إيزيس صانعة الآلهة فى مصر القديمة
جاء اختيار يوم 16 مارس لكى يكون يومًا للمرأة المصرية لعدة أسباب تاريخية، ترجع بدايتها لثورة المرأة ضد الاستعمار الإنجليزي، وذلك بعد استشهاد حميدة خليل أول شهيدة مصرية من أجل الوطن، فى اليوم الذى تظاهرت فيه أكثر من 300 سيدة بقيادة السيدة هدى شعراوى رافعات أعلام الهلال والصليب كرمز للوحدة الوطنية. وبالنظر إلى عظمة المرأة المصرية المعاصرة، نجد أن المرأة فى مصر المعاصرة تعد امتدادًا لمثيلاتها فى مصر الفرعونية صاحبة السبق والتفرد والتميز فى كل المجالات الحضارية وكان من بين أهمها مكانة المرأة فى مصر الفرعونية المقدسة.
لولا المرأة المصرية القديمة، ما كانت مصر القديمة؛ فالمرأة المصرية هى رمانة الميزان ومركز الدفع والتحفيز على العمل والإبداع وشحذ الهمم والطاقات لدى رجال مصر العظام. وسبقت مصر العالم فى احترام المرأة ومنحها حقوقها كاملة. وتمتعت المرأة فى مصر القديمة بمكانة عالية وحصلت على حقوق كثيرة لم تحصل عليها مثيلاتها فى العالم القديم، بل فى العصر الحديث إلا منذ فترة قريبة. وكان دور المرأة فى مصر القديمة كبيرًا ومهمًا للغاية؛ وكانت مساوية للرجل، ومشاركة له فى الحياة، وملازمة له فى العالم الآخر.
كانت سيدة مجتمعها ووصلت لأعلى درجات التقدير فيه. وكانت خير رفيق للرجل فى الدنيا والآخرة. وتميزت بالسبق والإبداع والتميز فى مجالات عدة. وحملت العديد من الألقاب سواء فى البيت أو فى القصر أو المعبد أو فى المجتمع. وشجع المجتمع المصرى القديم على الزواج. ونصح الحكماء بالإقدام عليه فى سن مبكرة. وكانت المرأة المصرية القديمة سيدة فى بيتها. وتنوعت أدوارها فى مجتمعها منذ بداية الحضارة المصرية القديمة وحملت من الألقاب ما يدل على ذلك مثل لقب «نبت بر» أى «سيدة البيت»، مما يدل على عظم المكانة والتقدير الذى حصلت عليه فى بيت زوجها. فكانت تقوم بأعمال بيتها وتساعد زوجها فى عمله مثل العمل فى الحقل وأعمال الزراعة وعمل السلال والحصر وتربية الماشية والطيور وطحن الحبوب وتجهيز العجين وخبز الخبز والفطائر فى الفرن وصناعة الجعة وورش النسيج. وكانت تعمل كمربية للأبناء والبنات فى بيوت كبار رجال الدولة والملوك. وكانت أيضًا تعمل فى المعابد. وكان البعض منهن يُجدن القراءة والكتابة والحساب.
وحكمت المرأة المصرية القديمة البلاد بانفراد مما يدل على عظمة الشخصية المصرية ومدى تحررها وانفتاحها والسماح للملكات بأن يعتلين عرش مصر مثل الرجال. وكان إسهامها فى ذلك لا يقل عن إسهام الرجل.
وكان دور بنات الملوك مهمًا وحلقة وصل فى سلسلة تتابع الملوك على العرش؛ نظرًا لما يجرى فى عروقهن من دم ملكي، وكان لمن يتزوجهن الحق فى أن يصبح حاكمًا على مصر. ويوضح ذلك دور الملكات المصريات الرائد وعظمتهن فى انتقال الحكم، وفى تكوين ملوك مصر العظام.
وكان يتم تكليف الملكة الأم بحكم البلاد نيابة عن ابنها، الملك الطفل. وتعد هذه الواقعة التاريخية من أوائل الحوادث فى هذا السياق. وكان دور النساء مهمًا فى الحفاظ على عرش البلاد لأبنائهن حتى يبلغوا سن الرشد. وقد تردد العالم الحديث فى اتباع نظام وصاية النساء على العروش. وتم اتباعه فى مصر القديمة؛ نظرًا لأن الأم هى الشخص الأكثر ولاءً ووفاءً وإخلاصًا لابنها الملك الطفل؛ فضلاً عن كونها تنتمى بالدم للعائلة المالكة، وأيضًا كانت متدربة على تحمل مسئوليتها التاريخية والدفاع عن ابنها الطفل حتى يشب عن الطوق.
