الأحد 6 أبريل 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
حضارة «المايا» تبوح بأسرارها!

حضارة «المايا» تبوح بأسرارها!


حاولت أجيال عديدة من العلماء فك طلاسم حضارة «المايا» وحل رموزها السحرية مثل «أهرام الشمس»، والرياضيات، والفلك، والعلوم، والفن، واجتهدت فى فك شفرة نقوشها السحرية المغلقة، وتعد اللغة الوحيدة المكتوبة فى ما قبل العالم الكولومبى الجديد. وعلى مدار 450 عامًا، فشلت كل الجهود والمحاولات.
 ثم انكسر الطلسم وانفتح سحر هذه الحضارة العريقة التى تعد واحدة من أكبر حضارات العالم إثارة وتأثيرًا، وأصبحت حضارة حية، وخرجت إلى الوجود لتبهر العالم بعد أن نطقت لغتها الخاصة، وتوقف الوسطاء عن الحديث بلسانها.
مضت عصور طويلة على هؤلاء الذين درسوا حضارة أمريكا الوسطى المعروفة بـ«المايا» من دون الوصول لحقيقة واضحة. ثم أصبح انهمار المعلومات والمعرفة بهذه الحضارة أشبة بالفيضان الهادر، خصوصًا فى العقدين الأخيرين من القرن العشرين، فقد فكت نقوش «المايا» وأنتجت لغة مكتوبة، لم يعد يقرؤها أحد منذ القرن السادس عشر الميلادى. ويعد هذا الاكتشاف أعظم الاكتشافات الأثرية الأخيرة الجديرة بالاحترام والتقدير. ونستطيع الآن بكل سهولة معرفة كل شىء كان غامضًا عن حضارة «المايا» القديمة، وتستطيع من خلال لغتها الخاصة أن تخبرنا بقصتها، فقد فتحت أبوابها على قلب التاريخ النابض بأقصى سعتها، وازدهر الدين المشكل لهذه الحضارة، واستمرت حية فى الفترة من عام 200 - 1500 م.
وللوهلة الأولى، تبدو نقوش «المايا» المكتوبة أشبه بشكل الباروك للصورة المكتوبة. واستخدم أهل «المايا» العديد من الأشكال والرموز مثل رءوس الحيوانات، وأجزاء الجسم البشرى، وأشكال الآلهة، وأشياء أخرى عديدة مكتملة الفاعلية السحرية، ورتبت كلها فى كتل كى تكون النص المكتوب الأساسى. وكان من الشائع من قبل، ولعقود عديدة طويلة، أن هذه النقوش لا تعنى شيئًا على الإطلاق أكثر من كونها نظام كتابة تصويرية فقط، من خلاله تمثل كل صورة كلمة رئيسية أو فكرة ما. وثبت خطأ هذه الفكرة تمامًا؛ وثبت أن كتابة «المايا» ليست كتابة ذات قيمة تصويرية فقط، بل ذات قيمة صوتية أيضًا، استخدمت مجموعة من العلامات، كل منها يمثل بعض المقاطع الساكنة أو المتحركة لنطق الكلمات.
درس «كوبان» و«بالنك» بعض المناطق القليلة فى حضارة «المايا»، فى بداية القرن العشرين، كذلك بعض النصوص القليلة المنقوشة على لوحات حجرية غالبًا. وكانت معظم كلمات «المايا» القديمة، متفرقًة، إلى أن جاء عام 1950م، عندما قدم اثنان من الدارسين المهمين وعملا باستقلالية تامة وتحرر فى الرؤية مع خلفية كبيرة مسبقة عن هذه الحضارة المهمة، وحققا نجاحًا عظيمًا فى إماطة اللثام عن هذه الحضارات ذات الأسرار الدفينة، وعوضا ما فشل فيه الآخرون لسنوات طويلة.
