ابراهيم خليل
مؤتمر الشباب تحصين للوطن من الإرهاب
مؤتمر الشباب الذى عُقد الأسبوع الماضى جاء فى موعده ليبدد الغيوم السياسية والاقتصادية والاجتماعية الداكنة التى تمركزت فوق الوطن وتوقع الكثيرون أن تنبئ هذه الغيوم بمرحلة قاسية وعصيبة على أساس الواقع الذى نعيشه من ارتفاع أسعار وانخفاض قيمة الجنيه وقلة الدخل، ولكن المناقشات والآراء والأسئلة التى طرحت من جانب الشباب على الرئيس والحكومة فى جلسات المؤتمر أزالت كثيرًا من المخاوف والغيوم التى أحاطت بالوطن خلال الفترة الماضية، وذلك من خلال إجابات الرئيس على جميع الأسئلة حتى ما يتعلق بانتخابات الرئاسة المقبلة.
كشف إجابات الرئيس السيسى أننا مقبلون على قطف ثمار الإصلاح الاقتصادى والمشروعات الكبرى التى تم إنجازها فى وقت قصير وإننا على أبواب الأمل، وما هى إلا شهور حتى تنعكس الإنجازات على الناس سواء فى حياتهم الاجتماعية أو الاقتصادية، فكثير من المشروعات لا يتم الإعلان عنها إلا بعد انتهائها لتوفر الكثير من العمالة وتقلل من نسبة البطالة بخلاف إنتاجها الذى سيحقق الوفرة التى بدورها تحدث توازنًا فى الأسعار، حيث سيكون العرض أكثر من الطلب فتنخفض الأسعار حسب قانون السوق.. وهو ما ألمح إليه الرئيس فى كلماته فى الرد على أسئلة الشباب عن ارتفاع الأسعار.
الصراحة والوضوح التى اتسمت بها إجابات الرئيس السيسى على أسئلة الشباب الواعد كانت الإنجاز الحقيقى لمؤتمر الشباب، حيث تاه معظم الناس فى كمية الأرقام التى طرحها المسئولون ورجال الاقتصاد بخلاف المصطلحات الاقتصادية التى لا يعرف مدلولها إلا المتخصصون، وهو ما دعا الرئيس إلى التدخل فى كثير من الأسئلة لكى يبسط من كلمات المسئولين ليتم فهمها.
الرئيس فى ردوده على أسئلة الشباب اتسم بالوضوح والصراحة، فهو يمتلك أدوات التواصل مع كل فئات الشعب، ولذلك فتح الطريق أمام نفق التفاؤل الذى أخرج كثيرًا من الناس من نفق الإحباط واليأس والتيئيس إلى الأمل والتفاؤل، وهو يعرف أن المسألة ليست نزهة وأن الألغام أكثر من أن تحصى، ومع ذلك تتم المشروعات تلو المشروعات بغرض أساسى هو الإنجاز فى خدمة المصلحة العامة.. فبجانب الإنجاز يقوم بتحصين الوطن فى مواجهة العواصف التى تمر بها المنطقة لا بل فى الزلازل والأعاصير التى نمر بها بعد أن وصلت المنطقة إلى حال من الخطورة لم يعد من السهل إعادتها منه أو إعادتها إلى الوراء - حرق ودبح - ولا تعرف المنطقة ماذا يخبئ الغد.. نقول هذا الكلام لأن الجماعة الإرهابية التى تقوم بعمليات الإرهاب علنا وتوثق أعمالها التخريبية بالصوت والصورة ولا تستحى مما تقوم به، تلك هى الصورة التى تحيط بالوطن.
مؤتمر الشباب هو تحصين للوطن من الإرهاب ووضع الشباب بات يأخذ معناه الحقيقى بعد التطورات التى تمر بها مصر والمنطقة وتؤثر علينا سواء شئنا أم أبينا، وعليه فإن الأولوية يجب أن تكون بتحصين الشباب الذين تبلغ نسبتهم السكانية 60%، وهذه ميزة كبيرة يجب أن نستغلها ونبنى خططنا المستقبلية عليها فبكل بساطة مجتمعنا يتميز بالحيوية والنشاط الذى يوفره عدد السكان وما يمثله نسبة الشباب فى التركيبة السكانية، فالشباب هم حيوية وتقدم الوطن لو أحسن استغلاله وتوظيفه فى مسارات التقدم والعمل وحماية الوطن.
