ابراهيم خليل
العبـور الجديـــد
وأخيرًا وصل أمرُ واضعى اليد على أراضى الدولة إلى عُنق الزجاجة، ولم يَعُد يُحتمل الانتظار، فإما أن يستمر ضياع هيبة الدولة وإما تثبيت وتعضيد هيبتها.
الجميع يدرك أن حالة البلد بهذا الشكل لا يمكن أن تستمر، فالذين استولوا على آلاف الأفدنة ضربوا بعرض الحائط كل القطاعات وكل شرائح المجتمع على أساس أن هيبتهم وأموالهم أعلى من هيبة الدولة، وأن لا أحد يستطيع الاقتراب منهم باعتبار أنهم نافذون فى كل القطاعات ولهم إعلامهم وقنواتهم الفضائية التى يقومون باستعمالها عندما تقترب يد الدولة منهم بدعوى ضرب الاستثمار أو تحريض الهيئات الدولية ضد الدولة.
وهكذا استمرت هذه الدعاوى لسنوات طويلة لتكون حماية لمصالح فئة محددة من بقايا الحزب الوطنى وعدد من المحتكرين الذين يطلقون على أنفسهم مرة رجال أعمال ومرة أخرى مستثمرين.
وتحت هذا الغطاء قاموا بالاستيلاء على ملايين الأفدنة مرة تحت مُسمى زراعة الصحراء، وبعد أن تمتد إليها شبكة الطرق والبنية الأساسية تتحول المزارع إلى مدن سكنية ويُباع المتر الذى تم شراؤه بجنيه واحد إلى عشرة آلاف جنيه لتتضخم ثروات هؤلاء على حساب الفقراء من هذا الشعب الذين هم فى الأصل الملاك وأصحاب المصلحة العليا فى هذا البلد وأكثرية هذا الشعب.
ومن يرصد تضخم الثروات منذ فترة السبعينيات من القرن الماضى إلى الآن يلاحظ أن عددًا كبيرًا من الأثرياء قد تكونت ثرواتهم من شراء الأراضى وبيعها بعد تسقيعها أو من تحويل الأراضي التى تم شراؤها لتتم زراعتها تتحول إلى مدن سكنية أو فيلات وقصور ومنتجعات تباع بملايين الجنيهات.
وهؤلاء الذين حققوا الثروات الطائلة من بيع وتسقيع الأراضى لم يتبرعوا بمليم واحد للمشروعات التنموية ولم يساهموا فى أى خطط اجتماعية للنهوض بفقراء هذا الوطن أو حتى تقديم أموال للصناديق الاجتماعية التى ترعى الفقراء. فهم يعيشون فى أبراج عالية لا يشعرون بآلام الفقراء، مدركين بأن أموالهم تحميهم من أى شيء، مستغلين ضعف الدولة وانشغال أجهزتها بمحاربة الإرهاب، بالإضافة إلى أن الدولة أعطتهم أكثر من فرصة ليعيدوا حساباتهم، إلا أنهم لم يفهموا ولم يدركوا الرسائل العديدة التى وصلتهم سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. ومن هنا زاد تكبرهم وغطرستهم بالبُعد عن أى مساهمات فى تَقدُّم هذا الوطن.
واليوم يريدون التصالح لتقديم فتافيت بقايا الطعام الذى يتساقط من آفواههم مقابل أن تترك لهم الدولة المليارات يستمتعون بها غير مبالين معاناة الشعب.
وجاءت تحذيرات الرئيس السيسى من قلب الصعيد، حيث وجَّه تحذيرا شديد اللهجة لواضعى اليد على أراضى الدولة، قائلا: «أنا بصراحة زعلان قوى من الموضوع ده، إن حد ياخد أراضى مصر وناس مش لاقية تاكل، وناس تمد إيديها بـ10 آلاف فدان، و20 ألف فدان ياخدوهم ويقولوا دول بتوعي، والله العظيم ولا فدان واحد».
وقال الرئيس السيسي، فى كلمته خلال افتتاح عدد من المشروعات التنموية بمحافظة قنا، يوم الأحد الماضي: «من فضلكم، ده تكليف للجيش ووزارة الداخلية، اللى زارع أرضه يُقنن وضعه ويدفع دلوقتي، واللى مش زارع، الأرض ترجع فورا، وتنضم لشركة الريف المصرى لإعادة توزيعها على المواطنين».
