الثلاثاء 17 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
جمهورية الفتاوى

جمهورية الفتاوى


فى كل يوم جديد فتاوى جديدة، كأن هذا البلد أصبح جمهورية الفتاوى، ولم يعد الناس قادرين على اللحاق بهذه الفتاوى التى أصبحت أغرب من الخيال.
وآخر ما يروونه ما قاله سالم عبدالجليل وكيل وزارة الأوقاف السابق ومستشار المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، مساء الثلاثاء 9 مايو فى حلقة برنامج على إحدى الفضائيات بصوت جهورى «انتبهوا يا مشايخ، اللهم إنى بلغت اللهم فاشهد، يا يهود ويا نصارى أنتم طيبين وبشر وهنعاملكم كويس، لكن الفكر اللى انتو عليه، والعقيدة اللى انتو عليها، عقيدة فاسدة، ارجعوا لربكم».

والمقصود بما قاله هو إحداث فتنة طائفية وهدم الفكر الدينى المعتدل وإحداث البلبلة وصرف الأنظار عن الإنجازات التى تتحقق بين الحين والآخر وتوجيه الناس إلى الخلافات والبلبلة وهز استقرار الدولة المصرية بكل الطرق على أمل أن تحقق لهم تداعيات تلك الجرائم ما يسعون إليه من تخريب اقتصادى للإضرار بالشعب المصري، لكن فشلهم المتكرر يؤكد أن إرادة الله كانت وراء ارتداد سهام الغدر إلى صدورهم متمثلة فى فشل المحاولات الإرهابية الخسيسة.
ويلاحظ أنه عند كل إنجاز تقوم به الدولة تعقبه عملية إرهاب سواء كانت فكرية فى شكل فتوى صادمة أو مادية فى شكل عملية إرهابية يروح ضحيتها العشرات من المدنيين والأبرياء.
ففى الأسبوع الماضى احتفل المصريون ببدء إنتاج أول حقل للغاز الطبيعى بمشروع حقول غرب الدلتا، وافتتحه الرئيس عبدالفتاح السيسى يوم الأربعاء الماضي.. والحقل يحمل العديد من مؤشرات بشائر الخير بأن الشهور المقبلة سيتحسن الاقتصاد المصرى، وتكون مصر على موعد مع الاكتفاء الذاتى من الغاز الطبيعي.
ولم تمر سوى ساعات قليلة حتى فاجأنا وكيل سابق لوزارة الأوقاف من خلال قناة فضائية يمتلكها رجل أعمال تفاخر فى العام الأسود الذى تولى فيه مرسى رئاسة مصر بأنه عضو فى الجماعة الإرهابية.
تهجم سالم عبدالجليل بأن المسيحيين عقيدتهم فاسدة، دون أن يمر هذا التهجم على إدارة القناة أو عقل هذا المتحدث أو يعرف حتى عواقبه، وكأنه يتحدى الجميع بإحداث فتنة طائفية أو إشغال وإلهاء الناس بمقولات عفى عليها الزمن، وفى نفس الوقت متحديا مواد الدستور التى أرست مبدأ المواطنة والمساواة بين أبناء الجماعة الوطنية.
ماذا يريد هذا الشيخ أكثر من إحداث الفتنة الطائفية؟
لقد طفح الكيل من أمثال هؤلاء الذين يطلقون الفتاوى والآراء على الملأ دون تفكير أو بالمخالفة للقانون والدستور.
فهو من ضمن مئات الذين ينتقلون من قناة فضائية إلى أخرى لإحداث الفتنة وإشغال الناس بالفتاوى التى ليس لها صلة بصحيح الدين.
هل هذا هو عمل أمثال هؤلاء؟.. وهل يتقاضون أموالا من أجل إحداث الفتنة أو إلهاء الناس فى أمور بعيدة كل البعد عن احترام الآخرين وحسن التعامل معهم؟
من دون عناء البحث ومن دون طول تفتيش، ليست هذه هى المرة الأولى التى يطلع علينا أمثال هذا الرجل لكى يحاولوا تفتيت الوحدة الوطنية أو إطلاق دخان فى الهواء بحجب الرؤية عن الإنجازات التى تتم.
وليس بعيدا عما نقول ما جرى عقب الزيارة التاريخية التى قام بها الرئيس عبدالفتاح السيسى لواشنطن ونتائجها الإيجابية، ولم تمر سوى أيام قليلة حتى تم تفجير الكنيستين فى كل من  الإسكندرية وطنطا.
كل ما هناك، أن هناك مجموعة ممن يطلقون على أنفسهم رجال دين وليس لهم صلة بالدين يبثون الفتاوى التى عفى عليها الزمن.
لا يعقل أن يكون هناك مثل هذه الفتاوى ولا يتحرك الأزهر حيال هذا الكلام الذى قاله سالم عبدالجليل، ولم يتم اتخاذ أى إجراءات قضائية ضد صاحب القناة من جانب الهيئة المنظمة للإعلام.
ألم ينتبه رجال الأزهر ووزارة الأوقاف والمجلس القومى للإعلام أن ملايين الناس سمعوا وشاهدوا هذا الهراء؟
كنا نتمنى أن تتم مواجهة هذا الكلام بالحقائق الدينية من جانب كبار العلماء ومشيخة الأزهر، لكن لم نسمع أن أحدا من قريب أو من بعيد رد على هذا الكلام سوى المواطنين العاديين الذين قاموا بحملة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعى مهاجمين هذا الكلام ومتهكمين عليه لإجبار هذا الرجل على الاعتذار والتراجع عن كلامه.
