الثلاثاء 30 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

التجديد فى مدرسة الأستاذ الإمام!

التجديد فى مدرسة الأستاذ الإمام!
التجديد فى مدرسة الأستاذ الإمام!


فى محراب «دولة العقل» يبقى الأستاذ الإمام (محمد عبده) متربعًا على عرش «الإصلاح الديني»؛ إذ يدرك - يقينا - كل من يجيد قواعد الاستنباط جليل ما قدمه الشيخ.. وإن لم يطاوله اجتهادًا (!)

تبقى مدرسة محمد عبده (بما تثيره من قضايا جدلية) واحدة من أكثر الإشراقات العقلية فى طريق تجديد الخطاب الدينى؛ إذ تتجاوز حدود الفهم التقليدى للنص، مبحرة نحو رؤية حضارية (واسعة) لإسلام عصرى يفتح ذراعيه لكل جديد.

شكَّل كثير من اجتهادات الأستاذ الإمام (ومدرسته) عديدًا من الصدمات لأصحاب الفهم التقليدى للدين.. لذلك كان أن ووجهت - ولاتزال - بحرب ضروس إلا أنها كانت عصية على الكسر والاندحار.. تتراجع - نوعا ما - فى حقب الغزو الفكرى.. لكن.. مع كل دعوة للتجديد تستعيد مدرسة الأستاذ الإمام بريقها، ووهجها.

وبعد مرور 170 عامًا على مولد الشيخ لايزال الإبحار فى أفكاره ومنهجه فى التجديد قادرا على أن يطرح عديدا من الإجابات لأسئلة لايزال (البعض) يتصورها عصية على الاجتهاد (!)


يقول «تشارلز آدمز» فى كتابه: «الإسلام والتجديد فى مصر» عن بيانات النشأة الأولى للأستاذ الإمام (محمد عبده):
لسنا نعرف على التحقيق أين ولد، ولا نستطيع أن نذكر فى يقين العام الذى ولد فيه، وإن كان عام 1849م (1266هـ) قد سلم به الكثيرون، فصاحب الترجمة نفسه (أى الأستاذ الإمام) يورده فى كتاباته، وقد ذكر أيضًا عاما أسبق وكثرت الروايات فى تاريخ ميلاده حتى ذكر البعض أنه ولد سنة 1842م.
وفى الواقع.. فإن ما كان يقصده «تشارلز آدمز» بعبارة: (فصاحب الترجمة نفسه يورده فى كتاباته، وقد ذكر أيضا عاما أسبق)، ما ورد بالجزء الثامن من «المنار» فى ترجمة الأستاذ الإمام، إذ جاء فيها أنه ولد بالعام (1265هـ).. لا العام (1266هـ)، كما أورد صاحب كتاب «الإسلام والتجديد فى مصر».
كما كان يقصد بعبارة: (حتى ذكر البعض أنه ولد سنة 1842م)، رواية أخرى تقول أنه ولد بالعام (1256هـ).
ورغم إن علامات الخطأ فى النسخ بين (1265هـ)، و(1256هـ) تخيم على الرواية الأخيرة بقوة؛ فإن ثمة عديدًا من الأدلة ترجح الرواية الأشهر حول تاريخ  مولد الأستاذ الإمام (أى العام: 1265هـ).. أولها: أن الأستاذ الإمام كان أصغر بنحو 10 سنوات من السيد «جمال الدين الأفغاني».. والأخير ولد بالعام 1254هـ (1838م).. وهو ما لا يستقيم معه مولده بالعام 1256هـ.
وثانيها: أن حوادث السنوات التالية فى سيرة الأستاذ الإمام تقترب من الرواية الشائعة وتقويها.
وثالثها: ما ورد بمذكرات الأستاذ الإمام نفسه، إذ يقطع فى تلك المذكرات بمكان مولده، وتاريخه قائلا:
طالت إقامة والدى فى مديرية الغربية، ويقال إن مدتها بلغت نحو خمس عشرة سنة، وفى أثنائها عرف كثيرا من سكان البلاد المجاورة لـ«شترا» (أى القرية التى كان يقيم بها)، وعرف فيمن عرف بيت والدتي، وهو بيت كبير فى بلدة تسمى «حصة شبشير» يعرف ببيت عثمان، كان كبيره إذ ذاك جدى إبراهيم عثمان الكبير، فتزوج والدتى وأخذها إلى «شبشير» وفيها ولدت فى أواخر سنة خمس وستين بعد المئتين والألف من الهجرة.
ووفقا لـ«طاهر الطناحي» (محقق مذكرات الإمام محمد عبده)، فإن أواخر سنة 1265هـ يوافق أوائل سنة 1849م.
أى أن العام الميلادى (1849م)، جمع بين العامين الهجريين: (1265/1266).. وهو ما يدعم - كذلك - الرواية الأشهر حول تاريخ مولد الإمام.. إذ وفقا لهذا يكون قد مر الآن 170 عاما (كاملة) على مولد إمام المجددين الشيخ «محمد عبده».

يقول الأستاذ الإمام عن نفسه: وجدت أننى نشأت كما نشأ كل واحد من الجمهور الأعظم من «الطبقة الوسطي» من سكان مصر.. ودخلت فيما فيه يدخلون.. ثم لم ألبث بعد قطعة من الزمن أن سئمت الاستمرار على ما يألفون.. واندفعت إلى طلب شىء مما لا يعرفون.. فعثرت على ما لم يكونوا يعثرون عليه، وناديت بأحسن ما وجدت ودعوت إليه.. وارتفع صوتى بالدعوة إلى أمرين عظيمين:
الأول: تحرير الفكر من «قيد التقليد»، وفهم الدين على طريقة سلف الأمة (قبل ظهور الخلاف)، والرجوع فى كسب معارفه إلى ينابيعه الأولى.
والثانى: هو إصلاح أساليب اللغة العربية  فى التحرير، سواء كان فى المخاطبات الرسمية بين دواوين الحكومة ومصالحها، أو فيما تنشره الجرائد على الكافة.

