خير أجناد طيبة
بعد عصر طويل من الاستقرار السياسى، انقسمت مصر القديمة، وشهد عصر الانتقال الأول انهيار الدولة والسُّلطة المركزية وطغيان سطوة حكام الأقاليم المصرية وبزوغ نجمهم. وفى النصف الثانى من عصر الأسرة الحادية عشرة، ظهر الفرعون مونتوحتب الثانى نب حبت رع ووحّد مصر؛ فأصبح الموحد الثانى للأرض المصرية بعد المَلك مينا الأول، وأسّس الدولة الوسطى.
عندما صعد مونتوحتب الثانى لحُكم البلاد، كان يحكم جزءًا كبيرًا من البلاد يبدأ من الجندل الأول فى منطقة أسوان جنوبًا إلى الجنوب من منطقة أبيدوس فى محافظة سوهاج فى صعيد مصر شمالًا. واستمر حُكمه نحو 51 عامًا، ووحّد مصر تحت سُلطة ملك واحد فى نحو عام حُكمه التاسع والثلاثين، منهيًا بذلك عصر الانتقال الأول، ومؤسسًا عصرًا من الاستقرار السياسى والرخاء الاقتصادى للبلاد.
فى العام الرابع عشر من حُكمه، حدث صراع فى الشمال ضمن الصراع الأزلى بين الشمال والجنوب بين الملك مونتوحتب الثانى الموجود فى طيبة وبين بقايا الأسرة العاشرة المنافسة له والموجودة فى منطقة هيراكليوبوليس (إهناسيا المدينة فى محافظة بنى سويف) التى كانت تهدد بغزو مصر العليا؛ حيث كان يسيطر الفرعون مونتوحتب الثانى. وقد تمت تسمية هذا العام «عام جريمة الإقليم الثينى» فى إشارة واضحة إلى غزو منطقة الإقليم الثينى فى محافظة سوهاج من قبل ملوك منطقة هيراكليوبوليس الذين قاموا بالاعتداء على الجبانة الملكية المقدسة فى منطقة أبيدوس فى سوهاج. فقام الملك مونتوحتب الثانى بإرسال جيوشه المقاتلة إلى الشمال للرد بالقوة على ما قام به ملوك منطقة هيراكليوبوليس.
أكبر دليل على هذه الحرب المقدسة لتوحيد البلاد هو عثورنا على أجساد ملفوفة فى الكتان وغير محنطة لنحو ستين جنديّا فى مقبرة الجنود الشهيرة فى منطقة الدير البحرى فى الأقصر فى عشرينيات القرن العشرين الماضى. وعثرنا على اسم الملك مونتوحتب مكتوبًا على الأغطية الكتانية التى كانت تُلف بها أجسادهم. وتم قتل هؤلاء الجنود فى معركة الشرف فى الرحلة الطويلة لتوحيد مصر المبعثرة -آنذاك. ونظرًا لقرب هذه المقبرة الخاصة بهؤلاء الجنود من المقابر الملكية فى منطقة طيبة، نعتقد أن هذه المقبرة تخص الأبطال الذين حاربوا وماتوا فى الصراع الدموى بين الملك مونتوحتب الثانى وأعدائه من ملوك الشمال المنافسين له.
بموت حاكم مصر السُّفلى فى هذا الصراع، ضعفت مملكته، ما جعل الفرصة سانحة أمام مونتوحتب الثانى لتوحيد مصر. ورُغْمَ أن تاريخ التوحيد غير مؤكد؛ فربما حدث قبل العام 39 من حُكمه، وكذلك أمَر الملك بخروج حملات عسكرية إلى النوبة كى يعيد النوبة إلى السيادة المصرية وأقام حامية فى إلفنتين فى أسوان. وقام أيضًا بأنشطة عسكرية فى أرض كنعان فى جنوب فلسطين.
أمنمحات الأول
الفرعون أمنمحات الأول هو فرعون قادم من الجنوب المصرى العريق. وهو أول ملوك الأسرة الثانية عشرة التى تُعتبر قمة مجد عصر الدولة الوسطى، الفترة الذهبية الثانية بعد عصر الأهرامات فى الدولة القديمة.
وأغلب الظن أن هذا الملك كان الوزير أمنمحات الذى قاد حملة إلى منطقة وادى الحمّامات فى عهد سلفه مونتوحتب الرابع، الذى ربما كان شريكه فى الحُكم. ولا ينتمى أمنمحات الأول إلى الدم المَلكى. وهناك عدد من الأعمال الأدبية التى تُعتبر دعاية سياسية له لإضفاء الشرعية على فترة حُكمه مثل «نبوءة نفرتى» و«تعاليم أمنمحات». وتأثر فى العمارة بأهرامات الدولة القديمة؛ خصوصًا أهرامات الأسرتين الخامسة والسادسة. وقام بنقل العاصمة من العاصمة القديمة طيبة (الأقصر الحالية) إلى «إثت تاوى» (أى القابضة على الأرضين) وتم دفنه فى هرمه فى منطقة اللشت فى الجيزة.
