الثلاثاء 17 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
الأمان المفقود فى الكافيهات والمقاهى

الأمان المفقود فى الكافيهات والمقاهى


 لم يعد الكلام المنمق يجدى، ولم يعد بيع الكلام يفيد لشراء الأمان فى المقاهى والكافيهات، والإهمال وصل بنا إلى الحضيض، فمن يدعى العكس ليثبت ذلك خصوصا بعد ما جرى فى مقهى «كيف» بحى النزهة بمصر الجديدة وأيضا ما جرى فى وقت سابق من انقلاب أوتوبيس صيدلة إسكندرية نتيجة عدم وجود فرامل فى الأوتوبيس وراح ضحيته عدد من الشباب والشابات دون أى ذنب.

 وبكل بجاحة قالوا بعد وقوع الحادث إن فرملة الأوتوبيس قد انتهت صلاحيتها ولذلك قُتل أكثر من 12 شاباً وشابة، وبكل «جليطة وقلة ذوق» برر صاحب الشركة المؤجر منها الأوتوبيس الحادث بأنه قضاء وقدر.. ماذا تريدون بعد أيها السادة، شاب فى عمر الزهور وحيد لأسرته ذهب مع خطيبته الأحد الماضى ليشاهدا مباراة نهائى كأس الأمم الإفريقية فى مقهى شهير (كيف) حتى يعيشا لحظات الفرحة والحزن مع أصدقائهما فى جو من الصداقة والمعايشة والتشجيع لأحداث المباراة وعند مغادرتهما المقهى بعد انتهاء المباراة وعدم حصول الفريق القومى على كأس الأمم الإفريقية شعرا بحالة حزن كباقى المصريين بعد هزيمة المنتخب القومى فى المباراة وفوجئا كغيرهما من رواد المقهى بأن مدير المقهى قد رفع الأسعار على خلفية مشاهدة المباراة فما كان من الشاب محمود بيومى إلا أن قال لمدير المقهى إن ما تفعله برفع الأسعار هو بلطجة فرد عليه «أنا هوريك البلطجة على أصولها».
 وتوالت الأحداث عندما خرج الشاب الوديع وفوجئ هو وأصدقاؤه بأن أحد عمال المقهى يقوم باعتراض طريق الشاب هو وخطيبته وعندما واجهه فوجئ بأنه يضربه بكرسى من الحديد وحين استطاع الوقوف ليواجه ضرب عامل المقهى طعنه الأخير بمطواة أو بسكين، الأمر الذى أدى إلى أنه سقط والدماء تنزف منه أمام خطيبته وملأ المكان الصراخ والبكاء وكل شخص كان يقف فى المكان كان يصرخ والبعض الآخر طلب الإسعاف إلا أنها حضرت بعد مرور ساعتين كعادتها وتم حمل الشاب الوديع إلى أحد مستشفيات مصر الجديدة وهناك لفظ أنفاسه الأخيرة ليلف الحزن والبكاء المكان ومنزل الشاب الوديع المقبل على الزواج بعد يومين من وقوع الحادث الأليم الذى لم تتحمله أسرته أو أى أسرة يجرى لها ما جرى لهذا الشاب الوديع ضحية البلطجة والإهمال  وأصحاب المقاهى الذين يتسترون على عمالهم سواء فى أقسام البوليس أو فى ضرب رواد المقاهى.
 كل ما جرى سواء فى حادث أوتوبيس صيدلة إسكندرية بسبب عدم صلاحية الفرامل أو ما جرى للشاب الوديع بسبب البلطجة والخروج على القانون، كل ذلك يحدث فى غياب الأمن وتفشى اللا مبالاة.
 وقع حادث  أوتوبيس كلية الصيدلة فى الوقت الذى كان فيه جميع المعنيين سواء فى الكلية أو فى المستشفيات فى غياب تام عن متابعة رحلة كلية الصيدلة، أما حادث مقتل الشاب الوديع فى النزهة بمصر الجديدة فوقع والجميع فى غيبة لانشغالهم بمباراة نهائى كأس إفريقيا.
