الأحد 12 يوليو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
هاني عبدالله

سيناريوهات المواجهة الجديدة الأمريكية-الإيرانية!

بدأ العام الجديد بتوتر عالمى؛ نظرًا لتعاقب الأحداث المضطربة سريعة الوتيرة. ولكن يظل التوتر الأمريكى - الإيرانى أكثر ما حظى بالاهتمام، ما جعل المحللين والباحثين وكُتَّاب الرأى يقفون على قدم وساق، من أجل محاولة التنبؤ بما هو قادم حتى بعد أن هدأت التوترات أو بدت هادئة نسبيًا. واستمرارًا لعمليات اغتيال قادة الحرس الثورى الإيراني، تعرض «عبدالحسين مجدمي»، قائد قوات «الباسيج»، وهو الجناح الداخلى للحرس الثورى،  للاغتيال يوم الأربعاء الماضى أمام منزله فى مدينة «دارخوين» بمحافظة «خوزستان»، جنوب غرب «إيران» على يد مسلحين مجهولين.



مقتل «مجدمى» يعتبر ضربة أخرى للحرس الثورى الايرانى، فى أعقاب اغتيال قائد الحرس الثورى، اللواء «قاسم سليماني»، بعدما أطلقت طائرة عمليات أمريكية خاصة من طراز (MQ-9) النار على سيارة كانت تقله فى العراق. ولكن، المثير للريبة هذه المرة، هو التعتيم الإعلامى الغربي، خاصة الصحف الأمريكية والبريطانية الشهيرة، إذ لم يتناول الخبر سوى جريدة «نيويورك تايمز» وبشكل هامشي، ووكالة «رويترز» التى تناولته كخبر عابر. فلم يلق مقتل قائد قوات «الباسيج» الاهتمام الإعلامى الذى أحاط بمقتل «سليماني» بداية الشهر الجارى. ورغم أن «مجدمي» ليس على مستوى أهمية الأخير، لكنه يظل أحد كبار القادة الإيرانيين، ومساعد «سليماني» وصديقه المقرب، كما أنه المسئول الأول عن الأمن الداخلى الإيراني، وكان له دور كبير فى  التصدى للتظاهرات الإيرانية الأخيرة. على كل، لم تعلن «واشنطن» ولا أي جهة أخرى مسئوليتها عن هذا الحادث. ومع ذلك، فإن خطر التصعيد العسكرى بين «الولايات المتحدة»، و«إيران» الذى خف فى الأيام الأخيرة، صار يلوح فى الأفق من جديد، إذ بدأت الصورة الضبابية لمستقبل علاقات البلدين تنقشع قليلًا، ويحذر مسئولو الحكومة الأمريكية والباحثون الأمنيون من تداعيات التصعيد بين الطرفين. يذكر، أنه منذ اليوم الأول للتصعيد بين  البلدين، ورغم حديث البعض عن احتمالية حدوث مواجهة عسكرية مباشرة، فإن المحللين والباحثين الغربيين كان  ترجيحهم للحرب المباشرة ضعيفًا. فعلى سبيل المثال، قال أحد باحثى «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» الأمريكى: «ليس هناك غزو أمريكى مفاجئ لإيران» مشيرًا إلى أنه لدى «إيران» ما يقرب من ثلاثة أضعاف عدد الأشخاص، مقارنة بدولة «العراق»، عندما بدأت «الولايات المتحدة» معها الحرب فى عام 2003، ويبلغ حجم «إيران» حوالى ثلاثة أضعاف ونصف حجم «العراق». فى الواقع، تحتل «إيران» المرتبة الـ17  كأكبر دولة فى العالم من حيث حجمها، إذ تضم أراضى أكبر من «فرنسا، وألمانيا، وهولندا، وبلجيكا، وإسبانيا، والبرتغال» مجتمعة. ناهيك عن جغرافيها التى تحميها إلى حد ما. وقد أوضح الخبراء الغربيون أن الرئيس الأمريكى «ترامب» قد يحتاج إلى نشر أكثر من 1.6 مليون جندى أمريكي، من أجل الاستيلاء على «طهران». لهذا استبعد الباحثون الغربيون السيناريو العسكرى إلى حد كبير . ولكن، السيناريوهات الأكثر توقعًا الآن، هى المواجهات غير المباشرة، خاصة من الجانب الإيرانى.