وشهدت بدايات حُكمه توترًا سياسيًّا كبيرًا وصراعات عدة. وكانت هناك معارك بحرية قام بها أحد رجاله المدعو خنوم حتب الأول وأحرز فيها نصرًا مؤزرًا. وذكر هذا الموظف أن مصر قامت بحملات عسكرية عدة فى الشمال والجنوب من أجل استعادة هيبة الدولة وبسط السيادة على مناطق نفوذ وممتلكات مصر. وقام جلالة الفرعون أمنمحات الأول بتدعيم أواصر حُكمه والحفاظ على مؤسسات الدولة والعودة للدولة المركزية الأصيلة. واتخذ هذا الفرعون لقبًا مميزًا ضمن ألقابه الخمسة، وهو «وحم مسو»، بمعنى «معيد الميلاد أو النهضة» للأرض المصرية؛ حيث قام بالعودة إلى أمجاد عصر الدولة القديمة؛ حيث كانت الأهرامات العظيمة والمدارس الفنية العريقة.
غير أن أسوأ ما شهدته نهاية عهد هذا الفرعون هو تعرُّضه للاغتيال، ودليلنا على ذلك عملان أدبيان شهيران، هما: تعاليم أمنمحات وقصة سنوهى. والنص الأول نصائح وجّهها الملك الأب إلى ابنه وولى عهده سنوسرت. ولعل أهم ما جاء فيها تحذيره له من أن يثق فى أتباعه، وطلب منه ألا يتخذ من أحد صديقًا.
أمنمحات الأول ملك محارب من طراز رفيع أسَّسَ الأسرة الثانية عشرة وأعاد مصر للمجد والثراء والرخاء، وتم اغتياله على أيدى حرسه الخاص، فلم يكن جزاؤه من جنس عمله الطيب لبلده العظيم: مصر.
سنوسرت الأول
كان ولى العهد الأمير سنوسرت فى حملة عسكرية فى ليبيا. وفى تلك الأجواء، بلغه نبأ اغتيال والده الملك أمنمحات الأول. وكما تذكر قصة سنوهى أن أمنمحات الأول أرسل جيشًا إلى أرض التحمو، تحت رئاسة ابنه سنوسرت الذى ذهب للسيطرة على البلاد الأجنبية وأسَر سكان التمحو. وأثناء عودة الأمير ومعه الآلاف من الأسْرَى وكل أنواع الماشية بأعداد لا حصر لها من تلك البلاد، تم إرسال عدد من رجال القصر الملكى المخلصين إلى الأمير سنوسرت لإخباره بما حدث.
وكان أمنمحات الأول عسكريّا ذكيّا للغاية، يجيد قراءة الأحداث والتنبؤ بالمستقبل، فأشرك ابنه وولى عهده سنوسرت معه فى الحُكم فى العام العشرين من حُكمه، وكانت هذه من أولى حالات الاشتراك فى الحُكم فى مصر الفرعونية.
وكان سنوسرت الأول من أقوى فراعنة الأسرة الثانية عشرة. وواصل سياسة والده وطبق نصائحه فى تعاليمه له، فقام بالتّوسُّع فى بلاد النوبة بشكل كبير. وقام بحملتين عسكريتين فى العامين العاشر والثامن عشر من حُكمه. وحدّد حدود مصر الجنوبية الرسمية بالقرب من الجندل الثانى وأقام هناك حامية عسكرية، ونصب لوحة تذكارية تمجّد انتصاراته العسكرية هناك.
ولم يكتفِ هذا الفرعون النشيط عسكريّا بهذا؛ بل قام بإرسال حملة عسكرية إلى الواحات الغربية. ونجح فى بناء علاقات دبلوماسية وطيدة مع أمراء المدن السورية والكنعانية.
وكما كان سنوسرت الأول مَلكًا نشيطًا عسكريّا، كان مَلكًا بَنّاءً عظيمًا أيضًا، واستخدم القوة العسكرية من أجل تنفيذ برنامجه المعمارى الضخم والطموح عبر الأرض المصرية. فنراه يرسل بعثات تعدينية تحرسها القوى العسكرية كى تجلب له المواد التى تحتاج إليها أبنيته المعمارية الضخمة. وها هو يرسل البعثة تلو الأخرى إلى أرض الفيزوز، أرض سيناء الغالية، التى هى جزء غالٍ من أرض مصر المباركة منذ أقدم العصور ومنذ أن خطّ الإله أول كلماته. وكانت منطقة وادى الحمّامات فى صحراء مصر الشرقية من المناطق التى كان يرسل إليها سنوسرت الأول البعثات التعدينية محاطة بقوى مصر العسكرية الساهرة على حمايتها.
وبنَى هذا المَلك العديد من المقاصير والمعابد عبر الأرض المصرية وبلاد النوبة. سنوسرت الأول ملك عسكرى محنك تَربّى فى مدرسة أبيه أمنمحات الأول، فتعلَّم منه الكثير وكان حذرًا وحريصًا، ونجح فى أن يفلت من مصير والده، وزاد عن والده بأن أقام برنامجًا معماريّا ضخمًا طموحًا فى طول وعرض أرض مصر وبلاد النوبة.