الأربعاء 5 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
هاني عبدالله
ثورة لا تموت!

ثورة لا تموت!

بين صفحات التاريخ.. وبامتداد 68 عامًا مضت (هى عمر ثورة 23 يوليو)، لن يقف- يقينًا- المَشهد عند حدود دروس الماضى.. بل سيتجاوزه، قطعًا، نحو تقديم عديد الإجابات حول أحداث الحاضر.. كيف بدأت؟.. ولماذا بدأت أصلًا؟!



.. وربما نلتمس بينها أيضًا (أى بين صفحات التاريخ ذاتها) عديد السيناريوهات للمستقبل؛ إذْ تتقاطع المواقف، وتتشابه مخططات الاستهداف حدَّ التماس.. وإن اختلفت التفاصيل فى بعض الأحيان(!).

فمَن وقفوا أمام الظلم والقهر والتسلط [وتبعية القرار] بالأمس البعيد، هم أنفسُهم مَن حملوا أرواحَهم على أكفّهم- بالأمس القريب- فى مواجهة رصاص الغدر والإرهاب؛ لاستعادة وطن [كان مُختَطفًا] فى أعقاب ثورة «الغضب الشعبى» بـ30 يونيو من العام 2013م.

.. وبين «الأمس البعيد» و«الأمس القريب»، ثمّة تقاطعات عديدة.. فمُخططات ومؤامرات الدول الاستعمارية على «جمهورية 23 يوليو» ومحاولة إجهاضها، هى نفسُها تحركات «قُوَى الشّر» وأذرعُها الإقليمية فى مواجهة وطن رفض الرضوخ لـ«الفاشية الدينية»، وقرّر أن ينطلق من عثرته ليبنى «جمهورية 30 يونيو»، مَهما كانت التكاليف والتحديات.

 

.. انعكاسًا لهذا الكَمّ من التقاطعات، يُمكننا أن نلحَظ جانبًا من التأكيدات المُتماشية مع تلك النتيجة، عَبْر كلمة الرئيس «عبدالفتاح السيسى» أمس الأول (الخميس) بمناسبة العيد 68 لثورة يوليو.. إذْ كان من بين ما جاء بها:

• [مثلما كان جيل ثورة يوليو على موعد مع القدَر؛ فإن الله قَدَّر لهذا الجيل أن يواجه تحديات لم تَمُر بها مصرُ عبر تاريخها الحديث].

وفى الواقع.. فإنَّ القاسمَ الأبرز بين «جمهورية 23يوليو» (التى بدأها الجيش ودعمها الشعب)، و«جمهورية 30يونيو» (التى بدأها الشعب وحمَاها الجيش)، يتمثل فى أنهما كانتا- بامتياز- تعبيرًا عن رغبات «الجماعة الوطنية» وإرادتها.. وهو ما يُعبر، فى حقيقته، عن حالة راسخة وفريدة من العلاقات (المدنية/ العسكرية)، التى تضرب بجذورها فى عُمق البناء الوطنى للدولة المصرية.

.. وهى الحالة التى تُمثل- فى حد ذاتها- أحد مكونات الانزعاج لدَى قوى الاستهداف الخارجى(!).. وهو ما يستدعى منّا- فى المقابل- تشريح مكوناتها وأطرها العامّة (وفقًا للمنظور الغربى) أوّلًا، قبل البدء فى تفنيدها. 

1 نظرات غربية:

داخل حقل العلاقات «المدنية/ العسكرية»؛ يُفضّل عديدٌ من الباحثين المتأثرين بـ«التخريجات السياسية الغربية» أن يُفرقوا بين نموذجين من تلك العلاقات.. الأول؛ مُتعلق بالسياق (المدنى/ العسكرى) فى البلدان الغربية، والثانى؛ مُتعلق بالسياق نفسه فى بلدان العالم الأخرى(!).. إذْ غالبًا ما تتمركز تلك «التخريجات» (بالنسبة للمجتمع الغربى) حوْل النموذجين التاليين:

النموذج الأوّل: وضَعَه «صموئيل هنتنجتون» فى كتابه: [الجندى والدولة]؛ إذْ صاغ «هنتنجتون» فى ذلك الكتاب مصطلح: «السيطرة الموضوعية» (Objective Control)، بما يعنى ترك «الجيش» من دون تدخُّل من قِبَل «السُّلطات المدنية»؛ إذْ يكفل- تلقائيّا - الحد من التدخل المدنى فى الشئون العسكرية، الحد من التدخل العسكرى (المقابل) فى الشئون السياسية.

