ابراهيم خليل
صمود الناس وترف الجدل والزوغان
التخاطب السياسى فى مصر يتطور، ولكن من الأسوأ إلى الأخطر، فلكل مرحلة خطابها، ولم يعد لكل مقام مقال.. الأسوأ كان فى المراحل السابقة حيث الإسفاف والتدنى والتهكم الشخصى، والأخطر اليوم هو ما جرى خلال الأسبوع الماضى فى مجلس النواب من تبادل الاتهامات والتهجم وعدم قدرة وزراء الحكومة على المواجهة، فقد هرب وزير القوى العاملة محمد سعفان من مواجهة النواب خلال مناقشة قانون العمل الجديد واكتفى بإرسال مستشاره إيهاب عبدالعاطى بعد اتهام النواب للوزير بأنه حوَّل الوزارة إلى جباية..
كما شهدت لجنة النقل والمواصلات انتقادات شديدة لقيادات الهيئة القومية للأنفاق بسبب عدم وجود تفاصيل للأرقام الواردة للجنة بشكل عام، واعتراض أحد النواب على هذه الأرقام التى عرضها مسئولو الهيئة بشأن القروض التى حصلت عليها، وقال النائب: «إن أى رقم هيتعرض علينا فى أى هيئة لا بد أن نعرف بتفاصيله.. إحنا مش بنبصم ده مال دولة»، وتساءل قائلا فى مواجهة مسئولى هيئة الأنفاق: «قولى المليارات دى صرفتها فى إيه؟!».
وفى لجنة الزراعة انتاب أعضاء اللجنة حالة من الغضب بسبب غياب وزير الزراعة لليوم الثالث على التوالى، ولن تتوقف المواجهة بين النواب والحكومة، لكن المواجهة نفسها انتقلت ما بين النواب وبعضهم، بعد أن كانت بينهم وبين وزراء الحكومة.. النائب فتحى قنديل وجَّه حديثه لوكيل لجنة الزراعة قائلا له: «أنت بالذات متتكلمش.. الأرض اللى عندك كتير.. أبوك كان إقطاعى والمفروض تسقط عضويتك.. وعبدالناصر خط أحمر ميتشتمش»، ورد عليه وكيل اللجنة قائلا: «تعرف إيه أنت عن عبدالناصر؟! أنا عشت زمنه»!
وفى وقت سابق من هذا التشابك وبالتحديد الأربعاء الماضى أثار مشروع قانون الاستثمار الجديد خلافات بين خمس وزارات لتضمنه إحدى المواد تقضى بضم جميع الأراضى الاستثمارية العمرانية والصناعية والزراعية والسياحية إلى وزارة الاستثمار وتم الاتفاق على هذه المادة مع اللجنة الاقتصادية فى مجلس النواب دون أن يعلم عنها شيئا وزراء الإسكان والصناعة والزراعة والسياحة والمالية. الغريب أن الوزراء الخمسة فوجئوا بقرارات وزيرة الاستثمار ومقدمة المشروع الدكتورة سحر نصر بصياغة هذه المادة إلى مجلس النواب دون العودة إليهم!
وترتب على هذا الأمر مشادات بلجنة الشئون الاقتصادية أثناء حسم المادة الخلافية بالقانون، وهو ما أدى إلى طلب النواب حضور الدكتور على عبدالعال رئيس المجلس لحسم هذه الخلافات.. وفى نفس السياق، وهو سياق الخلافات والمشادات، اعترض أعضاء اللجنة على رفض وزير المالية مطالبة رئيس اللجنة بضرورة الإسراع بحسم المواد المؤجلة من القانون، وهو ما برره الوزير فى أن الإسراع بإجراء التعديلات ليس منطقيا، فتدخل وكيل اللجنة أشرف العربى وقال للوزير: «إنت بتعلى صوتك علينا والا إيه.. مش أسلوب ده.. متعليش صوتك»!