كانت الأمهات، وليس الآباء أو الأخوة، اللائى يقمن بهذا الدور المجيد حين يرحل الزوج فجأة. وهذه السنة الحسنة سوف يسير عليها العالم بعد ذلك وتصبح من أدبيات وآليات انتقال الحكم فى دنيا الحكم والسياسة. وكانت علاقة المرأة قوية وقائمة على الحب مع زوجها وكانت محل تقدير أبنائها.
صورت المرأة واقفة إلى جوار زوجها فى حجم مقارب لحجمه. وتطوق جسده بذارعها، وتضع يدها اليمنى أسفل صدره، وتلامس بيدها اليسرى ذراعه الأيسر فى حنان وحب واضحين. ويحمل هذا التصوير الفنى مغزى حضاريًا معاصرًا يعبر عن قمة الحب والتراحم والحنان والتواصل بين الرجل والمرأة فى المجتمع المصرى القديم. ويمثل الزوج فى صورة إنسانية كزوج محب لزوجته وشريكة كفاحه.
شاركت المرأة المصرية فى الدفاع عن الوطن مما يوضح عظمة الدور الذى من الممكن أن تقوم به النساء فى تحرير الأوطان وشحذ همم الرجال من الأبطال كى يعيدوا لمصر كرامتها وعزها. وكان للملكة المناضلة «تتي-شري» دور كبير فى تحرير مصر من احتلال الهكسوس على يد حفيدها الملك أحمس الأول الذى حرر مصر من الهكسوس وطاردهم إلى خارج الحدود المصرية. وفى هذا ما يوضح عظم دور ملكات مصر العظيمات فى الدفاع عن أرض مصر الخالدة، وتنشئة الملوك الأبطال الجديرين بحكم مصر. وساهمت أمه الملكة إياح حتب الأولى فى تسيير الفرق العسكرية، ولعبت دورًا كبيرًا فى الدفاع عن العاصمة طيبة، وحمت مصر واعتنت بها وبالجنود، وقامت بأداء الشعائر، وجمعت الهاربين وأعادت الفارين، وأنزلت السلام والسكينة على مصر العليا، وطردت المتمردين. وعُثر ضمن آثارها على عدد كبير من الآثار العسكرية مثل فأس يدوية وخنجر وأنواط عسكرية على شكل ذبابات ذهبية مما يؤكد على دورها العسكرى الفريد.
حملت الملكة أحمس - نفرتارى اللقب الدينى الكاهنة الثانية للإله آمون. ومن خلال هذا اللقب منحها زوجها أحمس الأول وأبناءها العديد من الأوقاف للأبد، وكذلك منحها اللقب الدينى الجديد «الزوجة الإلهية للإله آمون» وجلب لها الكثير من الثروات. وهو من الألقاب الجديدة التى ارتبطت فيها نساء البيت المالك بعبادة الإله. ويعد لقب الزوجة الإلهية للإله آمون لقبًا كهنوتيًا ليس إلا، ولم تكن حاملة هذا اللقب زوجة فعلية للإله. ومن خلال هذه الثروات الطائلة التى خُصصت لتلك الملكة المعشوقة من زوجها الفرعون، صار ممكنًا لهذه الملكة القيام بالعديد من الطقوس وتقديم القرابين، وصار اسمها منقوشًا فى عدد كبير من المعابد.
ونظراً لأن تحتمس الثالث كان طفلاً، وكانت أمه إيزيس غير مؤهلة للوصاية عليه لأنها ليست من الدم الملكي؛ قامت المرأة الطموح والقوية الملكة حتشبسوت بالوصاية على ابن زوجها لفترة ما، ثم داعبها طموحها وبريق السلطة وروعة العرش وإغراء الحكم، فتصرفت كأنها ملك ذكر، وتم ذكرها فى النصوص وتصويرها فى المناظر فى هيئة الملوك من الرجال. وكانت الملكة حتشبسوت عظيمة العظيمات، وجميلة الجميلات، وأفضل النساء، والمرأة القوية التى هزت الدنيا وغيرت الرياح فى اتجاهها، وجعلت الجميع ينحنون إجلالاً وتعظيمًا لتلك المرأة التى خلبت الجميع بجمالها، وسحرها، وقوة شخصيتها وثراء الأحداث فى فترة حكمها اللافت فى تاريخ مصر القديمة قاطبة. ولم يكن هناك مثيل لقدرتها الكبيرة على إدارة حكم البلاد.