وفى الحقيقة.. فإن الهدفين اللذين نادى بهما «الأستاذ الإمام» لم يكونا بعيدين عن بعضهما بأى حال من الأحوال.. فكلاهما كان تمردا على طريقة التلقين التى كانت تدرس بها «علوم الشرع» و«علوم اللغة» فى آن واحد.. كما أن استيعاب الجمهور لأساليب العربية من شأنه أن يقرب مفهوم تحرير الفكر من «قيد التقليد»؛ خصوصا عندما يتعلق الأمر بـ«تأويل النص الديني» كما سيتضح فى منهج التفسير الذى تبناه الشيخ (وفقا لما سنعرض له تاليا).
وفى الحقيقة أيضا... فإن سيرة النشأة الأولى للإمام، تعكس - إلى حد بعيد - لماذا اختار لنفسه هذين الهدفين على وجه الخصوص.
يقول الأستاذ الإمام: «إنه تعلم القراءة والكتابة فى منزل والده، ثم انتقل إلى دار حافظ للقرآن فقرأ عليه القرآن، وأتم حفظه فى سنتين» ثم ذهب إلى المسجد الأحمدى بطنطا ليتعلم تجويد القرآن وقواعد اللغة العربية.
ونجح الإمام فى تعلم التجويد وأتم فنونه فى سنتين على الوجه الأكمل وفى سنة (1281هـ: 1864م) جلس فى دروس العلم فى المسجد الأحمدى لكن منهج التعليم كان وعرا شاقا يتبع الطريقة التقليدية التى تعتمد على الحفظ وحشو الذهن بالمعلومات وعلى أن المعرفة مقصودة لذاتها.. قال الإمام فى الترجمة التى كتبها لنفسه:
«وقضيت سنة ونصفا لا أفهم شيئا لرداءة طريقة التعليم فأدركنى اليأس من النجاح وهربت من الدرس، واختفيت عند أخوالى مدة ثلاثة أشهر، ثم عثر عليَّ أخى وأخذنى إلى المسجد الأحمدى وأراد إكراهى على طلب العلم، فأبيت وقلت له: قد أيقنت أن لا نجاح لى من طلب العلم ولم يبق علىّ إلا أن أعود إلى بلدى وأشتغل بملاحظة الزراعة كما يشتغل الكثرة من أقاربي، وانتهى الجدل بتغلبى عليه، وأخذت ما كان لى من ثياب ومتاع ورجعت إلى محلة نصر على نية ألا أعود إلى طلب العلم، وتزوجت فى سنة (1282هـ: 1865م) على هذه النية».

عاد الإمام إلى طلب العلم مكرهًا مجبرًا، فقد أجبره أبوه وأخوه على العودة إلى الجامع الأحمدي، ولما كان الإمام يائسا من متابعة الدراسة بهذا المعهد بعد أن قضى به سنة ونصفا لا يفهم شيئا، فقد هرب فى قرية (كنيسة أورين) وهى قرية من قرى شبراخيت غالب سكانها من خئولة أبيه، وهناك اتصل بمعلمه الأول الشيخ «درويش خضر» (أحد أخوال أبيه)، وهو رجل سبقت له أسفار إلى صحراء ليبيا، ووصل إلى طرابلس الغرب وجلس إلى السيد محمد المدني، وتعلم عنده شيئا من العلم وأخذ عنه «الطريقة الشاذلية»، وكان يحفظ كتب الحديث ويجيد حفظ القرآن وفهمه: ثم رجع من أسفاره إلى قريته واشتغل بالزراعة.
كان الشيخ درويش خضر مربيا ومعلما، وفيه قوة نفسية تؤثر وتجذب، وقد استشف ما فى نفسية الفتى الهارب واستطاع أن يكبح جماحه، وأن يحول بغضه للمعرفة والعلم إلى حب شديد وأخذ يبث فيه النزوع إلى المثل الإنسانية، والدينية العليا والتلميذ يتلقى ما يلقى عليه، تلقى الصادى للماء العذب الفرات..
يقول الأستاذ الإمام: «جاءنى هذا الشيخ وبيده كتاب يحتوى على رسائل كتبها السيد محمد المدنى إلى بعض مريديه بالأطراف بخط مغربى دقيق، وسألنى أن أقرأ له فيها شيئًا لضعف بصره، فدفعت طلبه بشدة  ولعنت القراءة ومن يشتغل بها، ونفرت منه أشد النفور، ولما وضع الكتاب بين يدى رميته إلى بعيد، لكن الشيخ تبسم وتجلى فى ألطف مظاهر الحلم، ولم يزل بى حتى أخذت الكتاب وقرأت منه بضعة أسطر، فاندفع يفسر لى معانى ما قرأت بعبارة واضحة تغالب إعراضى فتغلبه وتسبق إلى نفسي».
وبعد قليل جاء الشبان يدعوننى إلى ركوب الخيل واللعب بالسلاح، والسباحة فى نهر قريب من القرية فرميت الكتاب، وانصرفت إليهم، وبعد العصر جاءنى الشيخ بكتابه وألح علىّ فى قراءة شىء منه فقرأت وفسر، ثم تركته إلى اللعب.. وفعل فى اليوم الثانى كما فعل فى اليوم الأول، أما اليوم الثالث فقد بقيت أقرأ له فيه وهو يشرح لى معانى ما أقرأ نحو ثلاث ساعات لم أمل فيها، فقال لى أنه فى حاجة إلى الذهاب إلى المزرعة، ليعمل بعض العمل فيها فطلبت منه إبقاء الكتاب معى فتركه، ومضيت أقرؤه.. وكلما مررت بعبارة لم أفهمها وضعت عليها علامة لأسأله عنها إلى أن جاء وقت الظهر، وعصيت فى ذلك اليوم كل رغبة فى اللعب وهو ينازعنى إلى البطالة، وعصر ذلك اليوم سألته عما لم أفهمه فأبان معناه على عادته وظهر عليه الفرح بما تجدد عندى من الرغبة فى المطالعة والميل إلى الفهم.