تلك هى الصورة، فبماذا يتلهى المسئولون.. بات مملا القول إن الشباب كسول ولا يقبل على العمل، مشهد الشباب الذين تواجدوا فى المؤتمر والحالمين بالتغيير وبعضهم واجه المسئولين بكثير من الأسئلة التى على ألسنة معظم الناس بما طرقوه من مقترحات وحلول لكثير من المشاكل كشفت عن إلمامهم ووعيهم بكل قضايا الوطن وإحساسهم بما يعانيه الناس من مشكلات ينبئ بمستقبل واعد وأن هذا البلد مفرخة لكل ما هو يليق بهذا الوطن.
إن الشباب أمل الغد ومستقبل الوطن، وهذا ما أظهره مؤتمر الإسماعيلية، فمطالبهم هى نفس مطالب الناس وشعاراتهم نؤمن بها وندعمها حتى تتحقق.. فهم رافعون لشعار إنهاء البطالة، لذلك فهم يرفضون تعطل أى مصانع بأى دعاوى لأنهم واعون للمخاطر التى تحيط بالبطالة وما يفتعله الإرهاب من ممارسات واعتداءات واستفزازات بحق الوطن.. فهم الشباب الواعى، إنهم المستقبل، لكن المستقبل مسئولية وهم بما رأيناه وسمعناه منهم هم فى حجم المسئولية وقادرون على تحقيق التغيير ويملكون كل الإيمان على تحقيق التغيير بالعلم والإلمام والحلول النابعة من الواقع، وبهذا الإيمان ولو كان بمقدار حبة القمح يمكنهم أن يقولوا لهذا الجبل من الفساد انتقل فينتقل لأن إيمانهم وحب الوطن نظيف ساطع.
ما يلفت الانتباه هو ما أكد عليه معظم الشباب الذين طرحوا حلولاً للمشاكل الاقتصادية أن بداية الإصلاح أو محور الإصلاح هو المواطن المصرى.. والبداية لأى إصلاح تبدأ من عند الناس لتحقيق العدالة وتكون الأهداف موحدة.. وطالب الشباب بأن يكون برنامج الإصلاح يحتوى على المرونة الكافية للاستجابة لرد فعل الناس والاتصال الدائم ما بين الناس والدولة لمكافحة الفساد الذى يوفر بتقليصه أو القضاء عليه آلية قوية لتوزيع عادل لفرص العمل.
وأدرك الشباب أنه للحفاظ على المعيشة الجيدة أو الحياة الجيدة ضرورة التحكم فى تكلفة السلعة لتحسين المعيشة، لأنه بالتحكم فى تكلفة السلعة ستتناسب الحياة مع الدخل الذى يحصل عليه المواطنون، فالنمو يبدأ بالناس الذين يقودون عملية النمو والابتكار والتطوير وزيادة الإنتاج والتعليم السليم والاهتمام الكامل بالصحة، وعلى هذا الأساس يتحسن مستوى المعيشة.
هذا الطرح الجديد ينم عن معايشة الشباب للواقع المر، بل إنهم «مغروزين فيه ومتعايشين معه»، لذلك يجب أن ندرس حلولهم بعناية فائقة وبنظرة موضوعية لا أن نتعالى على آرائهم وحلولهم.. فمسئولية المسئولين هى تنفيذ توجهات وآراء الشباب مادامت تستند إلى الموضوعية والعلم وآلية التنفيذ.
ساد مؤتمر الشباب ثقافة العمل التى أدركها الجميع باعتبارها طوق النجاة للناس والوطن، والمطلوب الآن من الحكومة بعد كل ما قيل إنجازات تصب مباشرة فى اهتمامات الناس ومصالحهم وحاجاتهم، فبالنسبة إليهم تخفيض الأسعار أكثر إلحاحا من أى مؤتمرات، وبالنسبة إليهم يبدو توفير فرص عمل للخريجين أكثر إلحاحا من المشاركة فى أى اجتماعات، فالوطن لا يعيش بالكلمات، الوطن يعيش بالعمل والإنتاج. إن المسئوليات التى حملها مؤتمر الشباب للمسئولين ليست نزهة فى عطلة أسبوعية، بل إن هذه المسئوليات محفوفة بالعقبات وبالألغام السياسية، ويبرز فى هذا السياق المسئولية التى تقع على هذه الحكومة فى تنفيذ ما طرحه الشباب من حلول، فالمتابعون لكل المناقشات التى حدثت فى مؤتمر الشباب أحسوا أن هؤلاء هم لسان حالهم لأنهم عبروا عن كل المتاعب التى يعانيها الناس بدءًا من البطالة وانتهاء بتدنى المعاشات.
