الأربعاء 5 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
هاني عبدالله
رجال الـ"حسم"!

رجال الـ"حسم"!

فوق جبهات القتال، ثمَّة ثمن يتكبده الرجال.. نيران «طليقة» تجابه الخيانة، والعمالة، ومطامع البلدان «غير الصديقة».. إذ تبقى الغلبة – فى مواجهة أصحاب الإخفاقات المريرة – لأصحاب الأذرع الطويلة.



 

.. ففى «حقول السياسة» و«عوالم الاستخبارات» وميادين «القوة العسكرية»، يحتل توصيف «الأذرع الطويلة» مساحة إيجابيّة بامتياز.. إذ عادةً ما يُستخدم التوصيف؛ للتدليل على قدرة مؤسسات الدولة، وتأثيرها، واستطاعتها على النفاذ و[الحسم]؛ حمايةً لأمن الدولة القومى.

 

.. وعلى مدار الأسابيع الماضية (حتى مثول المجلة للطبع)، كان أن برهنت «الدولة المصرية»، باقتدار بالغ، خلال إدارة ملفاتها الخارجية على أن لها من «الأذرع الطويلة» فى الميادين السابقة كافة، ما يُمكِّنها من حماية «الأمن القومى العربى» بشكلٍ عام (لا الأمن القومى المصرى فحسب).. وعلى أكثر من مستوى.

 

1 معركة دولية:

فى كلمته أمام جلسة «مجلس الأمن الدولى» حول ليبيا، ركَّز وزير الخارجية المصرى «سامح شكرى» على عدد من النقاط المهمة و(المحورية أيضًا) فى قراءة الملف الليبى، وتقاطعاته الدولية والإقليمية، وما يتعلق بإدارة الملف من ثوابت للأمن القومى المصرى.

 

.. تلك المحددات يُمكننا أن نجملها فى الآتى:

 

(أ)- لاتزال القضية الليبية - رغم الجهود المبذولة- تمثل تهديدًا خطيرًا للاستقرار والأمن.. بأرجاء المنطقة كافة.

 

(ب)- أدت الرؤى المتناقضة لمستقبل ليبيا (إلى جانب تطلعات الهيمنة الإقليمية) إلى المأزق الليبى (الحالى).. فضلاً عن تعقيد جهود المجتمع الدولي؛ لتحقيق وإرساء الأمن الليبى.

 

.. (وهى رسالة موجهة بالأساس نحو «الدور التركى» المدعوم قطريًّا، والمتجاوز لمضمون الاتفاقات الدولية كافة.. إذ يسعى هذا الدور – يقينًا - لترسيخ الاستعمار الأجنبى عبر شركاء تيار «الإسلام السياسى» وجماعات العنف المسلحة، انطلاقًا من الأراضى الليبية).

 

(ج)- إن الموقف المصرى يؤيد دعم كل جهد ومبادرة؛ تهدف للتوصل إلى تسوية الأوضاع فى ليبيا.. إذ انخرطت مصر فى العمليات السياسيّة المتعلقة بالشأن الليبى كافة: من الصُخيرات إلى برلين، إلى جانب تسهيل الاتصالات والمفاوضات بين الأطراف الليبية.. كما يرتكز موقف مصر (المبدئى) على دعم الحل السياسى لليبيا الموحدة، كما ورد فى «إعلان القاهرة» الصادر فى 6 يونيو 2020م.. وهو الإعلان الذى يتسق - تمامًا - مع نتائج قمة برلين وقرارات مجلس الأمن الدولى ذات الصلة.. وكذلك قرارات جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقى.. وأن مصر ماضية بعزم فى سعيها للحفاظ على هذه المبادئ الأساسية للحل السياسى، بما يتسق وتوجيهات قيادتها السياسية.

 

.. (أى أن مصر تقدم – هنا – وأمام المحفل الدولى الأهم، ضرورة دعم جهود التسوية السياسية للقضية الليبية، قبل اللجوء إلى أى حل آخر.. إذ لطالما التزمت مصر، فى هذا السياق، بمقررات الشرعية الدولية، على خلاف بعض القوى الإقليمية الساعية لزعزعة الاستقرار بالمنطقة).

 

(د)- فى الوقت الراهن.. أصبحت مساحات كبيرة من «غرب ليبيا» ملاذًا آمنًا للتنظيمات الإرهابية.. وسعت [قوى الشر] فى كثيرٍ من الأحيان إلى مد ظلالها القاتمة فوق مصر؛ عبر اختراق حدودنا الغربية.. ودفعت مصر – فى المقابل - ثمنًا باهظًا من أرواح عشرات الرجال والنساء والأطفال، ممن كانوا – فى الأغلب - يتعبدون بسلام بالمساجد والكنائس.