ونرصد فى التقرير التالى مجموعة من سيناريوهات المواجهة المحتملة بين البلدين. التعاون الإيرانى مع «طالبان» رأى بعض الخبراء الغربيين أن تصاعد التوترات بين «الولايات المتحدة»، و«إيران» يعنى أن «أفغانستان»، التى تشترك فى حدود مع «إيران»، يمكن أن تكون ساحة «الحرب بالوكالة» التالية بين «واشنطن»، و«طهران»، وهو صدام يهدد بتقويض سعى إدارة «ترامب» للتوصل إلى اتفاق سلام مع «طالبان»، والانسحاب النهائى للقوات الأمريكية. وحذر مسئولو الإدارة الأمريكية مؤخرًا من احتمال توسيع النشاط الإيرانى فى «أفغانستان» مؤكدين على علم  الدوائر الاستخباراتية الأمريكية بدعم «طهران» لحركة «طالبان»، حيث يبحث المحللون الآن عن مدى دعم «إيران» للحركة الأفغانية، وماهية التخطيط للهجمات التى من المتوقع أن تقوم بها. وقال مصدر -رفض ذكر اسمه لحساسية منصبه - لجريدة «واشنطن تايمز»، إن الاتصالات التى تم اختراقها بين عناصر «طالبان» المتمركزين فى مدينة «مشهد» داخل «إيران»، مع نظرائهم العاملين فى مدينة «كويتا» بدولة «باكستان»، كشفت عن مستوى معين من الاتصالات العملياتية. وقد أكد خبراء إقليميون آسيويون، أنه رغم توازى مصالح «إيران، والولايات المتحدة» داخل «أفغانستان» فى حقبة ما بعد أحداث «11 سبتمبر»، بمعارضة «طالبان»، ودعم حكومات مناهضة للحركة فى «كابول»، فإن الوضع قد تغير فى السنوات الأخيرة. وعليه، حذر الكثيرون من أن رد «إيران» على «الولايات المتحدة» قد يشمل تصعيدًا مدروسًا داخل «أفغانستان»، بهدف مزدوج يشمل استهداف القوات الأمريكية من ناحية، وتقويض المحادثات بين «طالبان»، و«واشنطن» من ناحية أخرى. ومن جانبه، قال «ريتشارد أولسون» كبير مستشارى «المعهد الأمريكى للسلام»، والممثل الأمريكى السابق لدولتى «أفغانستان وباكستان»، إنه: «إذا أصبحت «أفغانستان» مكانًا لنزاع أمريكى - إيراني، فمن الصعب سحب «واشنطن» لقواتها من هناك، ما يجعل التفكير فى أى نوع من ترتيبات السلام مع «طالبان» صعبًا جدًا». مؤكدًا أن «إيران» لديها (أدوات) لإثارة العنف داخل «أفغانستان»، ومن ضمنها كتائب من المقاتلين الشيعة الأفغان والباكستانيين، الذين دربتهم القوات الإيرانية الخاصة على القتال فى «سوريا» خلال السنوات الأخيرة. كما قال «عمر العمراني»، المحلل فى «مؤسسة ستراتفور» للمخابرات العسكرية، إن «إيران» لديها علاقات مع الميليشيات فى «العراق، وسوريا، وأفغانستان». لذلك، فإن حربًا بالوكالة بين «الولايات المتحدة»، و«إيران» يمكن أن تصبح فوضوية جدًا، وسريعة، وتنشر الصراع فى جميع أنحاء العالم». أما «أليكس وارد» فقد أشار على موقع «VOX» الإخبارى إلى خيارات «إيران» الكثيرة لتجنب الحرب العسكرية المباشرة، إذ يمكنها ضرب نقاط الضعف فى البنية التحتية الأمريكية، أو المصالح الأمريكية، إذ كتب: «يمكن للقوات الإيرانية قصف ناقلة نفط أمريكية تمر عبر مضيق «هرمز»، وهو ممر مائى حيوى لتجارة الطاقة العالمية، الذى تقوم فيه القوات الإيرانية بدوريات قوية، ما يتسبب فى خسائر فى الأرواح، أو حدوث تسرب نفطى كارثى..