.. والنموذج الثانى؛ وضَعَه «موريس جانويتس» فى كتابه: [الجندى المحترف]؛ إذْ صاغ «جانويتس» فى ذلك الكتاب مصطلح: «السيطرة الذاتية» (Subjective Control).. بما يعنى أن دمْج «الجيش» فى الحياة السياسية، هو النموذج الأمثل للحد من التدخلات العسكرية؛ تأسيسًا على أن هذا الدمج من شأنه إظهار توجّهات الأطراف كافة، على السطح. وفيما يعجز النموذجان السابقان، من الناحية الواقعية، عن تفسير التحركات السياسية للمؤسّسات العسكرية الغربية (فضلًا عن برامجها «السّرّيّة» المُمتدة خارج حدود تلك الدول نفسها).. يبدو السياق «النظرى» هو الأقرب لتلك الأطروحات، من دون غيره.. رُغْمَ أنّ كُلّا منهما له أثره (بطريقة أو بأخرى) داخل الكثير من تلك الدول، بدءًا من «الولايات المتحدة الأمريكية»، وانتهاءً ببعض بلدان القارّة العجوز (أوروبا).

.. أى أنّ المؤسّسات العسكرية لتلك الدول (الديمقراطية!)، لم يقتصر نشاطها [يقينًا] على الحفاظ على الأمن الخارجى لدولهم فقط، والدفاع عنها ضد أى عدوان خارجى.. بل امتدَّ إلى التداخل (بشكل كامل) مع رسْم السياسات الداخلية (والخارجية، أيضًا) لتلك الدول.. وذلك إمّا بالمشاركة فى دعم «أشخاص» أو أحزاب سياسية بعينها؛ للوصول إلى سُدَّة الحُكم (داخليّا).. وإمّا عَبْر تأسيس برامج «سرّيّة» متنوعة؛ لتغيير أنظمة دولية أخرى (خارجيّا)، أو الحفاظ على استقرار بعضها، لحساب «المصالح الاستراتيجية» لتلك الدول.. فضلًا عن تأسيس عديد المراكز البحثية، و«بيوت التفكير»، وتمويلها بسخاء، من أجل الهدف نفسه (البنتاجون نموذجًا).



2 دوّامات الاستهداف:

 

فى مقابل سياسات الحفاظ على المصالح الاستراتيجية للبلدان الغربية «خارجيّا» (سياسات الهيمنة الجديدة)، التى تتشارَك فى وضعها المؤسّسات العسكرية [الغربية] وبعض أذرُعها الإقليمية؛ تنشغل عادة «جيوش» البلدان الأخرى (خصوصًا العربية منها) بمهام إضافية فوق مهامها الدفاعية (المعتادة)، مثل: الحفاظ على استقرار «كيان الدولة» الداخلى، ودعم «البنية الأساسية»، والتنمية، إلى جانب ضبط إيقاع «الحياة الاقتصادية».. أى يقع على عاتق تلك «الجيوش» مُهمتا: الدفاع عن «الأمن الوطنى»، و«الأمن القومى» فى آنٍ واحد(!).

وفيما بات من المُسَلمات «الغربية» (فى الوقت الحالى) أنّ إثارة أى انتقادات سياسية لـ«الجيوش» من الأمور المحظورة؛ خصوصًا فى أوقات الحروب (أى: داخل البلدان الديمقراطية!)؛ تجنّبًا للنَيْل من الروح المعنوية لجنودها، وأفرادها، وقياداتها.. يُمكنُنَا- بوضوح- أن نميز أن حالة الوعى بأهمية الحفاظ على الروح المعنوية للجيوش الأخرى- خصوصًا جيوش منطقة الشرق الأوسط- ظلت مَحل استهداف [متتابع] من قِبَل السياسات الغربية ذاتها، بامتداد سنوات خلت(!).

.. وهو موقفٌ يحتاج، بالتأكيد، إلى أكثر من وقفة.. الوقفة الأولى؛ تتعلق بالارتقاء بمستوى الوعى و«النضج السياسى» لمواطنى تلك البلدان.. أمّا الوقفة الثانية؛ فتتعلق بتفنيد حالات استثمار «حالة عدم النضج» السابقة (وتوظيفها) من قِبَل قوى الهيمنة الجديدة؛ للنَيْل من عزيمة جيوش المنطقة، وحصرها رَهنًا لحالة من الاستنزاف الجماهيرى، تَحوُل دون إتمام دَورها فى الدفاع عن «الأمن الوطنى» لبلدانها (داخليّا).. فضلًا عن عملية استهداف «الجيوش» نفسها (بنيويّا) بما يَحوُل بين قيامها بمهمتها «الرئيسية» فى الدفاع عن «الأمن القومى» لبلدانها (خارجيّا).

