ابراهيم خليل
حكومة التصريحات والوجاهـة
حين تُلى مرسوم التعديل الوزارى الجديد من على منصة مجلس النواب وشمل تعديل تسع وزارات كان رد الفعل المباشر: ولماذا كل هذا الانتظار؟ وأيضا لماذا الدوران حول عملية اختيار هؤلاء الوزراء التسعة واستغراق كل هذا الوقت حتى هذه النهاية التى لم يقبلها الكثير من نواب الشعب وأيضا الرأى العام؟!
وترتب على الوقت الكبير الذى استغرقه التغيير تأخير مصالح الناس، فتسعون مليون مصرى أهم من تغيير تسعة وزراء، ومصالح المصريين يجب أن تتقدم على أى تشكيلات وزارية، ليس هناك من حجج وألغاز ومفاجآت فى عملية التغيير الوزارى فلماذا التأخير إذن؟
الأسماء التى تم اختيارها للوزارة معروفة من حيث كفاءتها وتاريخها الوظيفى ولم يكن من بينها أسماء معروفة للناس إلا وزيرا واحدا هو المستشار عمر مروان الذى تم اختياره وزيرا لشئون مجلس النواب باعتباره قامة قانونية كبيرة تدرًّج فيها من خلال وجوده فى النيابة وتصديه فى قضية عبدالوهاب الحباك كممثل للنيابة، بالإضافة إلى الدور الكبير الذى قام به من خلال هذه القضية وكشف كل ملابساتها أمام المحكمة والتى انتهت بالإدانة لرئيس الشركة القابضة للصناعات الهندسية، وأيضا حاز المستشار عمر مروان على أكبر الأوسمة أثناء عمله فى دولة الكويت لتميزه فى إعداد الملف القانونى لاحتلال صدام حسين لدولة الكويت، وهو ما يعتبر أحسن الاختيارات لهذه الحقيبة التى تتطلب الإلمام الكامل بالقوانين والخبرة الكبيرة فى التعامل القانونى والدستورى سواء فى صياغة القوانين أو الردود القانونية على كل ما يتم طرحه من جانب مجلس النواب أو الحكومة.
وفى نفس السياق، فإن أى عملية حسابية بسيطة بإمكانها كشف كثير من الألغاز التى تضمنها التعديل الوزاري، منها ضم وزارة الاستثمار إلى وزارة التعاون الدولى التى تحمل حقيبتها الدكتورة سحر نصر، فالأخيرة كانت هى التى تقوم بإنهاء مشاكل الاستثمار فى وزارة المهندس شريف إسماعيل، وأيضا الوزيرة السابقة داليا خورشيد لجأت فى كل صغيرة وكبيرة لوزارة الاستثمار إلى الوزيرة سحر نصر حتى اختلفت الوزيرتان واشتعلت بينهما الكثير من المشاكل فى الأمور المشتركة بين وزارتيّ التعاون الدولى والاستثمار خصوصا خلال الشهرين الماضيين، ومن هنا تم الإطاحة بوزيرة الاستثمار وضم الوزارة إلى وزارة التعاون الدولي.
لكن الأمر الخطير هو اختيار وزير الزراعة الدكتور عبدالمنعم البنا بسبب ما أثير حوله من اتهامات مستندة إلى الكثير من البلاغات المقدمة ضده وما يقال إنها كيدية وتم حفظها، وهو غير مقبول عند الرأى العام، لأنه لا يوجد دخان بدون نار بعد ظهور مستندات تكشف عن رصده مبلغ 2 مليون جنيه لقيادات المعمل المركزى للأغذية والأعلاف التابع لمركز البحوث الزراعية الذى يرأسه ومن خلال هذا المبلغ خصص لنفسه 100 ألف جنيه، وعندما لاحظت جهة رقابية أن هذا المبلغ حصل عليه بدون وجه حق قام برد المبلغ.