كانت هذه الرسائل تحتوى على شىء من معارف الصوفية وكثير من كلامهم، فى آداب النفس وترويضها على مكارم الأخلاق وتطهيرها من دنس الرذائل، وتزهيدها فى الباطل من مظاهر هذه الحياة الدنيا.
يتابع الإمام: لم يأت على اليوم الخامس إلا وقد صار أبغض شىء إلىّ ما كنت أحبه من لعب ولهو، وفخفخة وزهو، وعاد أحب شىء إلىّ ما كنت أبغضه من مطالعة وفهم وكرهت صور أولئك الشبان الذين كانوا يدعوننى إلى ما كنت أحب، ويزهدوننى فى عِشرة الشيخ رحمه الله فكنت لا أحتمل أن أرى واحدًا منهم بل أفر من لقائهم جميعا كما يفر السليم من الأجرب.
وفى اليوم السابع سألت الشيخ : ما هى طريقتكم؟ فقال: طريقتنا الإسلام، فقلت: أوَليس كل هؤلاء مسلمين؟ قال:  لو كانوا مسلمين لما رأيتهم يتنازعون على التافه من الأمر، ولما سمعتهم يحلفون بالله كاذبين بسبب وبغير سبب.
هذه الكلمات كانت كأنها نار أحرقت جميع ما كان عندى من المتاع القديم - متاع تلك الدعاوى الباطلة والمزاعم الفاسدة، متاع الغرور بأننا مسلمون ناجون وإن كنا فى غمرة ساهين، سألته: ما وردكم الذى يتلى فى الخلوات أو عقب الصلوات؟ فقال: لا ورد لنا سوى القرآن، نقرأ بعد كل صلاة أربعة أرباع من الفهم والتدبر، قلت له: أنى لى أن أفهم القرآن ولم أتعلم شيئا؟ قال: اقرأ معك ويكفيك أن تفهم الجملة وببركتها يفيض الله عليك بالتفضيل، وإذا خلوت فاذكر الله - على طريقة بينها - وأخذت أعمل على ما قال من اليوم الثامن فلم تمض علىّ بضعة أيام إلا وقد رأيتنى أطير بنفسى فى عالم آخر، غير الذى كنت أعهده، واتسع لى ما كان ضيقا، وصغر عندى من الدنيا ما كان كبيرا وعظم عندى من أمر العرفان والنزوع بالنفس إلى جانب القدس ما كان صغيرًا وتفرقت عنى جميع الهموم، ولم يبق لى إلا هم واحد، وهو أن أكون كامل المعرفة، كامل أدب النفس، ولم أجد إماما.. يرشدنى إلى ما وجهت إليه نفسي، إلا ذلك الشيخ الذى أخرجنى فى بضعة أيام من سجن الجهل إلى فضاء المعرفة، ومن قيود التقليد إلى إطلاق التوحيد - هذا هو الأثر الذى وجدته فى نفسى من صحبة أحد أقاربي، وهو الشيخ درويش خضر من أهل «كنيسة أورين» من مديرية البحيرة، وهو مفتاح سعادتى إن كانت لى سعادة فى هذه الدنيا، وهو الذى رد لى ما كان قد غاب عن غريزتي، وكشف لى ما كان خفيا عنى مما أودع فى فطرتي».

فى ضوء الإعلاء المبكر للإمام من قيمة العقل أمام الروافد الأولى المغذية لفكره الدينى (أى: السلفية والصوفية)، نجد أن فهم الإمام للمفهومين كان ثوريا إلى حد بعيد.. إذ كان هدفه لفهم الدين (على طريقة سلف الأمة)، مرهونا بعدة محددات، منها:
(أ) - العودة بالفهم لما قبل ظهور الخلاف.. وهو ما يعنى محاولة الوصول إلى منبع التشريع ذاته كما كان فى العهد الأول من الرسالة، إذ كان القرآن هو الينبوع الأول للتكاليف الدينية.
(ب) - إن الوصول إلى تلك المرحلة من الفهم، يقتضى تحرير الفكر من قيد التقليد، بما يتجاوز بالتبعية ما تم تدوينه داخل «المصنفات المذهبية» التى لحقت بالفهم الدينى بامتداد تاريخ الإسلام، إذ كان يتبنى الأستاذ الإمام منهجا جامعا.. فهو يقول مقالة الشافعى: «كل ما نزل بمسلم ففيه حكم لازم وعلى المجتهد طلبه».. ويقول مقالة الإمام أبى حنيفة: «لى أن أجتهد كما اجتهدوا»، ويعمل بالمصلحة وسد الذرائع كالإمام مالك.. ويقرر ما قرره الإمام أحمد بن حنبل من حرية التعاقد.. بل يمكن أن يأتى - من حيث الأصل - بما لم يأت به الأوائل من الفقهاء.
(جـ) - الرجوع فى كسب معارف الدين إلى ينابيعه الأولى واعتباره من ضمن موازين «العقل البشري» التى وضعها الله لترد من شططه، وتقلل من خلطه وخبطه.