وتعد المرأة الذكية وصاحبة الشخصية القوية الملكة «تي» هى الزوجة الرئيسية لفرعون الشمس الملك أمنحتب الثالث. ولعبت تى دورًا كبيرًا فى حياة وحكم زوجها وأنجبت له وريثه وولى عهده الملك أمنحتب الرابع أو الملك أخناتون بعد ذلك. وفى العقيدة الدينية والملكية لفترة حكم زوجها، اعتبرت الملكة تى إلهة السماء الأم.
وتشير الآثار من عهد أمنحتب الثالث إلى أهمية زوجته تى طوال فترة حكم زوجها؛ فعثرنا على عدد كبير من التماثيل فى أحجام ومواد مختلفة تصورها مع زوجها، بينما تظهرها النقوش تساعده فى كثير من طقوس العبادة، وتشاركه كذلك فى الاحتفالات خصوصًا الاحتفال الخاص بعيد جلوسه على عرش مصر. ووصف أحد النصوص الملكة تى بأنها ترافق الملك أمنحتب الثالث مثل الإلهة ماعت حين ترافق إله الشمس رع. وأقام الملك بحيرة للراحة والاستجمام فى بركة هابو فى غرب مدينة الأقصر حبًا لزوجته الغالية قوية الشخصية وصاحبة الحضور الطاغى الملكة الذكية تي. ونرى حكام الشرق الأدنى القديم العظام يتوددون للملكة ويطلبون توسطها لدى أمنحتب الثالث وولدها أخناتون؛ نظرًا لأهمية دورها وعظم قدرها فى البلاط عند زوجها وابنها.
فاقت قوة المرأة الجميلة الملكة نفرتيتى قوة الرجال، وشاركت فى أمور الحكم، وكانت ذات دور كبير فى تحريك السياسة وتوجيه دفة الحكم فى عهد زوجها الملك أخناتون. وربما حكمت نفرتيتى بعد وفاته قبل تولى توت عنخ آمون عرش البلاد.
كانت جميلة الجميلات نفرتارى ملكة قوية ومؤثرة بقوة فى عهد زوجها الملك رمسيس الثاني. ولعبت دورًا كبيرًا فى الشئون الدبلوماسية فى الدولة المصرية العريقة؛ نظرًا لما كانت تتمتع به من مهارات عديدة مثل فنون الكتابة والقراءة وأصول وفنون علم المراسلات الدبلوماسية، فأفادت مصر بمهاراتها الكبيرة وزوجها، فضلًا عن حبها لزوجها الملك مما جعل من قصة حب رمسيس الثانى ونفرتارى أعظم قصص الحب وأخلد حكايات العشاق التى خلدها الإنسان فى الحجر والفن قبل أن يخلدها البشر فى فنون الأدب والقول.
كان من فرط وعظم حب وإعزاز وتقدير رمسيس الثانى لزوجته المحبوبة نفرتارى هو تصويرها معه فى معظم آثاره، وبناء الآثار الكبيرة والجميلة لها مثل معبدها فى أبو سمبل. وتم السماح لبعض الملكات بتشييد مقابر ملكية بين مقابر الملوك الخالدين من حكام مصر تكريمًا وتقديرًا لهن. وأمر رمسيس الثانى بإنشاء مقبرة رائعة لها فى وادى الملكات هى الأجمل بين مقابر الوادى الجميل.
كانت المرأة فى مصر هى سيدة المجتمع المصرى القديم بكل ما تحمل الكلمة من معنى. وحصلت على ما حصلت عليه المرأة فى العالم المعاصر من زمن بعيد قبل.
فتحية تقدير وحب واحترام للمرأة المصرية فى عيدها وقديمًا وحديثًا ولولا المرأة المصرية العظيمة ما كانت مصر وحضارتها الساحرة.
*مدير متحف الآثار-مكتبة الإسكندرية