متحف الحضارة.. 7 آلاف سنة! «بانوراما»
تخطط وزارة الآثار المصرية العريقة لنقل المومياوات المَلكية من المحتف المصرى بميدان التحرير للعرض بالمتحف القومى للحضارة أو متحف الحضارة بالفسطاط خلال أيام، على أن يتم ذلك فى موكب عالمى مهيب تحضره وسائل إعلام من مختلف دول العالم، فما قصة هذا المتحف العظيم الذى يُعَد أحد أهم المشروعات الأثرية الكبرى التى تقوم بها وزارة الآثار فى الفترة الحالية؟
يُعَد المتحف القومى للحضارة المصرية أحد المشروعات الرئيسية التى تتبناها وزارة الآثار المصرية وصندوق إنقاذ آثار النوبة والمجلس الأعلى للآثار وهيئة الأمم المتحدة ممثلة فى منظمة اليونسكو. ففى عام 1978، أعلنت الحكومة المصرية عن اعتزامها بناء متحفين جديدين بالتعاون مع منظمة اليونسكو، وهما متحف النوبة بأسوان ليضم بعضًا من آثار النوبة التى عُثر عليها أثناء حفائر الحملة العالمية لمنظمة اليونسكو لإنقاذ آثار النوبة التى امتدت بين عامَى 1960 و1980، والمتحف الثانى هو المتحف القومى للحضارة المصرية بالقاهرة (بأرض الجزيرة- «الأوبرا حاليًا»).
وفى عام 1982، قامت منظمة اليونسكو- بناءً على طلب من الحكومة المصرية- بإطلاق حملة عالمية لتأسيس متحف النوبة بأسوان والمتحف القومى للحضارة المصرية بالقاهرة. وفى عام 1984، أقيمت مسابقة معمارية دولية تم فيها اختيار المشروع الفائز للمعمارى د. الغزالى كسيبة. وفى عام 1998، تم اختيار منطقة الفسطاط لتكون مقرّا للمتحف القومى للحضارة المصرية. وفى عام 2000، تم عمل مسح أثرى وحفائر بالموقع. وفى عام 2002، قامت سوزان مبارك بوضع حجر أساس المتحف. وفى عام 2004، تم البدء فى تنفيذ مشروع المتحف. وفى عام 2007، تم نقل الآثار المختارة للمتحف إلى مخرن الأستاذ عبدالرحمن عبدالتواب المتحفى بالفسطاط لحين الانتهاء من إعداد وتجهيز مخازن المتحف الأساسية.
أمّا بالنسبة لسيناريو العرض المتحفى فى صالات العرض، فسيتم عرض مجموعات المتحف الأثرية الدائمة فى ثلاث مناطق هى:
1.قلب المتحف: وتشمل العرض الرئيس للمتحف الذى يُبرز أهم إنجازات الحضارة المصرية فى تسلسلها الزمنى. ويستطيع الزائر من خلال هذا العرض أن يكون فكرة متكاملة عن الحضارة المصرية وأهم ملامحها الأساسية خلال عصور ما قبل التاريخ والعصر الفرعونى والعصر اليونانى- الرومانى، والعصر القبطى والعصر الإسلامى والعصر الحديث والعصر المعاصر.
2. العرض الموضوعى:
ويشمل ستة موضوعات رئيسة:
فجر الحضارة
ويستطيع الزائر من خلاله التعرف على النواحى التفصيلية لقيام الحضارة المصرية فى عصورها المبكرة والتحول الكبير الذى طرأ على مظاهر حياة الإنسان المصرى منذ أن عرف الاستقرار وتعلم الزراعة والرعى وتكونت الأقاليم والمدن حتى بداية تكوين ملامح الدولة المصرية.
النيل
ويتناول بالتحليل والعرض قصة نشأة نهر النيل فى مصر وكيف كان ولايزال العمود الفقرى للحضارة المصرية ووفَّر لها نعمة الاستقرار والاستمرار وحوَّل الإنسان المصرى إلى منتج للطعام. واستخدم المصريون النيل فى الزراعة والصيد والنقل. وقامت على جانبَيه ودلتاه أعظم حضارات العالم وأقدمها التى لاتزال مستمرة إلى الآن. ويتعرض لقصة تحوُّل النيل من آن لآخر وفروعه- التى أصبحت فرعَين بعد أن كانت سبعة أفرع- بداية من إنشاء الخزانات والسدود للإفادة من فيضان النيل وصولًا للسد العالى.
.
الكتابة
ويعرض أحدث الاكتشافات الأثرية ويدحض المزاعم القائلة بأن الكتابة المسمارية أقدم الكتابات؛ إذ أثبتت الاكتشافات الأثرية فى أبيدوس فى صعيد مصر أن المصريين توصلوا للكتابة المصرية قبل المسمارية بأكثر من ثلاثمائة عام. ويتناول براعة المصريين وتفوُّقهم فى العلوم. ويؤكد على ريادة مصر فى ذلك. ويلقى الضوء على مجالات كان الفضل والبراعة والسبق والتفوق فيها للمصريين كالطب والفلك والرياضيات وعلوم التحنيط.
الثقافة المادية
ويَعرض الشواهد المادية الممثلة للحضارة المصرية كالعمارة وتطوُّرها منذ عصور ما قبل التاريخ إلى عصرنا الحديث على اختلاف أنواعها كالعمارة المدنية والحربية والدينية والجنائزية. كما يتناول قصة الفنون المصرية من نحت وتصوير وحُلى وأدوات زينة والأدوات الموسيقية والتعبيرية منذ أقدم العصور إلى الآن.