أما فهمه لـ«التصوف» فلم يكن من البساطة بمكان.. إذ كان يعتقد كقدماء الصوفية أن الوحى فى صميمه أمر باطنى «انظر: رسالة التوحيد»، لكنه - من جهة أخرى - كان على وفاق مع الكثيرين من أعلام أهل السنة من أن الصوفية «المحدثين»، أو أصحاب الطرق قد أحدثوا فى الإسلام أمورًا ذات عواقب وخيمة.
يقول «د. عثمان أمين» فى كتابه: «رائد الفكر المصرى: الإمام محمد عبده» عن موقف الشيخ المناهض لممارسات أصحاب الطرق:
لقد عانى محمد عبده أمرهم معاناة شخصية، إذ كان فى صدر شبابه صوفيا، ثم كان على دراية بحال أهل عصره فاستطاع أن يدرك الأخطار الحقيقية التى تنشأ عن موقف المتصوفة بإزاء مشكلات الحياة العاملة.
ويتابع: كأن لسان حاله يقول: لم الهرب من الدنيا؟ إن الدنيا هى التى يجب التغلب عليها، وكذلك لم يشأ الإمام أن يرى تعارضا حقيقيا بين الحياة الباطنية والواجبات الاجتماعية، بل رأى أن حياة السر والباطن هى عماد الأخلاق التى يقوم عليها المجتمع الفاضل.
ويلخص «أمين» موقف محمد عبده من أهل التصوف فى عدة نقاط:
(أ) - تقرير أن الكتاب والسنة العملية منقولان بالتواتر القطعى، وما عداهما من سيرة النبى وأصحابه وسلف الأمة منقول بأسانيد معروفة، يمكن بها تمييز الصحيح من غيره.
(ب) - إنه على فرض أن المصادر التى ينقل عنها أهل التصوف مصادر يقينية لا مطعن فيها، وعلى فرض أن النقل صحيح لا انتحال فيه، فالواجب مع ذلك ترجيح هدى القرآن والسنة، لعصمة الكتاب وعصمة رسوله من دون غيرهما.. وقد صرح الأستاذ الإمام غير مرة أنه يجب علينا، فيما يتعلق بالعقائد والتوحيد، أن نضع موضع الشك أكثر الأحادي؛ خصوصًا أحاديث الآحاد.. وما يمكن أن يكون باعثه الميل أو الغرض.. ومن باب أولى يجب ألا نأخذ بما لا يصح من أقوال الناس.
(ج) - إذا فرضنا أن «الأولياء» الذين ينقل الصوفية المحدثون عنهم معصومون كالأنبياء - ولم يقل بهذا مسلم - فالأولى لنا أن نؤول كلامهم، حتى ينطبق على هدى الكتاب والسنة والسلف، لأنه الأصل باتفاقهم وإقرارهم.
(د) إن ما نقل عن بعض الصوفية المتأخرين - كالشاذلى والمرسى - يفتقر إلى سند صحيح، ومن الحقائق المشهورة أن كثيرا من أقوال الصوفية وأعمالهم قد أدخل عليها الكذب والزور، كما صرح بذلك الشعرانى الذى كانوا يدرسون عليه فى حياته ويزيدون فى كتبه ما يخالف الكتاب والسنة، ولاتزال كتبه مملوءة بهذه الدسائس.
(هـ) - على أن الصوفية يلجأون - أغلب الأحيان - فى كلامهم إلى الرموز والاصطلاحات التى لا يعرفها إلا أهلها الذين سلكوا الطريقة إلى نهايتها.. وقد صرح كبار الصوفية أنفسهم بأن من أخذ بظاهر أقوالهم ضل.

وفى الواقع.. فإن السمات المنهجية «التى استخلصناها سابقا» حول طريقة فهم الأستاذ الإمام للعقيدة والشريعة، انعكست - كذلك - على فهمه وتفسيره للقرآن إلى حد بعيد، إذ كان العقل «المتماشى مع روح النص لا منطوقه»، هو ركيزة «الإصلاح الدينى»، بما يتواكب مع العصر عند الشيخ.
ويذهب عدد من الباحثين إلى أن منهج الإمام محمد عبده فى تفسير القرآن يعتمد على تسعة أسس:



الأساس الأول: عموم القرآن وشموله

لقد ختم الله الرسالات برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وختم الكتب السماوية بالقرآن الكريم، وهو كتاب البشرية الخالدة (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) «الحجر: 9»، ومعانى القرآن عامة وشاملة وإرشاده مستمر إلى يوم القيامة، فلا يحمل وعظه ووعده ووعيده على أشخاص بأعينهم، وإنما نيط وعده ووعيده وتبشيره وإنذاره بالعقائد والأخلاق والعادات والأعمال التى توجد فى الأمم والشعوب».
وكثيرا ما كان يتوسع الأستاذ الإمام فى معنى الآيات أو يحمل النظير على النظير ليطبق القرآن على ما هو واقع بين الناس، فهو إذ يفسر الآيات الواردة فى صفات المنافقين من أول سورة البقرة، يطبق هذه الصفات على المنافقين فى عصرنا، وفى كل عصر «فلا يغترن أحد بقول بعض المفسرين إن هذه الآيات نزلت فى المنافقين الذين كانوا فى عصر النبى صلى الله عليه وسلم، فيتوهم أنها لا تتناوله وإن كانت منطبقة عليه؛ لأنه لم يتخذ القرآن إماما وهاديا، ولم يستعمل عقله ومشاعره فيما خلقت له، بل اكتفى من ذلك بتقليد آبائه ومعاصريه فى كل ما هم فيه».



