ابراهيم خليل
التجمع العربى من عمَّان إلى واشنطن
ليس بالكلام وحده يُقضى على الإرهاب ولا بالخطب العصماء تنتهى المؤامرات ولا بالنفى وحده يختفى شبح الحرب الأهلية فى سوريا واليمن وليبيا، فالشعوب العربية خائفة عن حق بسبب ما يجرى أمامهم وخلفهم وفوقهم من عمليات الإرهاب ومحاولات التفكك والتشرذم، وآخر ما يطمئنهم هو كلام المخيفين، حيث أصبح التخويف فى ثياب التطمين، الشعب العربى خائف مما يشاهده فى شوارع ليبيا وسوريا واليمن، خائفون مما سمعوه ويسمعونه عبر الميكروفونات والشاشات وما يخيفهم أكثر هو الهمس وأحاديث السيناريوهات الخطيرة. الإرهاب هاجس يومى يأكل على مائدتهم وفى صحونهم. الشعب العربى محب للحياة يراد له أن يحترف ثقافة الموت.
معظم العرب خائفون وسط الحيرة من التحذير من الحروب الأهلية والإرهاب والتبشير بها. يعرفون أن مؤتمر القمة العربى الذى عقد فى الأردن فى دورته الـ28 هو قرار عربى خلاصته محاربة الإرهاب بعد أن أدرك الجميع أن الإرهاب هو الخطر الداهم على كل شعوب الأمة العربية، وإذا كان اليوم بعض الأنظمة تقوم بتمويله حماية لها من أن تطول يده هذه الدول، فإن غدا بعد أن يتم طرده من بعض الدول العربية ستمتد يده لمن كان يموله لأنه لن يجد ملجأ إلا أصحاب التمويل الذين يؤتمرون بأوامر خارجية أو يضعون أنفسهم تحت الابتزاز باعتبار أنهم يقومون بالتمويل ليحموا أنفسهم، ولكن الغد قريب وسيعرفون مدى ما ارتكبت أيديهم من جرائم فى حق شعوبهم والشعوب التى سفكوا دماءها وشردوا أطفالها وقتلوا نساءها وشبابها وحتى عجائزها لم يرحموها من القتل والتشريد، فأيديهم الملوثة بالدماء سواء بالتمويل أو بالمساندة أو بالإيواء سيتم بترها ومن الإرهاب نفسه الذى قاموا بتمويله وإيوائه ومساندته.
والسؤال هو: من يطمئن العرب وما الذى يثير مخاوفهم؟.. والجواب هو عودة مصر لدورها القومى وأن تكون لها الريادة فى قيادة العالم العربى مهما كانت المعاناة لأنه دائما وأبدًا الكبير هو الذى يعانى، وعلى مصر أن تطرح رؤيتها بتسوية أو مبادرة تخرجنا من الأزمة التى تعانى منها الأمة العربية وعلى الأمة العربية أو أثرياء الأمة العربية مبادرة أخرى تفتح باب الخروج من أى أزمة اقتصادية لأن عودة مصر لدورها القومى والريادى يعنى وضع الدول العربية على طريق إبادة الإرهاب ووقف المؤامرات ودخول الصغار لجحورهم.
وعندما غابت مصر عن دورها القومى فى الفترة الماضية سواء فى عهد المخلوع مبارك أو فيما بعد ثورة 25 يناير وانكمشت على نفسها انقض الصغار عليها بتمويل جماعة الإرهاب لتقسيمها وتقزيمها لصالح الفوضى الخلاقة التى اخترعتها الولايات المتحدة فى عهد أوباما حتى تكون واحة الأمان والاستقرار مأوى ووطنًا لكل أشكال الإرهاب، وهو ما لم يقبله الشعب المصرى بكل طوائفه الذين خرجوا يرفضون هذا المخطط مصرين على ترشيح وانتخاب عبدالفتاح السيسى الرئيس المنتخب الذى قاد السفينة رغم الأمواج العاتية والمؤامرات من كل اتجاه ليصل إلى بر الأمان والاستقرار بمصر، ولم يركع أو يستجب لأية ضغوط لإبعاده عن المصلحة العامة والقومية لمصر.
وهو ما أكده فى القمة العربية التى انعقدت الأسبوع الماضى على شواطئ البحر الميت بالأردن حينما قال: لنضع النقاط فوق الحروف ونجيب عن تساؤلات كانت قد رددتها أصوات عديدة مؤخرا حول الموقف المصرى من القضية الفلسطينية. وأكد الرئيس - بما لا يدع مجالا للشك - أن القضية الفلسطينية هى الأولى والمركزية فى قلب وعقل كل عربى، فلا مجال للتشكيك فى أهمية تلك القضية بالنسبة للعرب جميعا. صحيح أن هذه القضية لا يمكن فصلها عن كل القضايا الإقليمية والصراعات والأزمات التى تزداد اشتعالا يومًا بعد يوم إلا أنه مع ذلك تحتل الأولوية عن غيرها وإحدى هذه الركائز المهمة الهدف من أى تسوية مستقبلية هو إقامة دولة فلسطينية على حدود 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية وأى كلام آخر أو شائعات من هذا الطرف أو ذاك لا صحة لها، وسوف تظل القاهرة تبذل كل الجهد لإقامة الدولة الفلسطينية سعيًا لحل مشكلة الشعب الفلسطينى وإعادة حقوقه المشروعة.
