ابراهيم خليل
بترت ساقى عشان أمى تعرف تنام
رُغم كل الآلام والجراح والإصابات يستقبل من أصيبوا فى شمال سيناء بمستشفى المعادى العسكرى زوارهم بالبشاشة والابتسامة والثقة بالنفس غير آسفين على ما أصابهم من الإرهاب الأسود رغم ما أصابهم من إصابات وصلت إلى بتر أذرع ولم تتمكن الإصابات وما سببته من أزمات لم تتمكن كلها من مس ثقتهم بأنفسهم أو من خفض معنوياتهم أو حتى إصابتها ولو برذاذ من الخوف.
رُغم كل ما حدث لهم أثبتوا برجولتهم ووطنيتهم أنهم أبناء مصر وأن الرجولة والوطنية لم تغب لحظة عن أذهانهم أو مشاعرهم أن الفداء طقس من طقوسهم التى لا تغيب وأن الفرح والابتسامة لونهم الموحد مهما شعروا من ألم أو حتى تمت عمليات بتر لهم من جراء الإرهاب الأسود.
ولم ينجح الإرهاب فى اغتيال البسمة والفرح وحب الحياة عند الأبطال الذين فدوا الوطن بكل شيء حتى ينعم الناس بالأمن والأمان، مؤكدين لكل زوارهم أن الفرح سيظل لونا ملازما لهم مهما عانوا من ألم ومهما بلغت أوجاعهم، لأن بالثقة بالنفس ينتصرون على الألم، وبالأمل وحده ينتصرون على اليأس..
إن ما حققه هؤلاء الأبطال من بطولات يسجلها التاريخ لهم بحروف من نور.. وكما قال أحد الأبطال بأنه «بترت ساقه من أجل أن تنام أمه فى أمان ولا تشعر بالقلق والتوتر على أولادها وبناتها وأطفالها عند مرحهم أمام منازلهم»، ومعروف أن الإنسان لا ينام إلا عندما يشعر بالأمان، والأم هى رمز الأرض والعرض والاحتواء.. هى مصر.
أيام بيضاء صنعها هؤلاء الأبطال لكل المصريين بالأمن والأمان يخرجون فى أى وقت من أوقات النهار أو الليل آمنين على أطفالهم وأخواتهم وأمهاتهم بعد أن قلصوا الإرهاب وقطعوا أذرعه التى كانت قد امتدت لتعبث بكل شيء فى حياتنا.
الزائرون لهؤلاء الأبطال وهم نائمون على الأًسرة تحت العلاج فوجئوا بالسعادة والقناعة والبساطة التى تعلو وجوههم وهم- كما كان فى مخيلتهم- جاءوا لرفع معنوياتهم والتخفيف عن آلامهم وزرع الأمل فى قلوبهم.. والمثير أن الأبطال الذين يعانون من الألم هم الذين زرعوا الأمل ورفعوا المعنويات للزائرين على العكس تماما مما كان يعتقد الزوار.
إن الهالة الملائكية التى ترتسم على وجوه الأبطال تؤكد لكل من يقوم بزيارتهم بأن مصر لن تركع أبدا سواء من الإرهاب أو التآمر أو من أية ضغوط خارجية.. ولولا بطولاتهم لكان الإرهاب يعربد ويتحكم فى حياتنا.. وبعيدا عن أى شيء كان المطلب الوحيد الذى يصر عليه جميع الأبطال من الجنود والضباط هو العودة إلى مواقعهم لوأد الإرهاب والخلاص منه حتى إن أحد الجنود الذى لا يتجاوز عمره 20 عاما وبترت إحدى ذراعيه وإحدى قدميه وهو يعلم جيدا بهذه الإصابات طلب بأن يعود إلى موقعه ويقوم حتى بمسح أحذية الجنود لعدم مقدرته لحمل السلاح.. هذا الإصرار يتملك كل الجنود المصابين لم يطلب أحد أى شيء إلا هذا المطلب الوحيد «العودة لوأد ومحاربة الإرهاب دفاعا عن كل مقدرات الوطن».