الأساس الثانى :  الوحدة الموضوعية للسورة

لكل سورة من سور القرآن روح تسرى فى أجزائها وفكرة عامة تربط بين آياتها، وقد كانت فكرة التناسب والتناسق بين الآيات المتجاورة تسيطر عليه فى تفسيره وفى ترجيح بعض آراء سابقيه على بعض، بل ربما روى آراء السابقين من المفسرين ثم رفضها جميعها لأنها لا تحقق التناسق بين الآيات، فنراه يستهل تفسيره لسورة الفجر قائلا: «كثر الخلاف بين المفسرين والرواة فى معنى كل من الفجر وليال عشر، وقد يفسر الواحد منهم الفجر بمعنى، ثم يأتى فى الليالى العشر بما لا يلائمه، وغالب ذلك يجرى على خلاف ما عودنا الله فى نسق كتابه الكريم».
ثم يفسر الفجر بأنه جنس ذلك الوقت المعروف الذى يظهر فيه بياض النهار فى جلد الليل، وينبعث الضياء لمطاردة الظلام.. ويفسر الليالى العشر بالليالى العشر الأول من كل شهر، وهى الليالى التى يبتدئ فيها تكوّن الهلال، ولايزال يشق الظلام إلى أن يغلبه فينشر نوره على الأفق، فكأنه وضع التناسب على شىء من التقابل، فضوء الصبح يهزم ظلمة الليل، وضوء الأهلة يغالب الظلام إلى أن يغلبه فيسدل على الكون حجبه.
ويميل الأستاذ الإمام إلى أن فكرة السورة يجب أن تكون أساسا فى فهم آياتها، والموضوع يجب أن يكون أساسا فى فهم الآيات التى نزلت فيه، وكان هذا من أسباب رفضه كل تفسير لا يحقق التناسق والتوافق بين أجزاء السورة.



الأساس الثالث : القرآن هو المصدر الأول للتشريع ويتقدم كلام فقهاء المذاهب

اعتمد الإمام على القرآن وحده فى إباحة التيمم للمسافر مع قدرته على استعمال الماء مخالفا فى ذلك جميع المذاهب، معتمدا على قوله تعالى: (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا) «النساء: 43»، وتكرر ذلك فى سورة المائدة آية 6، وقد شايعه فى هذه الطريقة تلميذه «رشيد رضا» فاسترسل مؤكدا أن القرآن هو الأصل الأول لهذا الدين، وأن حكم الله يلتمس فيه أولا فإن وجد فيه يؤخذ وعليه يعول، فإن لم يوجد الحكم فى القرآن نلتمسه من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
يقول «رشيد رضا»: «سيقول أدعياء العلم من المقلدين: نعم إن الآية واضحة المعنى على الوجه الذى قررتم، ولكنها تقتضى أن التيمم فى السفر جائز ولو مع وجود الماء، وهذا مخالف للمذاهب المعروفة عندنا، ونقول لهؤلاء المقلدين: «إن ظاهر الآية متفق مع غيره من الرخص الشرعية للمسافر التى منها قصر الصلاة وجمعها، وإباحة الفطر فى رمضان، فهل يستنكر مع هذا أن يرخص للمسافر فى ترك الغسل والوضوء، وهما دون الصلاة والصيام فى نظر الدين»؟
«هل يقول منصف إن صلاة الظهر أو العصر - أربعا فى السفر - أسهل من الغسل أو الوضوء فيه؟.. إن السفر مظنة المشقة يشق فيه غالبا كل ما يؤتى فى الحضر بسهولة، وأشق ما يشق فيه الغسل والوضوء، وإن كان الماء حاضرا مستغنى عنه».
ومما ينبغى مراعاته فى هذا المقام أن «الفقه الإسلامى» قد مر بمراحل يمر بها الكائن الحى وهى عصر النشأة وعصر الشباب، وعصر النضج وأخيرا عصر التقليد.. وفى عصر التقليد التزم الفقهاء والمفسرون مذاهب أئمتهم وتعصبوا لها، بل حملوا القرآن عليها وفهموه فى ضوئها، فانتقد الإمام محمد عبده هذه التفاسير التى تقدم آراء المذاهب على كتاب الله، وبيّن أن القرآن إمام غير مأموم وأصل وما عداه تبع له.