.. وهما وقفتان يُكمل بعضُهما البعضَ.. فعندما توضع تفنيدات عمليات التوظيف والاستثمار لحالات «عدم النضج السياسى» من قِبَل قوى الهيمنة وأذرُعها الإقليمية (بشكلٍ واعٍ) أمام الرأى العام؛ يُسهم هذا التفنيد فى الارتقاء تدريجيّا بمستوى النضج السياسى لدى المتصدين لهذا الدَّور بالتحليل.

وبأكثر من موضع بكلمة الرئيس «عبدالفتاح السيسى» يُمكنُنَا أن نتلمسَ بوضوح شديد، عديدًا من الاهتمامات المباشرة، بمستوَى الوعى؛ إذْ بَيَّن الرئيسُ فى أكثر من موضع ما نصّه:

• إن التهديدات التى تواجه أمننا القومى تجعلنا أكثر حرصًا على امتلاك القدرة الشاملة والمؤثرة؛ للحفاظ على حقوق ومكتسبات الشعب، وتجعل مـن اصطفافنا الوطنى أمــرًا حتميّا.

• لعلكم تدركون ما يدور حولنا من أمور بالغة الخطورة وشديدة الحساسية تتطلب أن يكون المصريون جميعًا على قلب رجُل واحد واثقين فى قدرتهم على عبور الأزمات على النحو الذى يحفظ لمصر أمنَها ويضمن للمصريين حقّهم فى الحياة فى وطن مستقر، وطن يسعى إلى أن تكون قيم التعاون والبناء والسلام أساسًا للعلاقات الإنسانية بين كــل الشعوب.

• من خلال وعى هذا الشعب العظيم ومخزونه الحضارى العميق والفهم الدقيق لظروف مصر؛ فإننى على ثقة كاملة من قدرتنا على تحقيق الأهداف المنشودة والوصول إلى المكانة المأمولة لتأمين حاضر مصر ومستقبلها ليكونا بعظمة ومَجد ماضيها.



3 الثورة المُلهمة:

 

واقعيّا.. ومنذ أن أطاحت «ثورة الجيش المصرى» بحُكم المَلكية فى 23يوليو من العام 1952م، وما أحيته تلك الثورة من روح «قومية» طاغية، وما أفرزته تلك «الثورة» من امتدادات إقليمية ودولية للدَّور المصرى (خصوصًا فى عهد الزعيم الراحل جمال عبدالناصر)، وما تخلل تلك الحقبة من دعم ثورى [مصرى] لقوَى التحرُّر بالعالم العربى، و«القارة السمراء».. ظل هذا الأمْرُ (وحتى وقتٍ قريب) محلّا لاستهداف بعض قوى الهيمنة (الجديدة) وأذرُعها الإقليمية؛ لتقويض نمو هذا الدور على أكثر من مستوَى، وحقبة تاريخية.. أى منذ «جمهورية يوليو»، حتى «جمهورية يونيو».

.. يقول الرئيس، حول تلك النقاط كافة:

• لم يدرك العالمُ حين انطلقت شرارة الثالث والعشرين من يوليو أنها لن تقتصر على تغيير الحالة المصرية فحسب؛ وإنما سيمتد ضياؤها ليشمل قارّتنا الإفريقية والمنطقة العربية بأسْرها؛ إيذانًا ببزوغ حقبة تاريخية جديدة تنعم فيها الشعوبُ بمكتسباتها ويكون قرارُهــا نابعـًـا مـن إرادتـها الوطنيـة الخالصـة.