 والسؤال الذى يطرح نفسه هنا: متى يتحرك المسئولون سواء فى الأحياء أو المحافظات أو فى كلية الصيدلة بالإسكندرية لتفادى هذا الواقع الذى يبدو أنه لم يعد لا مفر منه، هل عند وقوع الكارثة، وفى هذا الحال ماذا لو وضعت شروط محددة لمنح تراخيص المقاهى ولا يتم فتحها إلا بعد تطبيق كل شروط السلامة العامة ؟ وهل تعى إدارة كلية الصيدلة بجامعة إسكندرية مسئوليتهم؟.. والواقع المر الذى نقترب منه بأسرع مما يتصور البعض أن ما حدث سواء فى انقلاب أوتوبيس كلية الصيدلة أو فى  مقتل الشاب الوديع بمقهى «كيف» هو بمثابة جرس إنذار.. فهل يستمع المسئولون والمعنيون إليه أم أن آذانهم صمت؟ وأن صراخ وبكاء خطيبة وأقارب وأسرة فتى مصر الجديدة سيتم نسيانها حتى تقع كارثة جديدة.
 لم نكن يوما نتوقع - نحن الناس العاديين - أن نبلغ هذا الانفلات الأخلاقى والاجتماعى  والإهمال الجسيم وأن يأكلنا الجشع والطمع إلى هذا الحد.. يا أصحاب الكافيهات الممسكين بأعناق الناس وبأرزاقهم ماذا تفعلون بنا وماذا تفعلون بأبناء الوطن، وماذا فعل عامل مقهى «كيف» بالشاب الوديع وحيد والديه ولم يشفع له وجود خطيبته معه؟
 الأمور اختلفت وقت أن كانت المقاهى تحكمها الأخلاق واحترام الصغير للكبير.. لقد جعلتم الكافيهات مرتعا للفساد وتدخين المخدرات.. والمقاهى طالما كانت للقاء الأصدقاء والتسلية الحميدة وأصبح كل همكم الحصول على الأموال بأى شكل وبأى طريقة لذلك انتشرت المقاهى.. فالمقهى بجانب المقهى والكافيه بجانب الكافيه نظرا للمكسب  الكبير وأيضا لانتشار البطالة فلا يجد الشباب وبعض الشابات لقضاء الوقت ومقابلة الأصدقاء إلا  المقاهى، ولكن هناك بعض المقاهى التى توارثها أولاد البلد عن آبائهم لذلك يسودها الأخلاق وحسن التعامل، وبمجرد تردد الزبائن عليها تكون هناك معرفة ما بين صاحب المقهى وعماله والمترددين على هذه المقاهى وتصبح هناك صداقة بين الطرفين.
 نأمل فى بقعة ضوء تفتح يوما فى ملف الكافيهات والمقاهى المخالفة التى تحتل الأرصفة وجزءاً من الطريق العام بعد أن استشرى فسادها وتعطيلها حركة المرور فى بعض الأحيان.. وعدد كبير من السكان قدموا الكثير من الشكاوى ضد هذه الكافيهات لما تحدثه من ضوضاء وألفاظ خادشة للحياء، ولكن لا مبالى حتى وقعت الجريمة المفزعة بمقتل الشاب الوديع «محمود بيومي»، وعلى أثر هذه الجريمة انتشرت حملات أمنية كبيرة وأغلقت كثير من المقاهى التى تعمل بدون ترخيص، وهذا الأمر نشيد به لكننا نتوقف لنسأل: هل لابد أن تقع جريمة كما جرى حتى تنزل الحملات وتغلق المقاهى والكافيهات؟ ولماذا لم تنزل من قبل طالما أنهم يعلمون أن هذه الكافيهات غير مرخصة أو أن هذا الحادث المروع قد جرى لشاب معروف ومن أسرة كبيرة هو وخطيبته وهل لو وقع هذا الحادث لشاب بسيط كنتم ستقومون بهذه الحملات؟ وهل ستستمر هذه الحملات وهناك الكثير من الكافيهات التى يملكها أصحاب النفوذ ولم تقتربوا  منها وهى تقع فى الأحياء المختلفة من المهندسين والدقى ومصر الجديدة وغيرها من الأحياء الشعبية وأغلبها بدون ترخيص ومازالت تحتل الأرصفة وأيضا الطرق العمومية، بل إن بعض تلك الكافيهات والمقاهى تقع على بعد 500 متر من بعض أقسام الشرطة.