الشعور الدائم والمتجدد لكل زائر لهؤلاء الأبطال بعد انتهاء الزيارة بأنه شخص آخر عما كان قبل الزيارة، قبل الزيارة.. كان يحمل على أكتافه هموم الدنيا ومشاكل الحياة بكل سيئاتها، وبعد الزيارة أصبح شخصاً طاهراً نقياً نفض عن كاهله كل السيئات لأنه أحس وعرف قيمة البطولة والتضحية من أجل الوطن وفدائه لكى يعيش مطمئنا آمنا هو وأسرته.. وهذا الشعور يتسرب له تلقائيا وبدون أى مؤثرات سواء فى المشاعر أو فى التفكير، وهو ما يعرف بالتطهير.. النفس طاهرة مطمئنة نظيفة والعقل مقدر ومثمن للبطولة والتضحية.
مصر الحقيقية بكل مقوماتها وقيمها وميراثها الحضارى متحقق تماما كما تقول الكتب فى وجوه هؤلاء الأبطال من الشرقية وكفر الشيخ وبنى سويف وقنا وسوهاج وغيرها هم أولاد المصريين وأولاد الفقراء الذين يعرفون دائما قيمة هذا الوطن وأرض مصر أرض الطهارة وأرض الأنبياء.
يستمر الأبطال المصريون فى إدهاش العالم بتميزهم وتفوقهم فى المكافحة والقضاء على الإرهاب، وها هم الأبطال رغم ما يعانون من إصابات فإن الرضا والقناعة تعلو وجوههم.. وكما قالت الكتب وأجمع الخبراء والمفكرون بأن هؤلاء الأبطال هم الثروة الحقيقية لمصر من خلال بطولاتهم وتضحياتهم وإنجازاتهم فى دحر وتقليص الإرهاب، لو تترك مصر هؤلاء الأبطال ليحتلوا الصفوف الأمامية فى كل الميادين لكانت مصر بألف خير وعادت إلى دورها كأم الحضارات ومنبع الخير ومبعث النور والإيمان.
هؤلاء الأبطال زاهدون فى كل شيء متمسكون بالأمل وتطهير أرض الوطن من الإرهاب، شباب فى عمر الزهور لم ينكسروا من أى إصابة أو إعاقة قابلين كل شيء راضين به.. ونكرر لا يطلبون شيئا إلا العودة لمحاربة والقضاء على الإرهاب، تنطق نبرات أصواتهم بالقناعة والقبول بما قسمه الله لهم مؤمنين تماما بدورهم وبطولاتهم للدفاع عن العرض وحب الوطن لأنه حب أصيل لمصر يسكن بداخلهم، مخلوق فى قلوبهم، المقارنة بينهم وبين الشباب الذين فى مثل أعمارهم تجعلهم يصلون إلى عنان السماء بما حققوه من بطولات مضحين بكل غالٍ وثمين أجزاء من أجسادهم بترت والرضا والقناعة والتسليم بمشيئة الله والحمد والشكر على ما جرى لهم حتى نعيش ونلهو ونلعب ونسهر ونختلف ونتشابك ونفعل كل شيء سواء كان سلبياً أو إيجابياً وكل هذا يتم فى أمن وأمان بفضل تضحيات هؤلاء الأبطال.
المصريون العاديون المواطنون الشرفاء الصامدون فى أرضهم وفى هويتهم هؤلاء الأبطال هم أبناؤهم.. مصر والمصريون لم ولن يستسلموا للإرهاب ولكنهم فى بعض الأوقات سلموا أنفسهم لمن يقولون أنهم نشطاء سياسيون فماذا فعلوا بهم وبالوطن.. ومن هنا نطرح السؤال: لماذا لا يقوم هؤلاء الناشطون بزيارة هؤلاء الأبطال لكى يعرفوا مدى التضحيات التى قدموها للوطن والناس؟ إننا نريد من الذين كانوا يهتفون «يسقط يسقط حكم العسكر» بأن يزوروا هؤلاء الأبطال لكى يتأكدوا بأنفسهم وبأعينهم وبعقولهم وبمشاعرهم مدى التضحية التى قدمها هؤلاء الجنود أو العسكر كما كانوا يهتفون.. إن قيمة الوطن الحقيقية هى التضحية وليست القيمة هى المطالبات غير المشروعة.. لماذا لا تنظم وزارة التربية والتعليم زيارات لطلبة المدارس الثانوية لهؤلاء الأبطال لكى يكونوا قدوة لهم ويعرفوا مدى تضحياتهم من أجل أن يعيشوا ويحلموا ويأمنوا ويتمتعوا بكل أصناف الحياة، نفس الأمر ينطبق على الجامعات وعلى رؤسائها وعمداء الكليات.