• انطلقت حركات التحرّر الإفريقى والعربى مسترشدة بما حققته الثورة المصرية الوليدة من إنجازات على أرض الواقع وداعمة لكل الشعوب التى ترغب فى الحرية والاستقلال. وواقعيّا، أيضًا.. لم تنفصل «عمليات الاستهداف» التى أعقبت ثورة 23يوليو عن عديد السيناريوهات (المُعَدّة سَلفًا)، التى شهدتها المنطقة خلال الحقب التالية للثورة.. إذْ كانت تستهدف تلك السيناريوهات وضْعَ دول المنطقة فى حالة من «السيولة» الداخلية.. وهى سيناريوهات تَحقّق جزءٌ كبيرٌ منها على أرض الواقع (خصوصًا مع بدء الغزو الأمريكى للعراق)؛ بهدف إعادة تشكيل أوضاع المنطقة (سياسيّا، وعرقيّا، ومذهبيّا)، بما يخدم المصالح الاستراتيجية الغربية فى المقام الأول [ومصالح الدولة العبرية، أيضًا].. إلى جانب تفكيك الكيانات العسكرية «الكبرى»، بدءًا من الجيش العراقى، ووصولًا للجيشين: السورى والليبى. .. ولعله لم يكن من قبيل المصادفة (على الإطلاق) أنّ كل تلك «الجيوش» كانت نتاجًا مباشرًا لحالة «المَدّ القومى» الذى أفرزته ثورة يوليو.. كما أنه من نافلة القول إعادة التذكير بأنّ مشروع توجيه أول ضربة عسكرية للجيش العراقى، خرج من بين أدراج وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) فى التسعينيات (فى عهد بوش الأب)، وتم تنفيذه فى عهد «بوش الابن» على يد واضعه [ديك تشينى].. وأن مشروع إسقاط النظام السورى، وإضعاف جيشه، عَبْرَ غض الطرف عن تأسيس إمارة «سَلفية جهادية» داخل المنطقة الحدودية الواقعة بين العراق وسوريا (أى تنظيم «داعش»)، قد أخذ «الضوء الأخضر»، من حيث الابتداء، من قِبَل وكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية (D.I.A).. وأن عملية التدخل العسكرى فى ليبيا تمّت عبر تنسيق مباشر بين «البيت الأبيض» وشركاء واشنطن الأوروبيين، على أكثر من مستوى. .. (وهو ما وثقناه، كذلك.. وبشكل كامل فى كتابنا: «صُنِعَ فى واشنطن: وثائق تفكيك الشرق الأوسط» الصادر عن مؤسّسة روزاليوسف).



4 روح الثورة:

 

فى ظل أوضاع إقليمية ودولية شديدة التعقيد؛ فإن واقع الحال- من دون مواربة- هو أن المؤسّسة العسكرية المصرية، هى أكثر «المؤسّسات الوطنية» تطورًا من ناحية «التكامل القومى»، وأكثرها نجاحًا (بحسب عديد الشواهد) فى التخلص من الأصول «غير الوطنية» (الدينية/ الإثنية/ الطائفية... إلى آخره)؛ إذْ يُعَدّ الجيش هو البوتقة (الأساسية) التى ينصهر داخلها كل تلك الأصول، من أجل تشكيل «ولاء أعلى» للوطن وحده.

.. وإن كان هذا الأمْرُ- فى حد ذاته- من السّمات الأولى التى تُميز «الجيش» (بطبيعة تكوينه) عن غيره؛ فإن الحفاظ على وضعية وصورة المؤسّسة [الأهم] فى بنيان الدولة، وصورتها فى الذهنية العامة، هى قوة الدفع الرئيسية لكى تواصل تلك المؤسّسة دورَها الوطنى من دون شوائب، أو منغصات.

ولعل «ثورة يوليو» كانت أحد أهم الانعكاسات المباشرة لهذا الأمْر فى الحياة السياسية المصرية؛ إذْ ارتقت بالشعور الوطنى العام إلى أقصى درجاته.. ونجحت فى حشد الجماهير من خلفها دعمًا للمشاريع القومية الكُبرى.

.. وفى هذا يقول الرئيسُ:

• يبقى يوم الثالث والعشرين من يوليو عام 1952م أحد أهم أيام مَجدنا وأحد أبرز محطات عزّتنا.

• دائمًا ما كان احتفالنا بذكرى ثورة يوليو (المَجيدة) مناسبة نستمد منها العزمَ والإصرارَ والإرادةَ؛ لتحقيق تطلعات شعبنا وآماله فى تحقيق مستقبل مُشرق له وللأجيال القادمة.. تلك الأجيال التى من حقها أن تحيا حياة كريمة فى وطن آمن ومستقر ومزدهر.

• استكمالًا لروح ثورة يوليو وأهدافها السامية؛ فإن الدولة ماضية فى تنفيذ رؤية استراتيجية شاملة ومَلحمة تنموية فريدة؛ لبناء وطن قوى متقدم فى جميع المجالات من خلال إقامة المشروعات القومية الكبرى فى أرجاء الوطن كافة.



5 كلمة:

عَبْرَ خبرات الماضى [الثورية].. ودروس الحاضر [السياسية]؛ يبقى «الجيشُ المصرى» هو الحصن (الأول والأخير) للدولة.. وحَجَر الأساس فى بناء الأمن القومى العربى.