كفانا متاجرة بالدين والتحريض على شركاء الوطن.
على أى حال، فإن الحسنة الوحيدة من وراء كلام وكيل وزارة الأوقاف السابق هى الإثبات للجميع بوجود الوعى الكامل لدى الناس بالوحدة الوطنية.
وفى هذا السياق علينا جميعا أن نتذكر التضحيات الجسام التى يبذلها أبناؤنا من القوات المسلحة ورجال الأمن.. إنهم ملتزمون دوما بتنفيذ وعودهم وقَسَمهم بحماية الوطن وعمل كل ما يمكن لضمان أمنه واستقراره.
ما يقومون به من بطولات وإنجازات فى المعارك التى يخوضونها يؤكد إصرارهم وتصميمهم على تحقيق الانتصار الكامل فى مهمتهم على أرض سيناء التى حرروها بدمائهم.
لا تخيل علينا عمليات الخداع والتضليل والتدليس التى تمارسها جماعة الإرهاب الإخوانية للتغطية على تلك التنظيمات الإرهابية. إنها تعودت أن تلجأ إلى إطلاق ما يعن من أسماء سواء كانت «بيت المقدس» أو «حسم» التى أعلنت تبنيها لمحاولة الاغتيال.
الشيء المؤكد أنه ليس من توصيف لهذا الفكر الإجرامى سوى أنه يعكس الإحساس بالإفلاس والإحباط بعد أن أصبح أمره مكشوفا ومفضوحا أمام كل الشعب.
إن أكبر مفارقة هى أن بعض أصحاب القنوات الفضائية يعطون برامج تمتد للساعات لمن ينشرون التطرف والفكر الإرهابى ويزرعون الفتنة بدعوى الجماهيرية وارتفاع نسبة المشاهدة، وتكون هذه البرامج على حساب الأمن القومى المصرى لتنال من الوحدة الوطنية وتزرع العداء للآخر دون أى رقابة.
وبعض البرامج الأخرى تكون على الهواء مباشرة دون أى مراجعة، وكأن هذه البرامج سداح مداح دون أن يتم السؤال عن المتحدث وشهاداته وأبحاثه والدرجة العلمية التى نالها وعدم مراجعة المادة المذاعة وتحديد موضوعاتها باعتبار أن كل من هب ودب يتحدث فى الدين ويتهم من يشاء ويهاجم من يشاء دون رقيب أو حسيب.
وبعضهم يقول كلاما صادما خارج الدين ليلفت الأنظار إليه ويرتفع سعره فى تقديم البرامج، على اعتبار أن له نسبة مشاهدة عالية.
والبعض الآخر يفتعل مشكلة من قضية وهمية مثل تحريم جلوس النساء على الكرسى والكنبات لتعرضهن لنكاح الجن! فى الوقت الذى أفتى داعية مصري، محمد الزغبي، بأكل لحوم الجن، إن تمكن الناس من ذلك، مشيرا فى فتواه إلى أن الجن يظهرون فى صورة الإبل والماشية. كما طالب أحد الشيوخ النساء والفتيات بعدم الجلوس أمام جهاز كمبيوتر مزود بخدمة الإنترنت من دون محرم خشية أن تتم غوايتها فى الدردشة.
فيما القضايا التى تحض على الوحدة الوطنية وعلى العمل والتقدم كمكافحة الفساد والجدية فى العمل والتنظيم لا تحظى بأى اهتمام أو حديث من مدعى التدين.
بالمناسبة، أين فتاواهم من التكافل الاجتماعى ومساندة الفقراء، وتكفير الإرهابيين ومرتكبى حوادث الانفجار ومرتكبى حوادث التفجير.
ويبرز فى هذا السياق، ما تقوًّل به رئيس جامعة الازهر المقال، أكثر من مرة فى أحد البرامج أن إسلام بحيرى مرتد عن الدين لأنه يهاجم أئمة المذاهب، وعندما سأله مقدم البرنامج عن أن الأزهر يكفر إسلام بحيرى ولا يكفر داعش، رد بمنتهى الاستعلاء قائلا: إن داعش ترتكب عمليات فردية ولا يجوز لنا تكفيرها، أما إسلام بحيرى فإنه يفسد عقول الملايين. هكذا بكل بساطة تبرئة الإرهابيين القتلة من كل شيء ويتم تكفير المجتهدين وتعلق المشانق لهم بكل بساطة وسهولة.
آن للمشايخ وأصحاب الفتاوى عندنا أن يرحموا البلد ويكفى ما فيه من مشاكل وبدلا من أن ينحصر دورهم فى التوعية والعبادة والدعوة إلى محاسن الأخلاق والتعاطف مع الفقراء ومساعدة المحتاجين، بدلا من كل ذلك يقومون بتكفير المجتهدين وتبرئة المتطرفين والإرهابيين من أفعالهم الإجرامية.
لسان حال الناس يقول لهؤلاء:
زهقنا من كل فتاواكم التى هى بعيدة كل البعد عن الدين.
زهقنا من حكاويكم المستهلكة.
زهقنا من ترديد الأباطيل والخرافات التى تنسبونها للدين والدين بريء منها.
وكأن لسان حالكم يقول: لا يعلو صوت فوق صوت فتاواكم الباطلة، وأن الأمن صدفة والجريمة وجهة نظر.
إنها عصابة الفتاوى برا وبحرا وجوا. ولا يوجد من يواجه هذه العصابة، ومن يواجهها توجًّه له سهام التكفير.
وهكذا يحدثنا التاريخ عندما واجه طه حسين هذا الفكر الظلامي، فتم تكفيره، وكذلك الشيخ محمد عبده، وغيرهما كثير.