعاراته مع تمثال يصفر كلما خلت الهانم بالذكر القوى فى غرفة النوم.

تحول الأسطى الناقم على فقره إلى ذكر داعر يبيع جسده. يقيم لديها وينسى أسرته تمامًا، مزج الواقعية بالدراما الغنائية حين يسأل الابن عن أبيه فتغنى «هدى سلطان» (نام يا ضنايا نام). السخرية من الأسطى غير القادر على التأقلم مع الأغنياء ويدخل فى شجار مع الحبيب الجديد لـ«كوثر» الذى يقول «باين عليه سمكرى»، فيرد الأسطى «سمكرى لكن أنضف منك أنت صايع».

يزور الحارة بمظهره الجديد، ببدلة فخمة وسيارة بسائق، يلقى النقود لهم ويعود لعيشته الهانئة. يغيب فيحصلون على عنوان إقامته وتقرر الزوجة أن تقابل الهانم فى مشهد تكرر فى مئات الأفلام المصرية، «كوثر» على البيانو و«عزيزة» تطلب منها «سيبيلى حسن، جوزى، راجلى، أنا أغنى منك بشرفى وإيمانى بالله. إنتى شيطان». يظهر «حسن» ويضرب زوجته بالقلم على وجهها.

وصلنا إلى منتصف الفيلم الزوجة تقرر أن تخرج للعمل ويتم تقديم مشهد حزين لها مع أخريات على ماكينة الخياطة. يتم تقديم عمل المرأة ككارثة حلت على الأسرة وليس دفاعًا عن حقها فى العمل. «محروس» الصبى أيضًا يعمل وسط تشجيع من أهل الحارة فى وقت لم يكن عمل الأطفال مدانًا بل دلالة على الجدعنة وتحمل المسئولية. ويستمر التوازى بين جدعنة الطفل وتضحية المرأة فى مقابل حياة سهر ومقامرة للأسطى «حسن» محاولًا العيش فى ثوب لا يلائمه. 

تتطور الأمور ويتهم «حسن» بقتل «كوثر» ويتبين أن القاتل هو زوجها «حسين رياض» الذى كتب لها ثروته بعد إصابته بالشلل. يظهر الحق ويعود «حسن» نادمًا إلى «عزيزة» و«محروس» وقد وعى الدرس وينتهى الفيلم بحكمة من خلال أغنية، (اللى يرضى يعيش بقليله المقسوم، راح ييجى يوم يعيش مرتاح). 

شجاعة كبيرة من «فريد شوقى» أن يقوم بدور البطل الضد فى أول بطولة مطلقة له عام 1952، ولكن العبرة بالختام الذى يعود فيه إلى أسرته وأهل حارته الطيبين، وكأى عمل درامى هناك الأخيار والأشرار، انحياز «أبو سيف» واضح، الفقراء أولاد البلد هم الأخيار. القانعون بعيشهم والكادحون، والأشرار هم مجموعة «كوثر» المرأة الهائجة وأصدقاؤها «فوفو بيه وسوسو بيه»، البهوات والهوانم، «العاطلين بالوراثة».

نجح الفيلم نقديًا وجماهيريًا لأنه يتوجه إلى شريحة المشاهدين المتابعين للسينما التى تنقل لهم أجواء لا يعرفونها فى الواقع، القصور وبيوت الأغنياء والملاهى الليلية، تدين طبقة ليسوا منها وتظهر تضامنهم الذى يصل أحيانًا إلى حشرية مرفوضة فى أيامنا هذه، ولكنها فى سنوات الخمسينيات والستينيات ومنتصف السبعينيات كانت مطلوبة وبدونها يصعب على الفقراء العيش.

تغيرت القيم الاجتماعية ولم يعد عمل الطفل «جدعنة» بل استغلالًا تحاربه منظمات حقوقية، ولم يعد عمل المرأة مهينًا لها بل حقًا مكتسبًا بغض النظر عن احتياج الأسرة لعائد عملها، وبقيت قيمة الرجل الذى لا يترك زوجته ويبيع روحه لمن تدفع. يظل الرجل محترمًا بعمله الشريف، صابرًا عاملًا بجد لتحسين ظروفه.