الدولة والمجتمع
ويتناول نظام الحُكم المصرى وتعايشه مع المجتمع؛ إذ أثبتت الشواهد أن أقدم حكومة مركزية فى العالم نشأت فى مصر. وقامت العلاقة بين الحكومة والمجتمع على العدل والمساواة. وساهم المجتمع المصرى فى نهضة ورُقى حضارته من خلال منظومة متكاملة من القيم سادت المجتمع منذ الأزل إلى الآن وأثرت بشكل كبير فى صُنع الشخصية المصرية. وكان ولايزال دور المرأة عظيمًا فى مجتمع وحضارة مصر، وكان للحضارة المصرية السبق فى إدراك أهمية دور المرأة فى تحقيق التقدم الحضارى؛ إذ شاركت المرأة جنبًا إلى جنب مع الرجُل فى بناء تلك الحضارة العظيمة. ويوضح أهم العادات الاجتماعية كالأعياد والمناسبات والتعليم والقضاء والضرائب والجيش والشرطة والتنظيمات عبر العصور.
العقائد والفكر
ويعرض أهم المعتقدات المصرية التى تؤكد أن المصريين من أكثر شعوب الأرض إيمانًا وتسامحًا مع العقائد الأخرى. ويؤكد أن المصريين أبدًا لم يكونوا عَبَدَةَ تماثيل أو أفراد بل كانوا على إيمان قوى بقوة الإله وقدرته التى تصوّروها فى أشكال عدة. وجاءت فلسفة المصريين وتفسيرهم لنشأة الأرض متقاربة إلى حد ما مع ما ورد فى الكتُب السماوية. وتمسَّكَ المصريون لسنوات طوال بعقائدهم وإيمانهم فى مواجهة الغزو الأجبنى للأرض المصرية. وصارت مصر مأوًى للمسيحية التى انتشرت فيها وتعايشت بسلام مع معتقدات المصريين، بل وجد المصريون فيها قدرًا كبيرًا من معتقداتهم. وكانت تلك السمات نفسها التى انتقل بها المصريون إلى الإسلام. ويتناول هذا القسم العادات والفنون الشعبية المصرية منذ أقدم العصور إلى الآن بأسلوب يجعل المصرى يُعيد اكتشاف نفسه من جديد ويجد نفسه فى تواصل كامل مع أجداده الذين صنعوا مجد هذه الحضارة، ويجعله يعى جيدًا ضرورة مواصلة هذا المشوار الحضارى الطويل بالحفاظ عليه والارتقاء به.
3. المومياوات المَلكية:
وتمثل هذه المنطقة محور الجذب الأساسى فى المتحف؛ حيث يستطيع الزائر أن يرى ملوك ومَلكات مصر الذين طالما ترددت أسماؤهم على مسامعه. وتتلخص فكرة العرض فى تقديمهم بما يليق بمكانتهم الكبيرة بعيدًا عن عرضهم كمومياوات فقط. وصالات العرض مجهزة ومصممة لتأهيل الزائر للعيش فى رحاب المُلوك الفراعنة العظام.
وتبلغ المساحة الإجمالية للمشروع 28 فدانًا إلى الآن، ومن المخطط زيادة مساحته إلى 70 فدانًا. ويتكون المتحف من مبنى الاستقبال (الاستقبال والاستعلامات-الخدمات التعليمية- محلات المتحف- الكافتيريات والمطاعم-صالة الاحتفالات ودار للسينما ومسرح-المناطق التجارية)، ومبنى صالات العرض المتنوعة(صالات العرض الدائمة والمؤقتة- المخازن- معامل الصيانة وورش العمل- إدارة المتحف- الخدمات المتحفية) ومنطقة انتظار السيارات (للسيارات بسعة 400 سيارة-للحافلات بسعة 45 حافلة).
ومن التوسعات المستقبلية أن يشمل المتحف مكتبة عامة ومتخصصة عن آثار وتاريخ وحضارة مصر عبر العصور على أحدث النُّظم المكتبية والوثائقية العالمية للحفاظ على ذاكرة مصر للأجيال القادمة، تكون مرجعًا ومكانًا لا غِنَى عنه للباحثين والمهتمين، وسوف تكون مفتوحة للجمهور والعلماء والباحثين والجمهور من مصر وخارجها. وسوف يُخصص جزءٌ من المكتبة يوضح نشأة وتاريخ العمل الأثرى فى مصر وأبرز رموزه فى كل التخصصات. ومن المفضل أن تكون هذه المكتبة على غرار مكتبة الكونجرس الأمريكية، وسوف تُعقد اتفاقية شراكة وتآخٍ بين المكتبتين. وفتح المتحف أبوابه للجمهور منذ فترة حين تم الافتتاح الجزئى للمتحف من خلال توظيف قاعة العرض المؤقت بالمتحف لمعرض «الحرف والصناعات المصرية عبر العصور».
يُمثل المتحف تجسيدًا للحضارة المصرية عبر العصور باعتبار مصر هى فَجْر ضمير العالم الذى خرج من مصر للعالم أجمع، وبعث ونشر سِحر مصر ممثلًا بذلك روح ودور مصر الحضارى عبر العصور، وكذلك عبَّرت الأعمال المصرية الإبداعية عَبْر العصور عن مصر وحضارتها منذ أقدم العصور إلى الآن كما يُمثل متحفنا مصر منذ أقدم عصورها إلى زمننا الراهن.
*مدير متحف الآثار- مكتبة الإسكندرية