الجميع يعلم سواء النواب أو الوزراء أو كل الناس أن فرض المواقف ليس له مستقبل قياسا على تجارب الماضى، والكل يعرف أن المصريين لا يمشون بالعصا وفرض المواقف. لا طرف يستطيع إجبار الآخرين على قبول الأمر الواقع ولا أحد يمكنه أخذ البلد بالانفراد، ليس هناك ديمقراطية توافقية، وهل الديمقراطية التوافقية هى الموافقة على ما يريده فريق واحد؟!
التشاور والإعداد المسبق لكل شيء هو الطريق للإقناع.. فما جرى الأسبوع الماضى من مشادات بين عدد من أعضاء الحكومة وأعضاء النواب لم يكن سببه أعضاء مجلس النواب، ولكن السبب المباشر هو عدم الإلمام الجيد للوزراء بما يقدمونه لمجلس النواب ولجانه، بخلاف أن الوزارة نفسها تفتقد التناغم والتنسيق بين الوزراء، وخير شاهد على عدم التنسيق هو قانون الاستثمار الذى تمت مناقشته داخل مجلس النواب، وفوجئ عدد من الوزراء المعنيين بإحدى مواد القانون بأنها من اختصاص وزاراتهم ولم تعرض عليهم.. هذه المادة الخاصة بالأراضى الصناعية والسياحية، ونحن نتساءل بدورنا: هل وراء تقديم القانون وزيرة واحدة أم أن وراءه مجلس الوزراء بكامله، وهل المسئولية تضامنية أم مسئولية شخصية؟
قانون الاستثمار الذى نوقش فى مجلس النواب كشف عن عدم وجود تنسيق داخل مجلس الوزراء نفسه وأن كل وزير له ملعبه الخاص دون أى تنسيق داخل مجلس الوزراء. والشارع يتساءل: أين رئيس الوزراء من كل الأمور التى جرت داخل المجلس المتعلقة بهروب وزير القوى العاملة من المواجهة أو عدم حضور وزير الزراعة رغم قيام مجلس النواب بطلب حضوره لثلاث مرات متوالية!
نقطة البداية هى احترام القانون وأعضاء مجلس النواب، فمجلس النواب بمثابة العربة أمام الحصان، فالتكامل بين مجلس الوزراء ومجلس النواب هو الطريق الأمثل لحل مشاكل الناس وتحقيق المصالح العليا للوطن، أما المواجهة والتعالى والاشتباك غير المبرر والصوت العالى فتؤثر على سمعة الطرفين، فضلا عن اهتزاز هيبة أعضاء مجلس الوزراء والنواب بخلاف انخفاض ثقة الناس بالهيئة التنفيذية والهيئة التشريعية.
وليعلم الجميع أن المصريين دفعوا أكبر الفواتير وعانوا ما لا يطاق وتحملوا ما لا يتحمله شعب ولهم الحق فى حل مشاكلهم سواء من جانب الجهة التنفيذية أو التشريعية لأن لهم الحق فى الحياة والهدوء والسعادة ويتمنون من السلطتين تغيير الأمر الواقع نحو الأفضل.
قليلا من الشعور تجاه الناس، قليلا من التعاطف مع أبناء شعب اقتربوا من أن يشعروا بصدق بأنهم يعيشون دون أن يشعر بهم سوى الرئيس السيسى. هل تدرك الحكومة ماذا يجرى فى الأسواق مع الناس؟ هل تعرف الحكومة أنه على مسافة بعض الكيلومترات من مجلس الوزراء ومجلس النواب لا تستطيع أسر أن تتناول كيلو من اللحم خلال الشهر وتستبدلها بشراء «بعض العظام» المتبقية من اللحوم عند الجزارين أو أرجل الدجاج من محلات بيع الدواجن! المثير والمهين أن هذه العظام والأرجل فى وقت سابق كان الجزارون وأصحاب محلات الدواجن يقومون بوضعها فى سلة المهملات فوجدوا أن بعض الناس يقومون بجمعها وهو ما أدى إلى أن «الجزارين والفرارجية» امتنعوا عن الاستغناء عنها ورميها وقاموا بعرضها للبيع بمبالغ زهيدة وبمرور الأيام أصبح لهذه العظام وأرجل الدواجن أسواق خاصة لبيعها.