الأول هو الباحث الروسى الشاب آنذاك «يورى كنوروسوف» الذى كان له اهتمام كبير باللغات ونظم الكتابة. وزار أرض حضارة «المايا» أثناء الحرب العالمية الثانية لدراسة لغتها، مدفوعًا بقراءة نسخة طبق الأصل مكونة من 74 صفحة مميزة من «كتاب المايا» المحفوظ فى المكتبة الملكية فى «درسدن» فى ألمانيا، والذى تم جلبه إلى أوروبا من المكسيك فى بداية القرن السادس عشر الميلادى.
وشرع «كنوروسوف» بعينيه الثاقبتين وخبرته الطويلة بالكتابة الهيروغليفية، وكتابات أخرى عديدة فى دراسة نقوش «المايا» عن طريق بعض الأفكار المسبقة التى ادعاها الباحثون الغربيون، ثم كرر الزيارة بعد ذلك. ودرس «ألفبائية لاندا»، سيئة السمعة، التى كتبها فى سنوات 1560م، الراهب الإسبانى «ديجو دى لاندا»، الذى حطم عددًا كبيرًا من كتب «المايا» المكتوبة على لحاء الأشجار باعتبارها مدنسة فى رأى قداسته! وفى صفحات قليلة قصيرة، وصفها «لاندا» قائلاً: «فصول مؤكدة، أو رسائل كتبوها فى كتبهم، وأمورهم القديمة وعلومهم». وأصر فى دراسته غير العلمية أن «المايا» استخدموا «ألفبائية حروف» مثلما فعل الأوروبيون تمامًا! بل زود النقوش برسوم؛ ليجعلها ممثلة لألفبائية «المايا». وكانت هذه الرسوم التى أضافها غير ناضجة بالمرة، ومن الصعب إلحاقها بالنصوص القديمة نفسها. وقرر معظم الدراسين أن الألفبائية لا يمكن أن تكون مكونة من مئات الرموز أو العلامات التى استخدمت فى نصوص «المايا» القديمة.
وغاص «كنوروسوف» واستنتج أن فشل الراهب «لاندا» الأساسى، يرجع إلى أنه أساء فهم معنى كتابة «المايا»، وأنه أخضع هذه الكتابة إلى النطق الإسبانى، فضلاً عن اعتقاده أن النقوش تمثل حروفًا. وتحقق «كنوروسوف» من أن هذه النقوش لا تمثل حروفًا، بل مقاطع كتابية. واختبر فكرته عن طريق نسخة مكتبة «درسدن» التى فى حوزته، وبسرعة جاءت النتائج مبشرة. ونشر رؤيته هذه فى عام 1952م؛ ونظرًا لأنه نشر هذه الدراسة الأولية بشكل أساسى فى بلده الاتحاد السوفياتى،فأخذت سنوات عديدة حتى اعترف بها الغرب. ومع مرور الزمن أصبحت نظرية الشاب «الروسى» «كنوروسوف» هى الصائبة، خصوصًا تفسيره لطبيعة هذه النقوش.
ومن بين الدارسين الذين تعلقوا بدراسة «كنوروسوف»، الباحثة الروسية المولد «تاتنيانا بروسكورياكوف» من متحف هارفارد الأمريكى. فقد أعجبت بأفكار مواطنها «كنوروسوف»، وأوضحت الدلالة التاريخية لهذه النقوش، فيما انصب عمل مواطنها «كنوروسوف» على إيجاد قيمة صوتية وقرائية هجائية لهذه النقوش؛ أى أن عملها أكمل عمله.
وفى العقود التالية، تزايد الاهتمام بأدلة «كنوروسوف» اللغوية، وأدلة «بروسكورياكوف» التاريخية. ويدين العديد من الباحثين فى أنحاء العالم من المهتمين بدراسة حضارة «المايا» لهذين الباحثين الروسيين الدءوبين بالفضل فى الكشف عن أسرار هذه الحضارة التى كانت غامضة منذ زمن طويل، وبفضل جهودهما أصبح أكثر من 80 % من نقوش «المايا» قابل للقراءة اليوم، فضلاً عن المعرفة التامة بنظام الكتابة الذى اتبعه أهل الحضارة العريقة الغامضة المثيرة.
* مدير متحف الآثار-مكتبة الإسكندرية