الثلاثاء 17 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
«مرسيدس» رئيس البرلمان

«مرسيدس» رئيس البرلمان


التخاطب السياسى  فى مصر  يتطور من الأسوأ إلى الأخطر، يبدو أن لكل مرحلة خطابها، ولم يعد هناك مجال للحكمة الشعبية «لكل مقام مقال»،  الأسوأ كان فى مرحلة الإسفاف والتدنى والتهكم الشخصى، والأخطر هو مرحلة تبادل الاتهامات وفرض المواقف، لا شىء يوحى أن فرض المواقف له مستقبل قياسا على تجارب الماضي، والكل يعرف أن الناس فى مصر لا تمشى بالعصا ولا طرف يستطيع إجبار الآخرين على قبول الأمر الواقع،  ولا أحد يمكنه أخذ البلد بالذراع والصوت العالى وهو ما يطرح سؤالا مهما: هل الديمقراطية هى الموافقة بالقوة على ما يريده فريق واحد؟.

مناسبة هذا الكلام هى المعركة الدائرة الآن بين رئيس مجلس الشعب الدكتور على عبدالعال والنائب محمد أنور السادات، بعد اتهام الأخير البرلمان بشراء 3 سيارات جديدة بقيمة 18 مليون جنيه ودفع مقدمات لـ17 سيارة فارهة أخرى، إضافة إلى ذلك أن هذه السيارات لم تكن مدرجة فى الأصل فى مشروع موازنة المجلس قبل انعقاده وتحميل موازنة المجلس هذا العبء الإضافي.. فى المقابل ردت الأمانة العامة بأنه لا توجد شبهة لإهدار المال العام فيما حدث، وأكد بعض النواب أن هناك ضرورة لشراء هذه السيارات لتأمين تحركات رئيس مجلس النواب والوكيلين، سواء عن طريق شراء سيارات مصفحة أو غيرها بشرط عدم تعارض ذلك مع سياسة الحكومة المعلنة بضرورة ترشيد الإنفاق العام.
المحصلة النهائية لكل هذا الجدل السياسى وتبادل الاتهامات أن رئيس البرلمان يركب سيارة بـ «6 ملايين» جنيه فى نفس الوقت الذى يعانى فيه كثير من الناس من قسوة ارتفاع الأسعار ودعوة الحكومة للتقشف وترشيد الإنفاق.. وهذا التصرف من جانب البرلمان له تفسير واحد من اثنين، إما أن المسئولين لا يشعرون بما يعانى منه الناس من فقر وقلة الموارد وجنون الأسعار، وهذه مصيبة، وإما أنهم يشعرون بها لكن ما باليد حيلة،وهذه مصيبة أكبر.. حقيقة الأمر أن الأوضاع داخل مجلس النواب ليست على ما يرام، فليس قليلا أن يهدد نائب فى مجلس النواب بهذه الفضيحة فى مواجهة ما يتردد عن إحالته للجنة القيم بتهمة الإساءة للبرلمان، وكأن هناك مشاحنات ومعارك شخصية داخل البرلمان بين رئيس المجلس ومعه بعض رؤساء  اللجان ضد عدد من النواب، وهذه المشاحنات أشبه بلعبة الريست حتى يكون هناك منتصر ومهزوم.
فى وقت سابق، قام النائب أنور السادات بتسريب مشروع قانون الجمعيات الأهلية لعدد من الجمعيات والسفارات الأجنبية بالقاهرة، وعلى أثر ذلك تم توجيه العديد من الاتهامات له، منها تهمة تسريب القوانين والوثائق البرلمانية إلى جهات أجنبية، وعلى خلفية هذا التسريب اتهم بالتمويل الأجنبى، وهو الأمر الذى أدى إلى إحالة النائب إلى لجنة القيم لاتخاذ إجراء عقابى ضده.. وما هكذا تدار الأمور، فلابد من توضيح الصورة كاملة بكل مفرداتها وتفاصيلها أمام الرأى العام حتى يكون الناس على معرفة بجميع أمور ممثليها داخل مجلس النواب، ولا تصور الأمور على أنها خلافات شخصية ما بين رئيس مجلس النواب الدكتور على عبدالعال والنائب محمد أنور السادات.. فرئاسة المجلس تتهم النائب بتسريب قانون الجمعيات الأهلية وتتم إحالته للجنة القيم لتطبيق عقوبات ضده طبقا للائحة.
ويرد النائب باتهام المجلس بتبديد الأموال وصرفها على شراء 3 سيارات لرئيس المجلس والوكيلين حتى تتساوى الكفتان  باتهام مقابل اتهام، بمعنى «سيب وأنا أسيب» والضحية هو الرأى العام والمصلحة العامة والمال العام، وتظل الحقيقة تائهة ما بين  المصالح الشخصية وكأن الرأى العام ليس له أى قيمة.
وليست هذه الواقعة هى الأولى، ولكن هناك واقعة أخرى لم نسمع لها تفسيراً وهى واقعة حرمان النائب «أسامة شرشر» من جلسات دورة مجلس الشعب ليكون هذا عقابا له على مشاركته مع عدد من النواب بالمطالبة بسحب الثقة من رئيس المجلس باتهامه أنه قام بإرسال شريط فيديو مدته دقيقة لبعض أعضاء المجلس.. والمثبت والمعلوم للجميع أن النائب لا يعرف استخدام الموبايل إلا فى تلقى المكالمة أو إرسالها.. والجميع يتساءل: أين الموضوعية والشفافية فى اتخاذ المواقف ضد النواب المحالين إلى لجنة القيم.
 فالمفروض أن جميع النواب يتمتعون بحرية الرأى وإبداء مواقفهم وآرائهم بكامل حريتهم وفق إرادتهم باعتبارهم ممثلين للشعب ولا يتم تقييم واتخاذ المواقف ضد النواب بأكثرمن مكيال.