إضافة إلى ذلك عدم رده ورد الحكومة على اتهامات عضو مجلس النواب مجدى ملك بأنه مقدم ضده 18 قضية فساد، فلماذا يصر المعنيون بالأمر فى اختيار هذه الشخصية فقط؟ ولم يعلن رئيس الحكومة لماذا تم اختيار الدكتور البنا وزيرا للزراعة حتى إن كانت تقارير الأجهزة الرقابية تبرئه من أى شبهات؟.. فالرأى العام لا يقبل مثل هذه الأمور التى تؤدى فى النهاية إلى انتشار الشائعات والاتهامات الكاذبة على أكبر وزارة خدمية فى مصر تتعامل مع أكثر من 10 ملايين مواطن، وهل الحكومة ينقصها تحمل أعباء جديدة حتى تتحمل هذا الاختيار وما يدور حوله من شبهات كاذبة أو صادقة؟ وأيضا لماذا لم يدافع رئيس الحكومة عن هذا الاختيار، وما الذى يملكه وزير الزراعة الجديد من حلول وكفاءة تؤدى فى النهاية لتحمل الحكومة مشكلة الدفاع عنه أو انتشار الشائعات والاتهامات؟ خصوصا أن تاريخه الوظيفى فى مركز البحوث لا يوجد به أى إنجازات كبيرة.
كل ما فى الأمر أن الرأى العام يريد أن يختار رئيس الوزراء أفضل الكفاءات ليكونوا وزراء فى الحكومة، على سبيل المثال حقيبة وزارة البيئة، فيجب على الحكومة أن توزر أفضل ما يمكن أن يكون وزيرا للبيئة من يكون عالما بملفاتها خبيرا فى ملف النفايات مطلعا على دهاليز ما جرى فى موضوع حرق القش.. من المستحيل القبول بأن يسمى وزيرا فى إحدى الوزارات وألا يكون ملمًّا بكل شيء عنها وأيضا أن يحمل حلولا لكل مشاكلها.. والحق يقال توافرت هذه الأمور فى وزير التربية والتعليم والتعليم الفنى الدكتور طارق شوقي.
ما صدم الناس هو استمرار وزير الصحة.. وأيضا لا يهم الناس من هو وزير النقل المهم أن يتجول فى محطات القطارات ويتابع الخدمة التى تقدم فى القطارات ومترو الأنفاق ويعرف كيف يعالج مشاكلها.
صدمة التغيير هى خروج وزير التخطيط أشرف العربى باعتباره وزيرا سياسيا يتجاوب ويتفاعل مع كل قضايا الوطن بخلاف كفاءته المهنية والعلمية وصراحته الواضحة فى كل ما يطرح من قضايا، لكن الذى لا يعرفه الناس أن الدكتور العربى مرشح لمنصب دولى كبير لذلك خرج من الوزارة.
الغريب أن الرأى العام فى ذروة كأس الأمم الأفريقية لم يكن متابعا أو حتى مهتما بعملية التغيير الوزاري، لكن فجأة اهتم بخروج وزراء وتعيين وزراء جدد بعد عملية التغيير وانتشار الشائعات والادعاءات، وعلى سبيل المثال استمرار وزير الطيران لعلاقة الصداقة بينه وبين رئيس الوزراء وأنهما يتمتعان بعضوية أحد النوادى الراقية وتجمعهما جلسات النادي.. هذا مثل مما يردده قطاع كبير من الناس.. ودائما وأبدا يهتم ويتداول الناس كل ما يشاع ويتردد حول الوزراء، ومن هنا دائما نطالب وننادى بتوضيح كامل الصورة للرأى العام للقضاء على الشائعات والادعاءات بإعلان المعلومات الصحيحة والرد أولاً بأول على كل ما يثار ويتردد، وهذا ما يجعل الحكومة قوية ومعضدة ومحصنة من جانب الرأى العام مادامت تتجاوب معه وترد على تساؤلاته وهو ما يضفى عليها المصداقية والشفافية.