كما يمكن للمخترقين الإلكترونيين الماهرين فى «طهران» شن هجوم إلكترونى كبير على الدول الإقليمية لايران». الهجمات الإلكترونية الإيرانية فى الواقع يعد هذا السيناريو هو الأكثر توقعًا، وحذرًا من جانب الخبراء الأمريكيين. كما يعد أيضًا ضمن أكثر ما يقلق الغرب بشكل عام الآن.. فقد حذرت وزارة الأمن الداخلى الأمريكية من انتقام «إيران» لمقتل «سليماني» عبر الهجمات الإلكترونية (السيبرانية)، التى تتراوح بين تشويه المواقع الإلكترونية، وتدمير البيانات الأساسية والمهمة. كما أكد باحثو الأمن السيبرانى ومسئولو الحكومة الأمريكية، أن قراصنة مرتبطين بإيران يبحثون - الآن - عن نقاط الضعف حول الشركات الأمريكية. أنشأت «إيران» فرقًا من المخترقين والمحاربين عبر الإنترنت داخل فيلق «الحرس الثوري» منذ استثمارها فى جيشها الإلكترونى عام 2010، وهو العام الذى تسبب فيه فيروس إلكترونى قوى، يسمى «Stuxnet» فى إصابة المنشأة النووية الإيرانية، وأثر على برنامج تخصيب اليورانيوم الإيرانى. كما تعتمد «إيران» أيضًا على مجموعات من المتسللين السيبرانيين المتوافقين مع أهدافها. وحذر الخبراء الأمنيون الأمريكيون من الأعمال العدائية خلال المرحلة المقبلة بين «الولايات المتحدة»، و«إيران» والتى قد تتركز فى الفضاء الإلكتروني، خاصة أن النظام الإيرانى متهم بالوقوف وراء بعض العمليات البارزة على الإنترنت، ضد الأهداف الأمريكية فى السنوات الأخيرة. بعد أن غمر المخترقون الإيرانيون شبكات الكمبيوتر الخاصة بالبنوك الأمريكية، وبحركة المرور وفصلوا عنهم الاتصال، وكلف هذا الحكومة الأمريكية ملايين الدولارات. وفى عام 2018، أصاب هجوم إيراني مدينة «أتلانتا» بالشلل ، وجعل ضباط الشرطة، وموظفى المدينة يكتبون تقاريرهم يدويًا. كما قام المخترقون الإيرانيون أيضًا بتدمير البيانات على أجهزة الكمبيوتر فى كازينو «ساندز» الشهير بـ«لاس فيجاس»، بعد أن دعا الملياردير «شيلدون أدلسون»، إلى توجيه ضربة نووية إلى «إيران». هذا بالإضافة إلى عدد كبير من العمليات السيبرانية الإيرانية الأخرى، ضد أهداف أمريكية. وبالعودة للتحركات الإيرانية السيبرانية الحالية، فقد أوضح الخبراء الأمريكيون أنه فى الأيام التى تلت مقتل «سليماني»، يُشتبه فى أن المخترقين الإيرانيين ، قاموا بتشويه عدد من مواقع الحكومة الأمريكية على شبكة الإنترنت برسائل مؤيدة لإيران. وعليه، أطلق المسئولون الأمريكيون، تحذيرًا للشركات الأمريكية بالتأهب لهجمات إلكترونية متوقعة. كما قال «جوردان مورييلو» نائب رئيس شركة الأمن الإلكترونى «Critical Start» إن: «ما نراه الآن، هو زيادة هائلة فى نشاط عمليات الاستطلاع، والبحث على وجه التحديد عن الخوادم التى يحتمل أن تكون عُرضة للخطر، وعمليات جمع بيانات كبيرة.. إنه نوع من إعداد خطة لمعركة فى الفضاء الإلكتروني». وفى النهاية، فإن هذين السيناريوهين هما الأكثر ترجيحًا حتى الآن لرد الفعل الإيرانى ضد «الولايات المتحدة». ولا يزال المحللون والخبراء الغربيون، يحاولون التعرُّف على الخطوات المستقبلية القادمة، ولكن لا يزال أغلبها ضبابى الرؤية.>