 

.. (تقرر «القاهرة» فى تلك النقطة واقعًا معلوماتيًّا، يُمثل – فى حد ذاته – تحذيرًا شديدًا لما يُمكن أن تؤول إليه الأوضاع فى غرب ليبيا إذا لم يتدخل المجتمع الدولى للقيام بمسئولياته فى مواجهة الأجندة (التركية/ القطرية).. وهو موقف لا يقف – جزمًا – عند حدود خط (سرت/ الجفرة)؛ إذ إن استعادة الاستقرار على كامل التراب الليبى.. شرقًا وغربًا.. مسألة لا حيدة فيها).

 

(هـ)- انخفضت تلك الجرائم - بشكل كبير - بفضل جهود الجيش الوطنى الليبى فى تأمين المناطق الشرقية بليبيا.. 

 

.. (وهو ما يُعزز – يقينًا – التوجُّه المصرى الثابت بأن الحفاظ على أمن الدولة يجب أن يبقى مسئولية (مؤسسات الحكم الشرعية)، المسموح لها بحمل السلاح.. وليس فى يد الميليشيات «غير النظامية» التى تسعى إلى تعزيز أجنداتها وأيديولوجيتها الخاصة، على حساب الشعب الليبى).

 

(و)- تتمسك مصر بدعمها لقرار مجلس الأمن رقم 2214، الذى يحث الدول الأعضاء على مكافحة التهديدات التى تواجه الأمن والسلم الدوليين.. وهو القرار الذى جاء فى أعقاب جريمة بشعة أسفرت عن ذبح 21 مصريًا كانوا يعملون بمدينة سرت بلا رحمة من قبل تنظيم داعش (الإرهابى) بالعام 2015م.

 

(ز)- تستشعر مصر خطرًا فى عودة مقاتلى داعش للظهور ببعض مدن غرب ليبيا (خصوصًا صبراتة).. لذلك، تكرر «القاهرة» تأكيدها على أن الدول الأعضاء بالأمم المتحدة مُلزمة بمكافحة الإرهاب فى ليبيا، وإدانة أى شكل من أشكال الدعم أو المساندة المقدمة لقوى التطرف من قِبل أى طرف إقليمى.

 

.. (لنا هنا أن نعتبر أن تلك النقطة تحمل تحذيرًا تأكيديًّا جديدًا فى مقابل بعض المخططات الإقليمية، الرامية لاستيعاب جحافل المرتزقة تحت راية ما يُسمى بـ«الحرس الوطنى»، بحسب تقارير معلوماتية وإعلامية؛ لإجهاض مساعى وقف إطلاق النيران.. وهو الدور الذى تضطلع به «حكومة الوفاق» فى الوقت الحالى، بحسب التقارير نفسها). 

 

(ح)- إن قيام أحد الأطراف الإقليمية (أى تركيا) بنقل مقاتلين متطرفين من سوريا إلى الأراضى الليبية، مثلما تشير تقارير «المرصد السورى لحقوق الإنسان» يوميًا، يزيد من تفاقم الوضع فى ليبيا.. وهو ما يُشكل تهديدًا خطيرًا لأمن الليبيين، وكذلك للدول المجاورة على ضفتى البحر الأبيض المتوسط.

 

.. (تضع تلك النقطة – هى الأخرى – المجتمع الدولى (والأوروبى على وجه الخصوص) أمام مسئولياته، فى ظل حالة سابقة من التعامل باستخفاف مع حركة تقاطر الإرهاب فى ليبيا.. إذ لا شك فى أن هذا الأمر سيتحول إلى شوكة فى خاصرة حوض البحر المتوسط، ودوله كافة).

 

(ط)- إن هذه التهديدات تمثل خطرًا واضحًا وحاضرًا على مصر.. ولن تتهاون «القاهرة» فى التعامل مع هذا النوع من التهديدات.. وذلك فى وقت تأتى خلاله التدخلات الأجنبية؛ لتُقدِّم لعناصر التطرف والإرهاب الدعم.

 

.. (أى أن القاهرة، وإن كانت تقدم الحل السياسى، إلا أنها لن تقف مكتوفة الأيدى أمام أى خطر يُمكن أن يطال أمنها القومى واستقرار الأوضاع على حدودها الغربية).

 

(ى)- يتوقف تحقيق الاستقرار فى ليبيا على إعادة بناء المجلس الرئاسى، وتشكيل حكومة مستقلة يتفق عليها جميع الأطراف الليبية، ويوافق عليها مجلس النواب.. إلى جانب نزع سلاح الميليشيات، ومكافحة الإرهاب، وتوحيد المؤسسة العسكرية، وضمان العدالة فى توزيع الثروة.

 

(ك)- ستُقدم مصر المساعدة والدعم إلى جارتها المباشرة (ليبيا)، وإلى الليبيين؛ فى سياق سعيها لضمان الآتى:

 

• استقلال ليبيا وسيادتها وسلامة أراضيها.

 

• تأمين مؤسسات فعالة تخدم جميع الليبيين على قدم المساواة.

 

• إعلان ليبيا دولة خالية من الميليشيات والجماعات البعيدة عن سيطرة الدولة، ممن تعمل على تقسيم المجتمع وزعزعة استقرار المنطقة.

 

• الوصول إلى ليبيا الخالية من «التدخل الأجنبى».

