الثلاثاء 17 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
الأمـل فى حـريـة الصحـافـة والإحباط فى تصريحات المسئولين

الأمـل فى حـريـة الصحـافـة والإحباط فى تصريحات المسئولين


إنها أمور تدعو إلى النفور والإحباط، ما نقرأه من تصريحات وما نراه من تصرفات لبعض المسئولين؛ فى مجلس النواب. هذه التصريحات والتصرفات ليست من السياسة بشيء. وأقل ما توصف به أنها أشبه بالمعايرة، وإذا كان مطلقوها يعتقدون أن شعبيتهم السياسية تقوم على هذا الصنف من الكلام فهم مخطئون. لقد مَلَّ الناس سماع هذا النوع من التصريحات والمواقف.
كانت السياسة فيما مضى أرقى أنواع الفنون، وهبطت فى هذه الأيام إلى الصفر لتصبح صفة ملازمة لعدم الإلمام بالمعلومات الكافية والعصبية وعدم سعة الصدر.. من قال إن الناس يريدون هذا النوع من التصريحات الضبابية.. من قال إنهم يستسيغون هذا النوع من الكلام؟! الناس فى مكان آخر من أصحاب هذه التصريحات. إنهم لا يريدون سيطرة هذا النوع من الكلام على السياسة، وإذا أراد السياسيون الاستمرار فى ترديد هذه اللغة فعليهم عدم الادعاء بتمثيل الشعب. الناس فى مكان آخر، إنهم حيث المشاكل والمعاناة والهموم.. فمنذ متى التهجم على الصحافة تطعم خبزا وتوفر كوبا من اللبن؟! ومنذ متى توجيه الاتهامات يوفر قسط مدرسة أو يعالج مريضا؟! إن إطلاق الكلام الجارح ليس له إلا تفسير واحد هو ضيق الأفق.. فحين لا يعود فى مقدور السياسيين أن يواجهوا الحُجة بالحُجة والمنطق بالمنطق والانتقاد بالرد يلجأون إلى الكلمة النافرة كتعبير عن نقص فى تقديم ما يقنع الناس أو أن وراءهم أشخاصًا يصورون لهم الأشياء على خلاف الواقع.
ولكن ما سر هذا الهجوم المتواصل على الصحافة، وما هى خلفياته؟ هل هى مطامع شخصية وحروب بالوساطة، أو تخليص حسابات من الآخرين؟ ما إفادة الناس من الهجوم على الصحافة بهذا الكلام الذى تم تداوله ونشره خلال الأسبوع الماضى، وأى جدوى منه؟ ولو طرح السياسيون فى مجلس النواب هذا النوع من الأسئلة على أنفسهم قبل هجومهم هل كانوا يستمرون فى هذا الهجوم؟ بعد الذى سمعناه بتنا نعتقد أن بعض المسئولين أصبحوا يحتاجون لإعادة تأهيل سياسى وإلمام تام بالمعلومات الخاصة بالموضوعات التى يتكلمون فيها.
وهذه الأمور لا تتعلق بالسياسيين فقط، ولكنها تتعلق بسوء الإدارة فى عدد من المحافظات، وكأنهم يعتبرون أن ما يجرى أمامهم غيمة ربيع وتمضى.. لقد تغيرت مصر وصار الرأى العام قوة وصارت انطباعاته وتوجهه أمرا لا بد أن تلتزم به كل السلطات لبدء التقدم والقفزة الكبيرة.. ولنا فيما تقوم به قوات الجيش والشرطة فى العريش قدوة، لأنهما يعملان فى صمت ويدافعان عن أبناء الوطن لتوفير الأمن والاستقرار بدون أصوات عالية أو ضيق من أى انتقادات.
مازال بعض السياسيين والمسئولين يتصرفون وكأن ما جرى من قوة وأهمية الصحافة وما قامت به من دور فى ثورة 30 يونيو هو مجرد سحابة صيف ومضت، لكن الوقائع والمعطيات تشير إلى أن قوة الصحافة وأهميتها هى المعبر الأساسى للرأى العام، وحرية الصحافة مصونة من قبل الدستور ومحمية لأنها تكشف المستور وتضع يدها على مواطن الضعف والخلل وتبرز كلاً من الجوانب الإيجابية والسلبية، وفى المجمل العام هى مرآة للمجتمع.
والصحافة هى أهم المظاهر الأساسية للممارسة الديمقراطية، ووجودها يمثل ركنا من أركان الحياة الديمقراطية، وعلى خلفية هذه الثوابت لم يعد بالإمكان التصرف وكأن شيئا لم يكن.. فالصحافة فى المجمل العام ليست منتجًا كباقى المنتجات يتم تسويقه لتحقيق ربحية أو لجنى أرباح مادية، ولكنها أدوات تنويرية، بخلاف أنها تحارب المفاهيم والمغالطات الإرهابية وكشف الفساد وتوجيه الرأى العام بما يخدم مصالح الدولة، وكانت سببا كبيرا فى جلوس كثير من المسئولين على مقاعدهم الآن لما قامت به من دور كبير فى قيام ثورتيّ 25 يناير و30 يونيو، بل ضحى الكثير من أصحاب الأقلام بأرواحهم فى كثير من المواقف، وكذلك اعتقل الكثير منهم لمطالبهم الخاصة بالمصالح العامة للناس ولم يطلبوا شيئا أو يجلسوا على مقاعد وثيرة.