إن هؤلاء الأبطال لا يطلبون شيئا إلا أن يعرف إخوانهم ومن فى سنهم عما قدموه للوطن من تضحيات.. أنهم قدوة لابد أن يحتذى بها سواء الشباب فى الجامعات أو فى المصنع أو فى القهوة أو فى الكافيه، وهذه القدوة تتمثل فى أن يعملوا ويكدوا فى مجالاتهم ودراساتهم مؤمنين بأن هذا الوطن يحتاج كل الجهود والتضحيات كل فى مجال عمله ودراسته سواء فى المصنع أو الورشة أو المدرسة أو الجامعة، عدد ليس بالقليل من الشباب فى مثل أعمار هؤلاء الأبطال لا تفارقهم السجائر المحشوة بالمخدرات يضيعون صحتهم وأموال أسرهم فى تدخين الحشيش ولكننا على ثقة تامة أنهم عندما يزورون هؤلاء الأبطال ويعرفون ما ضحى به شباب فى نفس أعمارهم، سيمتنعون تماما عن ما ارتكبوه فى حق أسرهم وصحتهم ويندمون على أيام تدخين الحشيش ويكون هؤلاء الأبطال مثلا حيا يحتذى به فى مجال دراسة أو عمل هؤلاء الشباب.
إن النور والأمل والرقى والتضحية والقدوة متمثلة فى هؤلاء الأبطال وهم أمام أعيننا لكننا نقصر فى حق الوطن وحق أبنائنا عندما لا نصطحبهم لزيارة هؤلاء ليروا بأعينهم التضحية بكل أشكالها.. هذه هى مصر الحقيقية وإننا على ثقة بأن الشباب المصرى وهم الأغلبية الكبيرة من عدد السكان.. وهذه ميزة حبانا الله بها ولا نستغل طاقتها أو تفعيلها فى بناء المشروعات الكبرى أو فى توظيف واستثمار الشباب فيما يحقق للوطن التقدم والتطور والرقي.
إن طاقة شباب مصر غير محدودة ولكننا لا نعرف حتى الآن أن نوظفها فيما ينفع الوطن والشباب.. العيب ليس فى الشباب ولكن العيب فى عدم وجود برنامج طموح وكبير يوظف من خلاله كل طاقات الشباب ويحقق آمالهم وطموحاتهم ومن ثم يقفز بالمجتمع قفزات كبيرة فى جميع المجالات.. ولنا فى الأبطال والجنود المصريين الذين ضحوا تضحيات فوق الوصف والخيال وهم راضون قدوة حسنة وعندما وجدوا مجال التضحية ضحوا لأنهم دخلوا مدرسة الجيش والوطنية والتضحية والتى تعلموا من خلالها قيمة هذا الوطن والتضحية من أجله وهى مدرسة الجيش المصرى الأصيل والعتيد التى يتخرج فيها دائما الأبطال، وهذا المنهج والبرنامج لابد أن يطبق فى العديد من المجالات ولكن كل فى مجاله.
وما يحتاج إليه الشباب ليس من يعرف الجدل والكلام ولكن من يقدم القدوة وأن يضعهم على الطريق الصحيح لخدمة الوطن.. المطلوب التحرك لاصطفاف الشباب ووضعهم على طريق البناء والمشروعات القومية الكبرى قبل فوات الأوان وما لم يحدث هذا التحرك فإن الشباب سيبقى عرضة للمخدرات والإرهاب الأسود.
أين نحن من هؤلاء الأبطال؟ لماذا نضيع فرص القدوة ونخلق الأخطار بأنفسنا؟ وإلى أين نذهب فى حال ضاعت هذه الفرص الكبيرة أمامنا؟ ارحموا البلد والناس واجعلوا هؤلاء الأبطال قدوة لنا ولكم لخدمة مصر.