لاحظ الرأى العام ملاحظات كثيرة على التعديل الوزارى الجديد، منها أن الذى يستدعى التهنئة والابتهاج ليس كرسى الوزارة، ولكن الابتهاج والفرحة هو أن يعرف الوزير ملفات وزارته ومشاكلها وحلولها حتى يقوم بالتصريحات من خلال الجرائد أو البرامج التليفزيونية والفضائية، هذه الملاحظة جاءت نتيجة التصريحات والحوارات الصحفية التى ملأت الكثير من الجرائد على لسان الوزراء الجدد وكأن مهام هؤلاء الوزراء هى التصريحات ونشر الصور فى وسائل الإعلام.
يا حضرات الوزراء.. قليلا من احترام الذات والرأى العام.. لماذا تسيرون عكس السير؟ إن منطق الأمور يقول بأن تبقوا صامتين إلى حين دخولكم الوزارات المعينين بها ثم اطلاعكم على ملفاتها حتى تكونوا ملمين بكل تفاصيلها وتجتمعوا مع الموظفين المسئولين عن هذه الملفات والاستماع لهم والتشاور لإيجاد حلول لمشاكل الناس المتعلقة بهذه الوزارات، وتأتى بعد ذلك مسألة التصريحات والحوارات حتى تكون الأمور واضحة ويطمئن الرأى العام إلى جديتكم وحسن اختياركم.
إذا كانت هذه البداية فإنها للأسف الشديد لا تشجع على الإطلاق.. على السادة الوزراء ولاسيما الجدد منهم أن يدركوا أن الرأى العام له فى ذمتهم 15 يوما كما قال الرئيس السيسى لأحد الوزراء الجدد: أمامك 15 يوما لتقديم تصور كامل لتنفيذ برنامجك.
وبدلا من أن يدلوا بالتصريحات وينشروا المواعظ لماذا لا يتوجهون إلى العمل مباشرة.. العمل الصامت ويجعلون الناس يتحسسون أن هناك فعلا حكوميا جادا. إن الناس تعبت تعبا شديدا من المماحكات والتصريحات التى لا تحمل أى مضمون والناس بحاجة إلى إنجازات وليس إلى مطولات إعلامية.. وبهذا النمط تستقيم الأمور وبغير ذلك سنبقى فى حكومة الثرثرة والكلام الذى لا طائل منه.
ونعيد ونكرر.. المسألة ليست مسألة أشخاص، بل توجهات وخطط وبرامج، ومادامت تقوم الحكومة بتقديم الشخص على البرنامج سنقع فى مطبات الفشل، ولابد أن يكون الكلام والمناقشات حول البرامج لا حول الأشخاص. إن أعظم شخص لا يستطيع أن يفعل شيئا من دون أن يكون مسلحا ببرنامج، كما أن أى شخص عادى يستطيع أن يقوم بأعظم الإنجازات إذا ما تزامن دخوله إلى الحكومة مع برنامج واضح ومتكامل.
الثقة التى منحها مجلس النواب للحكومة ليست ثقة ممتدة الأجل، ولكنها ثقة مؤقتة ومرتبطة بأداء وعمل وإنجاز الحكومة، ولم يغب عن الرأى العام أن مجلس النواب الذى يضم فى عضويته عددا ليس بقليل من أصحاب الكفاءات والخبرات الذين سيتابعون أداء الحكومة أولا بأول، ويبرز فى هذا الإطار استدعاء وزير الزراعة الجديد للبرلمان هذا الأسبوع لمواجهته بالاتهامات الموجهة ضده والرد عليها لتوضيح الصورة أمام الرأى العام.
نرجو أن تكون هذه الحكومة حكومة الإنتاج وليست حكومة التوزيع. إنها حكومة موضوعة تحت منظار الرأى العام الذى اكتوى من أداء بعض الوزراء من الحكومة السابقة ويريد أن يراهن على وزراء الحكومة الجديدة، وهذا الرأى العام مُصِرّ على أن يربح رهانه وأن يكون الوزراء للعمل لا للوجاهة، فالناس آملون أن تبصر النور حكومة خدماتها وهمًّها الناس فقط والمصالح العامة وليست للمصالح الخاصة.