لقد دخل بعض المسئولين فى عكس الطريق استجابة لبعض المغرضين.. فإلى متى المراهنة على الظروف وتبدل المعطيات؟ لقد تابعنا الهجمات الشرسة على الصحافة وكأننا نرجع إلى ما قبل ثورتيّ 25 يناير و30 يونيو، وبعض المسئولين يتصرفون على هذا الأساس مع أن الدنيا انقلبت وما كان يصلح لتلك المرحلة لم يعد يصلح اليوم، فعلى سبيل المثال هل يجوز التعامل مع الصحافة على طريقة ما قبل 25 يناير و30 يونيو؟ هل انتهت كل المشاكل حتى نهاجم الصحافة وكأنها هى سبب كل المشاكل التى نعيشها؟!
إن البعض من السياسيين والمسئولين يتهيأ لهم أنهم باقون إلى ما شاء الله ويتصرفون على هذا الأساس، وهذه التركيبة ضائعة لأنها لا تريد تصديق الوقائع، وتقول الوقائع إن حرية الصحافة هى الأبقى والأهم بحصانة كل من الدستور والرأى العام لتحصين المجتمع ممن ينالون منها ويهاجمونها.
المصريون البسطاء، وهم الأكثرية والأغلبية، يتمسكون بحرية الصحافة، لأن مصر هى الاعتدال الذى وقف صفا واحدا وراء الرئيس السيسى لحرية الصحافة.. مصر الاعتدال هى أول ما تمثل فى تصريحات وخطابات الرئيس السيسى الذى يشعر كل مصرى أنه يتكلم باسمه ويرد على الحُجة بالحُجة، وهو يؤمن بأن الاعتدال ليس ضعفا، صحيح أنه اختيار صعب وسط صيحات التعصب ونزعات التطرف، لكنه قوى.. وقوى جدا بموازين حرية الصحافة والحياة الكريمة وصلابة الحق وقيم الخير والعدل وإنسانية الإنسان.. والمصريون أقوياء بالإرادة والعزيمة التى لا تلين من أجل الإصلاح والنهوض ببلدهم.
كيف نكون بشرا ثم نسمح، بل يشارك بعضنا فى هدم الكثير من مكتسباتنا ومنها حرية الصحافة التى تحافظ على قيم الحق والمكاشفة ومحاربة التطرف؟ هل يعنى التهجم على الصحافة هى محاولة لاستدراج الرأى العام إلى تكرار ما يطرحه المسئولون من آراء وتصريحات، ما يجب أن يكون أن يطرح المسئولون قضاياهم ومشاكلهم ليلحق بهم الناس.
بعض المسئولين والسياسيين يتقلبون فى كل يوم ويطرحون قضية أو ملفا لمجرد التصويت الإعلامى والسياسى وليس لمعالجة القضية فى حد ذاتها، فبعضهم كان فى لجنة الخمسين عند مناقشة حرية الصحافة وطرحوا آراء تعضد هذه الحرية وأصروا على بعض المواد التى تحصن هذه الحرية، ولكنهم انقلبوا على كل هذه الآراء فى الأيام الماضية، أما حين يطرح الناس قضاياهم وملفاتهم فليس من أجل التصويت، بل بسبب معاناتهم، ويأتى الحديث عن همومهم بمثابة الصرخة ورفع الصوت سعيا لتحقيق المطالب.
إن الخطوة العملية الأولى هى تعضيد وتحصين حرية الرأى بالقانون وبالممارسة السياسية وأن الناس هى التى تطرح مطالبها وأولوياتها على السياسيين والمسئولين، وهذه الأولويات لا يجهلها أحد، لكن كثيرين يحاولون تجاهلها، إذن وبعدما أصبحت الأمور جدية ولم يعد هناك من مجال للمواربة ولا للتلون فليفصح الذين يهاجمون الصحافة عن أهدافهم ونحن فى مرحلة الشك والريبة حول حرية الصحافة.
العملية بدأت بمهاجمة الصحافة وبعض الصحفيين ونحن فى أجواء انتخابات نقابة الصحفيين، بمعنى آخر لقد ولَّى زمن التضييق على الصحفيين أو انتهاك حرية الصحافة، إذ إننا دخلنا فى صلب اللعبة الديمقراطية التى ترتكز على حرية الصحافة التى تحافظ على القيم الديمقراطية والتوازن فى المجتمع، والصحافة دائما وأبدا تخيف ويرتعد منها الذى يريد أن يخفى أشياء عن الرأى العام.
ولنا فى ذلك قدوة حسنة وهى أن الرئيس لا يعرقل قانونا ولا يقفز فوق بنود الدستور.. ويفى بوعوده، وهى ليست وعودا فى الهواء، وأى مشكلة تواجهه يتعامل معها بجرأة وشفافية غير عابئ إلا بما يقوله الناس الذين هم شغله الشاغل.
لذلك لا بد أن تكون هناك وقفة مجتمعية تسترجع ما فات وتناقش ما هو قادم.. فما جرى خلال الأيام العشرة الماضية من تصريحات ضد حرية الصحافة تمثل نقطة تأمل وتفكير بأن هناك أشياء غائبة عن بعض السياسيين، ويجب علينا أن نقف جميعا خلف من ينيرون لنا الطريق ومن يوفرون لنا الأمن والاستقرار والأمان ومن يهيئون لنا أجواء الحياة بكل متطلباتها وهم يضحون بأرواحهم  وآخرون بأجزاء من أجسادهم، وعندما قمنا بزيارة هؤلاء الأبطال كان همهم الأول والأخير هو الرجوع لمحاربة الإرهاب وتطهير أرض الوطن منه لفتح طريق المستقبل بعد التضحيات الباهظة الثمن، وأن نقف جميعا خلف هؤلاء الذين يعملون ليل نهار لتوفير الحياة الآمنة.. هل هذا كثير عليكم؟ ربما! لكنه قليل بالنسبة إلى هذا البلد الأمين.