كل ذلك يجرى ولا يشعر النواب بأن عليهم أن يتصرفوا بكامل حريتهم كما تقضى الأعراف البرلمانية والدستور والقانون، وكأنه لا توجد مشاكل أو قضايا أو قوانين ملحة عليهم إنجازها، على العكس من ذلك فإن بعضهم يتصرف وكأنهم يعشون فى برج عال بعيداً عن مشاكل الناس، فهل هكذا يعطون المثال الحى لشعبهم الذى يطالبهم ويلح عليهم بضرورة الإنجاز والرقابة لأنهم جاءوا فى ظرف استثنائى يحتم عليهم ضرورة الابتعاد عن المصالح الشخصية وأن تكون لغة خطابهم السياسى ملائمة للظروف العامة التى نعيشها وألا تكون المجادلة المزيد من الشىء نفسه الذى يقال ويتردد بصورة شبه يومية من متحدثين عديدين، ففريق مع رئيس مجلس النواب يقولون كلاماًَ يبلغ حد التطابق الحرفى لما يقوله رئيس المجلس فيرد الفريق الآخر باللغة نفسها عبر متحدثين آخرين عديدين أيضا وبكلام على النقيض تماماً من الطرف الآخر، وتفسير هذه الظاهرة يعود إلى  أحد احتمالين، إما إلى نقص فى المخيلة السياسية وموهبة الابتكار، وإما إلى ظاهرة الانفصال عن الواقع.
 ليس من الواضح حتى الآن ما هى السياسة أو الأسلوب الذى تعتمده المعارضة داخل مجلس النواب، وأيضا لا توجد سياسة أو أسلوب تنتهجه الأغلبية الموجودة فى المجلس، نفس الأسلوب ونفس النهج مع أن هذا المجلس نتاج ثورتين 25 يناير و30 يونيو.. فالكلام أكثر من العمل، ففى ظل هذه المعادلة تكون الحركة بطيئة.. أكثر من ذلك وأهم من كل ذلك عدم وضوح الرؤية السياسية لبعض أعضاء مجلس النواب.
مصر أيها السادة دفعت أكبر الفواتير على مدى ثلاثين عاما، والمصريون عانوا ما لا يطاق وتحملوا ما لا يتحمله شعب ولهم الحق فى الحياة والهدوء والسعادة، ولا أحد يستطيع منعهم من تغيير الأمر الواقع نحو الأفضل، وحين يغرق المراقب بالتفاصيل اليومية يتحول التدقيق فى التطورات أكثر صعوبة، لكن حين يكون الهدف  هو التدقيق فإن المراقب يستطيع أن يرى الصورة بشكل أكثر وضوحا من  خلال التدقيق فيما يجرى وماذا يمكن الاستنتاج.
رئيس مجلس النواب الدكتور على عبدالعال أحد اختصاصاته المهمة  هو إدارة الجلسات وتوجيهها والتعامل بمكيال واحد مع جميع النواب، بصرف النظر عن توجهاتهم وآرائهم السياسية حتى يكون هناك سرعة فى الإنجاز وغرس قيم نيابية يتم تعضيدها تكون قدوة لكل من يعملون فى العمل السياسى، ويمكن للمراقب أن يستنتج أن الدكتور على عبدالعال يمارس فى بعض سياساته وثوابته مطالب كثير من النواب حين يتأكد من أن هذه الثوابت محقة، مثال على ذلك انتقاده للقانون المقدم من الحكومة بزيادة رواتب الوزراء والمحافظين.
راهن كثيرون على تغيير موقفه بعد أن تم انتخابه رئيسا لمجلس النواب، لكنه وضع حدا لهذه المراهنات بأسلوبه وإدارته للجلسات وأنه يؤمن بالتمثيل الصحيح لجميع شرائح النواب بما يوفر الاستقرار داخل المجلس.
 بالتأكيد بعد هذه  المواقف لابد أن يكون هناك بعض  المشاكل والتى لا ينقل صورتها الكاملة فيتم التعامل معها بأكثر من معيار،ومن هنا يشعر عدد من النواب بالظلم وأن رئيس المجلس يكيل لهم بمكيالين، وعلى خلفية هذه التطورات بالإضافة إلى أن عدداً كبيراًَ من النواب أول مرة يدخلون المجلس  ولم يسبق لهم تجربة نيابية من قبل فإن محصلة  الإنجاز إيجابية ولم يعد بالإمكان التغاضى عن ذلك، خصوصا أن الورشة التشريعية التى باشرها مجلس النواب قد أنجزت كثيراً من القوانين.
ولكن أليست هناك معرفة من جانب  كثير من النواب عن مشروعات القوانين الملحة التى تساهم فى تسهيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية للناس وهى الأجدى والأولى بالإنجاز بعيدا عن أى اتهامات أو مجادلات  تعطل أعمال المجلس وإنجازاته.
 لا نريد أن تكون عضوية بعض أعضاء المجلس  لتأمين مصالحهم الخاصة تحت ستار خدمة الوطن، وألا يبدلوا مواقفهم بنفس السهولة التى يبدلون بها ملابسهم، وألا يملأوا الدنيا صراخا عندما تقترب  رياح المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، وألا نصل إلى وضع أن يتبادل بعض النواب الشتائم أو الاتهامات بسبب الخلاف على بعض المصالح الخاصة.
إننا نريد أن نرى النواب الأكفاء الذين ينسجمون مع مصر الجديدة.. ومصر التى أنجبت أعظم المقاتلين فى الحرب ضد الإرهاب  سواء من رجال الجيش  أو الشرطة تستطيع أن تنجب وتفرز أعظم النواب والسياسيين.