 

• أن تستعيد ليبيا دورها الهام والإيجابى كقوة للازدهار والاستقرار فى العالم العربى والإفريقى.

 



2 حسم 2020م:

 

انطلاقًا من التأكيدات الأخيرة بكلمة وزير الخارجية المصرى أمام «مجلس الأمن»، تزداد قوة الرسالة المصرية تأثيرًا بما شهده أمس الأول (الخميس) الفريق أول «محمد زكى» - القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربى – من فعاليات «المرحلة الرئيسية» للمناورة الإستراتيجية «حسم 2020م».. وهى المرحلة التى نفذتها تشكيلات ووحدات المنطقة الغربية العسكرية بالتعاون مع الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة، واستمرت لعدة أيام فى إطار خطة التدريب القتالى لتشكيلات ووحدات القوات المسلحة.. وذلك بحضور الفريق «محمد فريد» (رئيس أركان حرب القوات المسلحة)، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من قادة القوات المسلحة.

 

.. ووفقًا لبيان «المتحدث العسكرى» شملت المرحلة الرئيسية قيام طائرات متعددة المهام بتأمين أعمال قتال القوات، وتقديم المعاونة الجوية بغرض القضاء على عناصر المرتزقة من الجيوش غير النظامية، وتنفيذ رماية لاستهداف مناطق تجمُّع تلك العناصر، ومراكز القيادة، ومناطق التكديسات والدعم اللوجيستية.. بالإضافة إلى قيام عدد من الطائرات الهليكوبتر بإبرار سرية صاعقة؛ لتنفيذ إغارة على مركز قيادة مكتشف لعناصر المرتزقة وتدميره.

 

.. وتحت ستر نيران المدفعية تم تطوير أعمال القتال فى العمق وتنفيذ رماية تكتيكية بالذخيرة الحية لكتيبة دبابات مدعمة، فى ظل الوقاية المباشرة المضادة للطائرات عن التجميع الرئيسى للقوات بتنفيذ رماية دفاع جوى أظهرت مدى الدقة فى إصابة الأهداف وظهر خلال هذه المرحلة التعاون الوثيق بين جميع عناصر تشكيل المعركة والقدرة العالية على المناورة، واستغلال طبيعة الأرض لتحقيق المهام فى التوقيتات المحددة.

 

.. كما قامت عدد من طائرات الهليكوبتر بإبرار عناصر من قوات المظلات للقيام بمهمة احتلال خط حيوى فى العمق وتأمينه لحين وصول القوة الرئيسية.

 



3 رسائل الحسم:

 

خلال تنفيذ المرحلة الرئيسية من المناورة، ناقش القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربى عددًا من قادة القوات المشاركة بالمناورة فى أسلوب تنفيذ المهام وكيفية اتخاذ القرار المناسب لمواجهـة المتغيـرات المفاجئة والحادة أثناء سير أعمال القتال وأسلوب السيطرة على عناصر تشكيل المعركة.

 

.. ووفقًا لبيان المتحدث الرسمى للقوات المسلحة المصرية، نقل الفريق أول «محمد زكى» تحيات وتقدير السيد الرئيس «عبد الفتاح السيسى» رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة، واعتزازه بالجهد الذى يبذله رجال المنطقة الغربية العسكرية فى جميع المهام التى توكل إليهم.

 

وأشاد – كذلك - القائد العام بالأداء المتميز والكفاءة القتالية العالية للقوات المشاركة فى المناورة، وطالبهم بالحفاظ على المستوى المتميز والكفاءة القتالية والثقة العالية بالنفس، كما أوصاهم بالحفاظ على أعلى درجات الجاهزية القتالية والتضحية بكل ما هو غالٍ ونفيس؛ من أجل الحفاظ على مقدرات الوطن وإعلاء كلمته.. إذ تضمنت المراحل الأولى للمناورة، أيضًا، تنفيذ أعمال «الفتح الاستراتيجى» للقوات البرية، والفتح الاستراتيجى للقوات الخاصة من المظلات والصاعقة، وتنفيذ عملية برمائية ناجحة للقوات على الساحل فى منطقة حدودية على الاتجاه الاستراتيجى الغربى، وتنفيذ أعمال المناورة والقتال الجوى والتعامل مع الأهداف ذات العمق البعيد، التى تتطلب التزويد بالوقود فى الجو، وذلك لمختلف الطرازات، وتنفيذ رمايات الدفاع الجوى والمدفعية.

 



 

ويبقى – فى النهاية – أن الدلالة العامة لما شهدته الساحتان: الدولية والإقليمية - خلال الأيام القليلة الماضية - تعبيرٌنموذجيٌ عن حالة مثالية من «التكامل المؤسسى» المصرى.. وتأكيدٌ مضاعفٌ (عسكريًّا واستخباريًّا وسياسيًّا) على أنه لا مساس - من قريب أو بعيد- بثوابت الأمن القومى المصرى (أو العربى).. وإن توهم الواهمون.