لا يا حكومة.. ما هكذا تعد وتطرح القوانين وتناقش دون أى تنسيق بين الوزراء، بعض الناس تئن وتستطيع أن تصمد، لكن عندما تجد وتشاهد أن الحكومة تعمل على حل مشاكلها وتوفير الحد الأدنى للحياة، كيف تصمد أو كيف تسكت ربة منزل عندما يطلب منها طفلها كوبًا من اللبن ولا تجد مالا تشترى به. كيف يصمد أب عندما يطلب طفله مصاريف الدروس الخصوصية ولا يجد فى جيبه ما يلبى حاجة طفله؟!
الخلافات بين الوزراء لا تسدد قسطا لمدرسة أو توفر كوب لبن لطفل. العمل والإنتاج هما اللذان يوفران لقمة العيش.
لم يعد بالإمكان الاستمرار على هذا الحال على الإطلاق. إن رئيس الحكومة مطالب بتحقيق التناغم والتداخل بين الوزراء حتى تتحقق المصلحة العامة للناس ولا يظهر الوزراء بهذه الصورة التى ظهروا بها خلال مناقشة قانون الاستثمار وكأن كل وزير منعزل عن الوزير الآخر، فصمود الناس يعنى قدرتهم على تحمل صعوبات العيش رغم أن هذه الصعوبات تزداد يوما بعد يوم، وصمود الناس يعنى أن الحكومة تسأل عن مشاكلهم وتحلها ولا تتركهم يواجهون أقدارهم منفردين.
لا نريد أن نكون جمهورية الجدل ولا جمهورية الحكى المتواصل. إن على عاتق المسئولين والسياسيين والنواب مسئولية خلق ميثاق شرف يؤدى إلى وقف هذا الجدل والصوت العالى ليرتاح الناس، ولكن كيف بالإمكان التوصل إلى هذا الميثاق فى ظل ما شاهدناه الأسبوع الماضى لو أن هذه المشاكل أو الخلافات تبقى فى إطارها الطبيعى لكان الأمر عاديا، لكن أن تتحول إلى مادة لتبادل الاتهامات كما جرى باتهام أحد الأعضاء لعضو آخر بأن والده إقطاعى، وحين يكون وضع الوزراء يتراوح بين التغيب عن جلسات مجلس النواب أو تعلية الصوت، فإن وضع الحكومة لن يكون أكثر من حكومة تصريف أعمال، فهل هذه الحكومة التى يعول عليها الناس؟ والبلد لا يحتمل أى تعطيل . وعلى الجانب الآخر فإن «تزويغ النواب» أجّل التصويت على العلاوة الاجتماعية للمرة الرابعة التى ينتظرها الكثير من الأسر!
فقد أجّل الدكتور على عبدالعال رئيس مجلس النواب الموافقة النهائية على مشروع قانون العلاوة الخاصة بالعاملين بالدولة لجلسة مقبلة نتيجة عدم اكتمال نصاب الحضور للمرة الرابعة وتكرار ظاهرة تزويغ النواب وعدم توافر العدد الكافى للتصويت الذى يحدده الدستور بأغلبية ثلثيّ الأعضاء ويكون التصويت نداء بالاسم.
وبعد ما حدث فى مجلس النواب من تأجيل الموافقة على العلاوة التى ينتظرها الناس ونحن على أبواب رمضان نقول للناس اصمدوا ما أسهل التنظير والزوغان والجدل، لكن هذه الآفات لا تنفع مع البطون الجائعة ولا مع الجيوب الفارغة، فالزوغان والتنظير والجدل ترف، والترف لا يشعر به إلا الذين لا يشعرون بآلام المواطنين التى يتجاوب معها ويشعر بها رئيس الدولة الذى يشارك الناس فى حل مشاكلهم وتخفيف آلامهم، لذلك يصمد ويتجاوب الناس، فهل بالإمكان إعطاء جرعة أمل للناس بدلا من إعطائهم جرعة جدل وزوغان؟!