بعد هذا الإعلان المباشر من جانب الرئيس السيسى بموقف مصر من القضية الفلسطينية التى هى فى نفس الوقت قضية مصرية فلا مجال للتشكيك وبث الشائعات من جانب المغرضين الذين يدعون الثورية والنضال فى الصباح ويجلسون مع الأعداء فى المساء وأثناء النهار نراهم على شاشات القنوات الفضائية يبثون الشائعات ويشككون فى المواقف الوطنية لمصر الكبيرة ودائما الكبير يعانى من الصغار وهذه هى المسئولية التى تتحملها مصر على مر عصورها.
إن من يخاف من عودة مصر لدورها القومى يخاف على التمويل والمصالح الضيقة وفضح مواقفه وبيعه للقضية الفلسطينية مقابل الحماية.
لماذا الهرب من الحقيقة والمسئولية؟ لقد عادت مصر إلى دورها القومى والعربى، وخير شاهد على ذلك هو ما جرى فى مؤتمر القمة الأخير الذى انعقد فى الأردن، ومن خلاله عادت العلاقات «المصرية - السعودية» إلى وضعها الحقيقى بعد اللقاءات التى جرت فى القاهرة للتجهيز لمؤتمر القمة وعقد المصالحات سواء من جانب رئيس وزراء لبنان سعد الحريرى أو أمير البحرين أو قادة الإمارات العربية، وهذه اللقاءات تم قطف ثمارها فى مؤتمر القمة العربية، وهذا المؤتمر إن لم يحقق أى نتيجة إلا المصالحات وتنقية الأجواء بين الدول العربية واتفاقهم على هدف واحد وهو محاربة الإرهاب باعتباره الخطر الداهم لكل العرب الذى نفذ إلى أماكن كثيرة فى الوطن العربى بسبب الخلافات والتشرذم الذى عانت منه الأمة العربية خلال الفترة الماضية.
آن الأوان أن تتوحد المواقف العربية كما جاء فى كلمات الزعماء والرؤساء والملوك العرب بإيجاد تسوية سياسية تنقذ الأطفال والنساء والشيوخ فى سوريا الشقيقة من أهوال الإرهاب والحرب الأهلية وتعود سوريا إلى سابق عهدها دولة الاستقرار وواحة الأمان تحت قيادة الجيش السورى. ونفس الأمر فى اليمن وفى ليبيا وفى العراق، وهذا ما يطرح سؤالا: أين وصلنا كعرب وأين وصل العالم وإلى أين نتجه وإلى أين يتجه العالم؟ لا أحد يملك الجواب.
ولكن عندما يكون الإجماع على شيء واحد بأنه سبب كل ما نعانى منه وهو الإرهاب يكون هناك الجواب بأن يكون العرب يدًا واحدة فى محاربته ومكافحته، وهذه اليد الواحدة تتضمن وقف عمليات التمويل وعمليات التجنيد وتبادل المعلومات وتجريم التنظيمات التى تتستر باسم الدين للقيام بعمليات الإرهاب، وفى هذه الحالة تتغير نظرة وتقييم العالم كله لنا ولديننا، وكل ذلك يستند إلى إرادة الدول العربية ومسئوليات حكامها تجاه هذا الخطر الداهم الذى يلبس تارة ملابس الدين، وتارة أخرى ملابس النضال، وتارة ثالثة المنظمات الحقوقية.
ومن حسن الطالع أن يأتى الاجتماع العربى ضد الإرهاب قبل لقاء الرئيس السيسى بالرئيس الأمريكى دونالد ترامب، وهو اللقاء الذى يترقبه كثير من المراقبين لما سيسفر عنه من نتائج خاصة بالقضية الفلسطينية والعلاقات المصرية - الأمريكية وأيضا مواجهة الإرهاب والقضاء عليه، خصوصًا أن موضوع الإرهاب يهم كل الكرة الأرضية بمقدار ما يهم مصر والولايات المتحدة الأمريكية ومصر بالنسبة لأمريكا لها الأهمية الاستراتيجية الكبرى فى مواجهة الإرهاب وقيادة الأمة العربية.
من أجل ذلك فإن الجهود يجب أن تتضاعف، ويخطئ من يعتقد أن التقدم الذى جرى فى مؤتمر القمة العربية بالأردن يمكن أن يقف عند الحد الذى وصل إليه، فالمطلوب هو المتابعة وإن كانت الأثمان السياسية مرتفعة، وفى هذا الإطار المواطن العربى أغلى الأثمان، وعلى القادة والرؤساء والملوك العرب جميعا أن يخففوا الأعباء ويرفعوا عن كاهل المواطنين العرب كل الهموم والأعباء التى أثقلت كاهلهم، ووفق كل ما تقدم فإن بالإمكان القول إن إشارة الالتفاف العربى وراء محاربة الإرهاب والدولة الفلسطينية الموحدة قد انطلقت، وما على كل المخلصين سوى المشاركة فى هذا التجمع، وليس العمل على عرقلته.