الأساس الرابع : محاربة التقليد والجمود

لقد ذم الإمام التقليد فى تفكير المسلم المتأخر وأوجب الرجوع إلى فهم المسلمين الأولين للقرآن.
ووجد أن آيات القرآن الكريم حافلة بالدعوة إلى استخدام العقل والفكر وحث الإنسان على التأمل والنظر والاستنباط. كما ذم القرآن تقليد السابقين تقليدا أعمى لا تدبر فيه. قال تعالى: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون) «البقرة: 170».
فالتقليد المذكور فى هذه الآية قبيح مذموم، وقريب من هذا النوع عند الإمام، تقليد العلماء الذين يصرحون بأنهم مقلدون لا يلزمهم النظر فى الكتاب والسنة، بل يعتمدون على ما كتب غيرهم فى الفقه ويدينون لكتب المتقدمين على تعارضها وتناقضها ويكتفون بقولهم: وكلهم من رسول ملتمس.
ومن أسباب ثورة الأستاذ الإمام على التقليد وندائه بضرورة الاجتهاد «أن الحياة الإنسانية للمجتمع الإنسانى حياة متطورة ويجد فيها من الأحداث والمعاملات اليوم ما لا يعرفه أمس هذه الجماعة، والاجتهاد هو الوسيلة المشروعة للملاءمة بين أحداث الحياة المتجددة وتعاليم الإسلام. ولو وقف الأمر بتعاليم الإسلام عند حد تفقه الأئمة السابقين لسارت الحياة الإنسانية فى الجماعة الإسلامية فى عزلة عن التوجيه الإسلامى، وبقيت أحداث هذه الحياة فى بعد عن تجديد الإسلام إياها، وهذا الوضع يحرج المسلمين فى إسلامهم كما يحرجهم فى حياتهم».



الأساس الخامس : استخدام المنهج العلمى فى البحث والاستنباط


هذا الأساس مرتبط بالأساس السابق، فلئن كان ترك التقليد مبدأ أساسيا سلبيا، فإن النظر والتأمل والاستنباط مبدأ إيجابى.. وقد بيّن الإمام فى أكثر من موضع أن هذا المبدأ قديم فى أساسه، فالقرآن الكريم حافل بآيات تدعو الإنسان إلى النظر فى الكون وتدبر آياته وعجائبه، بل اعتبر القرآن الكون كتابا مفتوحا يجب على كل إنسان أن يتأمل فى عجائبه وقوانينه ونواميسه قال تعالى: (قل انظروا ماذا فى السماوات والأرض) «يونس: 101».
والإسلام فى أساسه قائم على الإقناع واليقين، قال تعالى: (لا إكراه فى الدين) «البقرة: 256»، ويرفض القرآن دعوى الإيمان إذا كانت قولا باللسان لا يؤيده الجنان، قال تعالى: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان فى قلوبكم). «الحجرات: 14».



الأساس السادس: تأويل الغيبيات

قال الأستاذ الإمام إن الملائكة قوى ترشد إلى الخير وتهتف به فى نفس الإنسان.
وأوَّلَ «سجود الملائكة» بخضوعها وامتثالها لأمر الله.
وذكر أن معصية آدم حين أكل من الشجرة رمز لقدرته على فعل الخير والشر.
وفى السياق التأويلى ذاته بنى الأستاذ الإمام عديدا من التصورات التى لم تكن شائعة فى وقته حول «الغيبيات».. إذ فسر الإمام الجن والسحر والحسد وغيرها تفسيرا عقليا تماما، مشددا النكير على الخرافات التى تتصل بالجن وجوز أن يكون لهم أثر فيما يسمى بالصرع، وذكر أكثر من مرة فى تفسيره أن الجن يمكن أن يطلق على الميكروب الخفى الذى يسبب كثيرا من الأمراض.. وذهب الإمام إلى أن السحر تخييل وخداع للأعين وليس حقيقة، وحمل السحر على الأمور المعنوية والإفساد بين الناس، وذكر أن النفاثات فى العقد هم النمامون المقطعون لروابط الألفة المحرقون لها بما يلقون عليها من ضرام نمائمهم.



الأساس السابع: عدم الخوض فى تعيين ما أبهمه القرآن


1 - القرآن الكريم كتاب هداية يذكر من الأخبار والحوادث وأحوال السابقين ما يحقق هذه الهداية ويمسك عما لا فائدة من ذكره، فالبحث عنه تكلف. ففى تفسير قوله تعالى:(فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون) «البقرة:59» يقول الإمام: «ونسكت عن تعيين نوع الرجز كما هو شأننا فى كل ما أبهمه القرآن». ونلاحظ أن الرجز هو العذاب فلا نصفه بأنه كان رجما بالحجارة أو خسفا أو غير ذلك.
2 - الصراط والميزان والجنة والنار: ذكر القرآن أمورا تتعلق بعالم الآخرة كالصراط والميزان والجنة والنار والصحف والكتب واللوح المحفوظ والكرام الكاتبين.
وقد أفاض بعض المفسرين فى وصفها وبيان ماهيتها من غير اعتماد على سند قوى، وعلى الرغم من إفاضتهم فإنهم لم يصلوا إلى ما يشفى النفس فى معرفة حقائق هذه الأشياء.
وكان تفسير الإمام لهذه الغيبيات مختصرا وواضحا، فهو يوافق رأى السلف فى أن علينا أن نؤمن بها كما وردت، وأن نفوض معرفة حقيقتها إلى الله تعالى.



الأساس الثامن: التحذير من الإسرائيليات:

القرآن كتاب عربى مبين وهو غنى فى شرحه وتفسيره عن اللجوء إلى الإسرائيليات والأقاصيص اليهودية التى لا يعلم صدقها من كذبها، وقد نبه الإمام إلى خطأ المفسرين السابقين فى حكاية القصص الواهية بجوار التفسير، وفى تفسير الإمام لقوله تعالى: (ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد) «الفجر: 6، 7» يقول:
«وقد يروى المفسرون هنا حكايات فى تصوير إرم ذات العماد كان يجب أن ينزه عنها كتاب الله فإذا وقع إليك شىء من كتبهم ونظرت فى هذا الوضع منها فتخط ببصرك ما تجده فى وصف إرم وإياك أن تنظر فيه».