كلام اليوم يمحو كلام الأمس.. هل أحاديث مؤتمر الشباب يختلف عن أحاديث المقاهى والبيوت؟ ربما.. وإلا كيف تتغير مرادفات المسئولين وتتبدل أحاديث المناضلين على المقاهى، فالناس أصبحت تميز بين الغث والسمين.. فكلام بعض المسئولين أصبح ممجوجا، وهذه المرة لابد من الإشارة لرد فعل الناس على طرح الشباب وحلوله، فمعظم الناس تجاوبوا مع ما قاله الشباب وأحسوا بالأمل وأن هؤلاء الشباب هم أبناؤهم وشعروا بأن صمودهم أثمر مستقبلاً واعدًا لأبنائهم وأنهم مستمرون على تحمل صعوبات العيش مهما زادت هذه الصعوبات يوما بعد يوم لأنها فى النهاية سترسم مستقبلاً جديدًا لأبنائهم وأحفادهم، وعرف الناس من خلال مؤتمر الشباب أن صمودهم محل اهتمام حتى من أبنائهم وأن المسئولين لن يتركوهم يواجهون أقدارهم.
جاء مؤتمر الشباب هذه المرة فى شهر الأعياد ليس ككل المؤتمرات التى مرت: فقر، عوز، تقشف.. وفوق ذلك كله استجاب المواطنون للصمود.. عدد من الناس يرون أن ما جرى فى مؤتمر الشباب هو التنظير والجدل وأن هذه الآفة لا تنفع مع البطون الجائعة ولا الجيوب الفارغة ويرون أن التنظير ترف والترف لا يشعر به إلا المتيسرون ولابد أن نأخذ كل الآراء بعين الاعتبار ولا نتجاهلها، بل نرد عليها بالعمل والإنجاز وتنفيذ ما نادى به الشباب عن طريق برنامج له توقيتات محددة بميعاد الإنجاز وتنفيذ الوعود وأهمها خفض الأسعار ومكافحة الفساد ومشاركة الناس فى كل صغيرة وكبيرة تخص حياتهم الاجتماعية والاقتصادية.
هل تمر الغيوم الداكنة للإصلاح الاقتصادى بأقل الأضرار؟ الجواب ما طرحه الشباب من آراء وأسئلة يفترض أن تدرك الحكومة هذه الرسائل التى جاءت من خلال أسئلة الشباب وخصوصا ارتفاع الأسعار وكيفية مقاومتها ومحاربة الإرهاب والفساد.
الاقتصاد السليم هو الذى يجعل الحكومة والشعب فى وضع مريح، أما إذا تم اجتزاء هذه المعادلة، بمعنى أن تستريح الحكومة على حساب الناس أو يستريح الناس على حساب الحكومة فهذا يعنى أن شيئًا ما غير صحيح.
حان الوقت لأن تتوقف الحكومة عن استضعاف الناس، فأخطر ما نواجهه أن نصل إلى وضع يصير فيه هدف الحكومة تحميل كل الأعباء على الناس، عند ذلك لا تعود تنفع الضرائب ويدفع الجميع حياتهم واستقرارهم ويكون الثمن باهظا، وهذه هى الرسالة التى أرسلها مؤتمر الشباب للمسئولين، لابد من توزيع الأعباء على الجميع ولا يُستثنى أحد، وكل حسب وضعه الاقتصادى والاجتماعى.
أين نحن من ذلك فى مناخ الأزمة؟ لماذا تضيع الفرص ونخلق الأخطار بأنفسنا؟ وإلى أين فى حال ضاعت هذه الفرص المفتوحة أمامنا؟.