أما فيما يخص قضية وضع اليد على أراضى الدولة، التى تُشكل صداعًا مزمنًا ومشكلة كبيرة، أبدى الرئيس عبدالفتاح السيسى غضبه من ظاهرة وضع اليد على الأراضى المستصلحة، قائلا: «إحنا مع الاستثمار وتسهيل العمل لكل من يرغب فى الاستثمار، وبنحاول ننظم العمل كدولة، وألا يكون الموضوع ماشى بشكل غير علمى وغير منظم، وبالتالى وضع اليد إللى موجود على الأراضى مش مقبول ولن نقبله».
وكلَّف الرئيس السيسي، القوات المسلحة والشرطة بإنهاء هذه الظاهرة بحلول نهاية مايو الجاري، متابعا: «مش هيبقى مقبول فى مصر تاني، ومحدش يمد إيده ويقول الأرض دى بتاعتى ودى بتاعة مصر، ومش من حقى أديها لك، والكلام ده غير مقبول فى أى حتة فى مصر، ومحدش ياخد حاجة مش بتاعته، وهى مش طابونة اللى عايز حاجة ياخدها».
وطالب الرئيس عبدالفتاح السيسي، القوات المسلحة والشرطة بإعطائه (تمامًا) بإنجاز المهمة بنهاية الشهر الجاري، واستعادة الأراضى المغتصبة بالكامل وحصرها، واستطرد غاضبا: «اللى يتكلم على المحكمة على طول، والكلام ده آخر الشهر، آخد تمام باستعادة الأراضى بالكامل، واللى يتكلم على المحكمة على طول».
الغريب أن بعض من كان يجلس أمام الرئيس عندما وجَّه تحذيراته لواضعى اليد هم من واضعو اليد ـ فلول الحزب الوطنى الذى كان يرأسه الرئيس المعزول مبارك.
ويبدو أن هذا الشهر والأيام المقبلة مليئة بالمفاجآت، سواء من واضعى اليد أو من الدولة نفسها، وهو ما يستلزم أن تكون الحكومة جاهزة ومتابعة لكل التطورات، أى أن تكون فى قلب الحدث لا على هامش الحدث، وأن تتخلص من الأيادى المرتعشة من بعض الوزراء الذين يخافون ويتجنبون اتخاذ القرارات الصادمة بحُجة المصلحة العامة.
وعلى الجميع أن يعرف أن هناك سيناريوهات يقوم بإعدادها وتنفيذها واضعو اليد لإحداث فراغ وتحريض البعض ضد الدولة أو اختراع أى إلهاءات تصرف الدولة عن استعادة هذه الأراضي.
فى ظل هذه المعطيات، لا يمكن السكوت على ما سيقوم به واضعو اليد وأتباعهم من قوى الظلام والتخلف والفساد، لأن سلاح المال أقوى فى شراء الذمم والضعفاء.
والمؤسف أن بعض الجهات الحكومية يمكن اختراقها من جانب واضعى اليد عن طرق الرشوة والفساد.. وهو ما يتطلب استمرار حملات الإزالات وحماية الملكية العامة والخاصة، حيث يُعد ذلك هو الخطوة الأولى للاستثمار والنمو الاقتصادى والأمان المجتمعي.
كما يجب التنسيق الكامل بين كل أجهزة الدولة وعلى رأسها القوات المسلحة والشرطة لضمان التنفيذ الأمثل لتوجيهات الرئيس بإنهاء ظاهرة وضع اليد، إما بالتقنين الذى بدأته اللجنة للجادين والذين استثمروا الأرض وزرعوها، أو سحب الأراضى ممن قاموا بتسقيعها أو المتاجرة بها دون الاستفادة منها فى موعد أقصاه نهاية الشهر الجارى.
نحلم بيوم لا نرى فيه كلمة: «يبقى الوضع كما هو عليه»، فيجب تقنين وضع اليد وصناعة تشريعات سريعة لينعم الجميع بالسلام والأمان. فعلى مدى سنوات طويلة وضع مصريون أيديهم على مساحات واسعة من أراضى الدولة واستخدموا جانبًا منها فى إقامة مشروعات مختلفة.