الأساس التاسع: تنظيم الحياة الاجتماعية على أساس من هدى القرآن:

(1) وضح الإمام أن القرآن جامع لأصول العمران وسنن الاجتماع وموافق لمصلحة الناس من اشتماله على الهداية العامة للبشر فى كل زمان ومكان.
ونادى بوجوب تنظيم المجتمع على أساس متين من هدى القرآن مع حسن الفهم ومرونة التطبيق، فإذا دعا القرآن إلى إنفاق المال فى سبيل الله، فإن ذلك يشمل إنشاء الجمعيات الخيرية والمؤسسات التعليمية والملاجئ والمستشفيات وكل ما من شأنه أن ينهض بالمجتمع؛ لأن صلاح المجتمع فى ذلك العصر لا يتم إلا بهذا التنظيم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
(2) حق الفرد والمجتمع:
وقد اهتم الإمام فى تفسيره بإشعار الفرد بحق المجتمع عليه، فلا تتحقق إنسانية الإنسان إلا بأنسه بالآخرين واهتمامه بمصالحهم والعمل على تخفيف حدة التوتر بين الأغنياء والفقراء، كما ينبغى أن يكون المسلم حسن المعاملة مع أهله وجيرانيه وسائر أبناء جنسه.
قال فى تفسير قوله تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذى القربى واليتامى والمساكين والجار ذى القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا). «النساء: 36» إذا قام الإنسان بحقوق الله تعالى فصحت عقيدته، وصلحت أعماله، وقام بحقوق الوالدين فصلح حالهما وحاله، تتكون بذلك وحدة البيوت الصغيرة المركبة من الوالدين والأولاد، وبصلاح البيت الصغير يحدث له قوة، فإذا عاون أهله البيوت الأخرى التى تنسب إلى هذا البيت بالقرابة وعاونته هى أيضا يكون لكل بيت من البيوت المتعاونة قوة كبرى يمكنه أن يحسن بها إلى المحتاجين الذين ليس لهم بيوت تكفيهم مئونة الحاجة إلى الناس الذين لا يجمعهم بهم النسب وهم الذين عطفهم على ذوى القربى بقوله: (واليتامى والمساكين).
(3) الحكمة من تشريع العبادات:
بين الإمام أن الحكمة من تشريع العبادات فى الإسلام هى تهذيب الروح وتربية الضمير وتقويم الخلق وإصلاح السلوك الإنسانى، ليكون المسلم عونا لأخيه المسلم ويغدو وقد سلم الناس من لسانه ويده ويصبح المؤمن أمينا على أموال الناس وأعراضهم، وكل عبادة لا تحقق الغرض منها فهى مردودة لأنها فقدت أغراضها والأهداف المنشودة منها.
وفى تفسير قوله تعالى: (فويل للمصلين، الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يراءون، ويمنعون الماعون) «الماعون: 4 - 7» يقول الإمام: «الماعون كل ما يرى الناس مما لايكلفهم بذل شىء من مالهم ولا يخشون منه ضررا يلحق بأبدانهم أو نقصا يلم بجاههم ثم يمنعون الناس معونتهم ولا ينهضون بباعث الرحمة إلى سد حاجتهم وتوفير ما يكفل راحتهم وطمأنينتهم أولئك لا تنفعهم صلاتهم ولا تخرجهم من حد المكذبين بالدين».