 الحكومة ومصداقيتها أهميتها ترجع إلى وضع نظام للشارع المصرى يبدأ من الرقابة على الأسعار وينتهى بوضع أسس وشروط للكافيهات والمقاهى مرورا بمنع البلطجة والتعدى على الضعفاء.. من هنا يشعر الناس أن هناك حكومة يدها تمتد لكل شيء تحمى الضعيف ضد القوى وتحمى الضعفاء ضد البلطجة والخروج على القانون.
 إن تطبيق القانون هو من المهام الأساسية لقيام الدولة المدنية، وفى غيبة القانون يباح كل شىء وتكون الغلبة للبلطجة والتطرف.
 وفى وقت سابق، أى منذ سنوات، أى عندما بدأ التطرف الإرهابى كانت بدايته البلطجة..  وعلى سبيل المثال ما حدث فى إمبابة من تزعم أحد البلطجية لما يسمى بالجماعة الإسلامية «الإرهابية» وانتقلت الفكرة إلى عدد كبير من الأحياء الشعبية ليرتدى البلطجية رداء الدين ليكون غطاء لأفعالهم القذرة وتبريرها لفرض الإتاوات  وممارسة العدوان وابتزاز الناس البسطاء باسم الدين.. والبلطجى عندما تغلق أمامه الأبواب وينفر منه الناس يقوم بإطلاق لحيته  حتى يقال عنه أنه تاب ومن ثم يتعامل معه الناس وبعد فترة ينقلب عليهم باسم الدين ويعيد ممارسة بلطجته فى الابتزاز والسرقة ولكن بوجه آخر  وهو وجه الملتحى.. وهناك نماذج كثيرة فى هذا الإطار.
ما جرى سواء فى انقلاب أوتوبيس كلية صيدلة الإسكندرية أو مقتل الشاب الوديع بمقهى «كيف» بمصر الجديدة وصرخات خطيبته وأصدقائه مازال يدوى فى كل بيت وعند كل أسرة علمت أو قرأت بهذين الحادثين الأليمين ولا نريد أن يكون ردود أفعال مسئولى الأحياء والمحافظين على طريقة المزيد من الشىء نفسه.. وهؤلاء المسئولون يسألون بدل أن يجيبوا والناس تفتش عن الفعل أو مردود أو حل عند هؤلاء المسئولين فلا يوجد إلا الفراغ.. ليس من المعقول أن يستمر هذا الوضع المزرى  لمشاكل  وبلطجة الكافيهات ولا من المعقول أن تكون هذه الأزمة بلا حلول.
 المسئولية تقتضى القضاء على العشوائية المنتشرة فى الشارع المصرى  والبلطجة التى يمارسها أصحاب المقاهى وعمالها وكشف الغطاء الذى يحمى هؤلاء ويقويهم  ويعضدهم على ممارسة البلطجة.. المصريون يستحقون حياة آمنة وأملا فى ممارسة حياتهم الطبيعية بلا خوف ولا هواجس من أصحاب الكافيهات  وعمالها ليسارع المعنيون قبل فوات الأوان لتفعيل القانون على الكافيهات فقد يضيق الوقت وتفلت الأمور عن ضوابطها ووعيها وتكون الكافيهات مرتعا للبلطجة والانفلات الأخلاقى بمفرداته سواء الدعارة وتجارة العملة والرشاوى.