إن تكليف الرئيس السيسى للقوات المسلحة ووزارة الداخلية باسترداد الأراضى من واضعى اليد يُعد أفضل قرار تم اتخاذه في فترة حكم الرئيس السيسى، ويعتبره كثير من المراقبين وفئآت الشعب بمثابة عبور جديد لمرحلة وأد الفساد واستعادة هيبة الدولة وقوتها ويدها الطولى التى تتصدى لكل من يقترب من مال وأرض الشعب.. وهذا ما أثلج الصدور.
وإن التحدى الذى يواجهنا حاليا هو ضرورة إدارة الملفات التى تلقتها اللجنة لنسترد حق الدولة مما يتواكب مع توجيهات رئيس الجمهورية فى سحب الأراضى غير المستغلة.
إن العمل الحقيقى للحكومة هو تسهيل أمور الناس وتسييرها، وهذا التسهيل يتمثل فى حماية حقوقهم وعدم التفرقة بينهم، فلا بُد أن يتساوى الضعيف مع القوي، وصاحب المال مع الفقير فيما يخص الممتلكات العامة، وهى الأرض التى اقتصر الاستحواذ عليها من جانب أصحاب المال. أما الفقراء فلا يستطيعون الاقتراب منها.
ليس بالكلام وحده تستعيد الدولة هيبتها وحقوقها، فكثير من واضعى اليد أشاعوا الفوضى والإرهاب فى كثير من الأماكن ليحافظوا على هيبتهم على حساب هيبة الدولة. وباعوا كثيرًا من الأراضى بالملايين التى اشتروها بالملاليم مستغلين الانفلات الأمنى الذى جرى أثناء ثورة 25 يناير. معتمدين على عزوتهم ونفوذهم بسطوة المال.
فالمصريون خائفون ـ حقٍّا ـ على البلد، وآخر ما يطمئنهم هو كلام واضعى اليد، حيث التخويف فى ثياب التطمين.. هم خائفون مما رأوه من الاستيلاء على الأراضى وتحويل الأراضى الزراعية إلى مبانٍ ليقفز ثمنها إلى أرقام كبيرة ومخيفة.. هم خائفون مما رأوه من ضياع الهيبة فى الشارع والقوى يقهر الضعيف.. خائفون مما سمعوه ويسمعونه عبر الميكروفونات والشاشات، وما أخافهم أكثر هو الهمس والأحاديث الدائرة فى المجالس الخاصة، حتى جاءت تحذيرات الرئيس وغضبه، فكانت هذه التحذيرات بمثابة الطمأنينة التى أثلجت صدورهم.
كان الخوف هاجسًا يوميًّا يأكل مع الناس فى نفس الأطباق، شعب مُحب للحياة يُراد له أن يحترف ثقافة الخوف والفقر والموت.
ودائمًا وأبدًا هناك سؤال يدور بين الناس، هو: من يُطمئن المصريين ومن يُزيل مخاوفهم من واضعى اليد ولجنة استرداد الأراضى التى يرأسها المهندس إبراهيم محلب والمستولين على أراضى الدولة؟.
وجاء الجواب على لسان الرئيس السيسي، قائلا: «إن حد ياخد أراضى مصر وناس مش لاقية تاكل، وناس تمد إيديها بـ10 آلاف فدان، و20 ألف فدان ياخدوهم ويقولوا دول بتوعي!».
هكذا عبَر الرئيس السيسى الطريق بالمصريين وفتح باب الأمل للمستقبل، لا من أجل مجموعة أو فئة؛ بل من أجل مصر كلها..
من يريد الإصلاح فى مصر فإن الامتحان العملى هو محاربة أو مكافحة الفساد، والتمسك بالحقيقة والمسؤولية وعدم صم الآذان عن هواجس الأكثرية المصرية الصامتة وطموحاتها ورغبتها فى بناء دولة العدالة.
المصريون يستحقون حياة ودولة ذات هيبة شديدة وقوية، وأملا فى المستقبل بلا خوف ولا هواجس.
«ليس هناك أصم أكثر من الذى لا يريد أن يسمع»... كما يقول المثَل الشائع.