أرسى - إذًا - الأستاذ الإمام منهجا مكتملا للإصلاح الدينى (فقها - وعقيدة - وتفسيرا) وكان الأصل فى هذا المنهج هو الرجوع إلى منابع الدين الأولى (القرآن والثابت من السنة) بعيدا عن التقليد.. بل اعتبر أن طلب الدين ذاته فى البعد عن التقليد، وإعمال العقل فيما تتطلبه مستجدات الحياة.
فى واقعة طريفة جمعت بين الأستاذ الإمام (وقت أن كان لا يزال طالبا بالأزهر)، وأحد شيوخ الجامع، يدعى «عليش»، كان أن كشفت تلك الواقعة عن كثير من أبعاد النزعة العقلية للأستاذ الإمام؛ إذ دخل عليه الشيخ عليش، وكان يلقى دروسا فى مسجد محمد بك أبوالذهب.. ودار الحوار التالى:
- الشيخ عليش: بلغنى أنك تقرأ شرح العقائد النسفية درسًا.
 محمد عبده: نعم.
- الشيخ عليش: وبلغنى أنك رجحت مذهب المعتزلة على مذهب الأشعرية!
 محمد عبده: إذا كنت أترك تقليد الأشعرى فلماذا أقلد المعتزلي؟
إذًا أترك الجميع وآخذ بالدليل.
- الشيخ عليش: أخبرنى الثقة بذلك.
 محمد عبده: هلم الثقة الذى يشهد بذلك، فليميز أمامنا هنا بين المذهبين، وليخبرنا أيهما رجَّحت.
- الشيخ عليش: أوَمثلك يفهم شرح العقائد؟
 محمد عبده: الكتاب حاضر، وأنا حاضر، فسلنى إن شئت!
وفى مقابل غضب «عليش» كان أن انتهى الأمر بمشادة انسحب بعدها الأستاذ الإمام؛ ليواصل دروسه.. مستعدا لرد اعتداء «الشيخ عليش» بواسطة «عصا» وضعها إلى جواره، وهو يلقى درسه على الطلاب!
كانت النزعة العقلية للأستاذ الإمام بمثابة ثورة حقيقية داخل الفكر الدينى (التقليدي) ورغم ما كانت تواجهه تلك النزعة من هجوم مبكر؛ فإنها لم تنل من إصرار الشيخ على التجديد.. إذ توج هذا الإصرار بعديد من الآراء، التى غيرت كثيرا من طبيعة الفهم الدينى لنصوص التشريع!
ربما كان رأى الأستاذ الإمام فى «تعدد الزوجات» هو أبرز ما تم تداوله عنه فى هذا السياق، إلا أنه لم يكن وحده الذى يستحق أن نقف أمامه بالدراسة والتحليل من بين أفكار الشيخ محمد عبده (رائد التنوير الديني).
ففى مسألة «تعدد الزوجات» يذهب الإمام إلى أن الأصل فى الزواج الاقتصار على زوجة واحدة، وبيّن الإمام مفاسد تعدد الزوجات وأضراره بالمجتمع فى عصرنا وبيّن أن إباحة تعدد الزوجات مضيقة قد اشترط فيها ما يصعب تحقيقه فكأنه نهى عن كثرة الأزواج، وذلك عند تفسيره قوله تعالى: (وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا) «النساء: 4».
 ثم يضم إلى تفسيرها قوله تعالى فى آية أخرى:
(ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم) «النساء: 129».
ويرى الإمام أن التعدد له مساوئه فى زمننا لكثرة مساوئ الناس وضعف أخلاقهم، بل إن كثرة المعددين لزوجاتهم لا هم لهم إلا قضاء الشهوة والمتعة المؤقتة، والله لا يحب الذواقين ولا الذواقات.. ويقول أيضا «يجب على العلماء النظر فى هذه المسألة.. فهم لا ينكرون أن الدين أنزل لمصلحة الناس وخيرهم وأن من أصوله منع الضرر والضرار، فإذا ترتب على شىء مفسدة فى زمن لم تكن تلحقه فيما قبله فلا شك فى وجوب تغيير الحكم وتطبيقه على الحالة الحاضرة: يعنى على قاعدة «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح».
وكما كان للإمام رأى فى «تعدد الزوجات»، كان له رأى فى «الطلاق» أيضا.. إذ رأى فى الآية الواردة بسورة الطلاق: (واستشهدوا ذوى عدل منكم) توجيها صريحا بالاستشهاد يشمل كل ما أتى قبله (أى قبل هذه الآية) من طلاق ورجعة وإمساك وفراق.. وكأن قصد الشارع أن يكون الطلاق واقعة حال مشهورة لدى العموم ليسهل إثباته.. فيمتنع بهذه الطريقة هذا النوع (الكثير الوقوع) من الطلاق الذى يقع بكلمة خرجت على غير قصد ولا روية فى وقت غضب!
وكما كان الأستاذ الإمام هو أول من رد «حديث الغرانيق» الوارد فى عديد من كتب الأحاديث والسيرة، حفظا لمقام النبوة.. كان - كذلك - أول من فتح باب الاجتهاد فى عديد من الأمور الاقتصادية والمالية (التى لا يزال عديد من الشيوخ يتلعثم فى إخراجها إلى اللحظة).
يقول المستشار «عبدالحليم الجندى» فى كتابه: «الإمام محمد عبده»: من أشهر فتاوى الإمام تحليل الإيداع فى صناديق البريد، على اعتبار أن الحكومة تستغل أمواله على سبيل المضاربة، وحسب الرأى مكانة فى التطور الاقتصادى، أن يكون مثالا لتجويز التعامل مع الحكومة من دون اتهامها باستغلال شعبها كالمرابين.
ومن أشهر فتاويه - أيضا - فتواه باتساع عقد المضاربة لوجه التأمين الذى استفتى فيه، مما أطلق أجنحة التأمين فى التعامل.

امتد أثر «مدرسة الأستاذ الإمام» لعديد من الأجيال اللاحقة عليه.. إذ تولى ثلاثة من تلاميذه، هم: الأحمدى الظواهرى»، و«محمد مصطفى المراغى»، و«مصطفى عبدالرازق» مشيخة الأزهر فيما بعد.. كما كان أثر تلك المدرسة باديا فى عديد من اجتهادات الشيخ «محمود شلتوت»؛ إذ تبنى الشيخ الراحل المنهج ذاته فى عديد من فتاويه معلنا الثورة على الجمود والتقليد.
إلا أن الملاحظ، فيما بعد، أن عجلة الإصلاح الدينى (وإن كان لا يزال من بعض جوانبها أثر) لم تعد تدور بالكفاءة ذاتها فى مواجهة عديد من الأفكار التى غرست داخل التربة المصرية (وهى غريبة عنها) فى حقب زمنية سالفة.. إذ بات فى الوقت الحالى - أكثر من غيره - من الضرورى - مواجهة ومجابهة ما أحدثته تلك الردة الفكرية من شروخ فى جدار «الإصلاح الدينى». 

 
 
المصادر

(1) - مذكرات الإمام محمد عبده (الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2006م).
(2) - الأعمال الكاملة (خمسة أجزاء) دار الشروق، 1993م.
(3) - رسال التوحيد (دار الشروق 1994).
(4) - د.محمد سيد طنطاوى: الاجتهاد فى الأحكام الشرعية (الأزهر، 2007).
(5) - د.عبدالله شحاتة: علوم التفسير (دار الشروق، 2001م).
(6) - د.عثمان أمين: رائد الفكر المصرى (قصور الثقافة) 2006م
(7) - تشارلز آدمس : الإسلام والتجديد فى مصر (قصور الثقافة، 2006م).
(8) - د.أحمد عرفات القاضى: تجديد الخطاب الدينى (مكتبة الأسرة، 2008م).
(9) أحمد أمين: زعماء الإصلاح (مكتبة الأسرة، 2008م).