ابراهيم خليل
أسبــوع الآلام فى الكنيسة البطرسية
الزمان: الأحد الماضى، الساعة التاسعة وخمس وخمسين دقيقة صباحا
المكان: الكنسية البطرسية التى تقع بجانب الكاتدرائية المرقسية بالعباسية
الـحـضـور: نـســــاء وأطـفـــال يـقـيـمـــون الـصــلاة
وقس يقدم الوعظ الدينى ويرسخ قيم ومبادئ المحبة والإخاء وحسن التعامل مع الآخر والتسامح والمودة.
وفجأة سُمع دوى انفجار كبير، على أثره تطايرت الأشلاء وامتزجت بالصراخ الشديد وتطاير صوت المحبة والإخاء وتطايرت معه الأشلاء لتسود الآلام والدموع والدعاء بالرحمة.
ويبقى السؤال: ماذا فعل هؤلاء الأبرياء الذين ذهبوا إلى الكنيسة للصلاة والدعاء والتقرب إلى الله، ومنهم من كان يدعو بالنجاح فى الدراسة، ومنهم من كان يدعو بالتوفيق لإتمام الزواج، ومنهم من كان يدعو بشفاء أمه أو أبيه من المرض، ومنهم من كان على موعد بعد الصلاة لفعل الخير..
ولكن يد الإرهاب التى لا تعرف إلا القتل والذبح قضت على آمالهم ومستقبلهم وحتى دعواتهم، ولم يبق إلا شيء واحد فقط لم تستطع يد الإرهاب الأسود أن تطوله وهو أن الوحدة بين المصريين حق والانقسام لن يستطيع أحد أن يأتى به، والوحدة قاعدة راسخة عند الناس، والوحدة عند المصريين طبيعية، والانقسام مصطنع، ودائما المسيحيون والمسلمون يختارون الحق، والقاعدة الطبيعية، وأى محاولة للاقتراب من هذه الوحدة الراسخة بين المسلمين والمسيحيين محكوم عليها بالفشل الذريع مهما تنوعت أساليبها وحيلها وسمومها.
إن الآلام التى شعر بها المسيحيون بسبب هذه الحادثة الأليمة هى نفس الآلام التى يشعر بها المسلمون لأن المصاب واحد، وهو ما ظهر جليا فيما شهده العالم من التآخى والتداخل بين عنصريّ الأمة فى التزاحم على التبرع بالدم والمشاركة فى التظاهر بين الشباب من المسلمين والمسيحيين للمطالبة بالثأر وسرعة القبض على الجناة والقصاص منهم، وأيضا المشاعر والدموع التى انهارت من عيون المسلمين فى كل أنحاء مصر، وعلى الأخص السكان الذين يقيمون أمام وبجانب وخلف الكاتدرائية بالعباسية.
ولم يبتعد أحد من أبناء شعب مصر عن هذه المشاعر، فقد آلمتهم وباغتتهم يد الإرهاب الأسود، فلم يفيقوا من حادث بالهرم الذى راح ضحيته ستة من شهداء مصر من رجال الشرطة أمام مسجد السلام بالهرم قبل حادث الكنيسة بيومين فقط.
هكذا هو الإرهاب، لا يفرق بين مسلم ومسيحى، لأنه إرهاب أعمى لا يهمه شيء إلا المال والقتل والذبح وتنفيذ تعليمات إخوان الإرهاب الذين يخططون له بعد أن يقوموا بتغيير كل مفاهيمه الدينية والإنسانية ليستقر فى مشاعره وعقله شيء واحد هو القتل والذبح، وهم يستفيدون ويستمتعون بالأموال الطائلة التى تغدقها عليهم قطر وتركيا ودولة عربية أخرى أعلنت بعد الحادث الإدانة والمساندة، بخلاف المنظمات الغربية التى تدعى الدفاع عن حقوق الإنسان والمساواة، لكنها تمول الإرهاب فى الخفاء.
إنه الإرهاب المؤلم الذى لايقيم وزناً لنفس بشرية ولا لمقام دينى ولا لمجتمعات آمنة.
جرح ضحايا الكنيسة لايزال ينزف وجرح التهويل والرعب من عمليات انتحارية لايزال جاثما على صدور المصريين فكيف ستكون المواجهة.
إذن الوحدة بين عنصريّ الأمة مطلوبة فى هذه الأوقات وهذه الظروف.
ولكن أى وحدة؟
هل هى وحدة اللقاءات الشفوية التى تغمرها المجاملات وينتهى مفعولها عند الإدلاء بالتصريحات؟
هل وحدة رد الفعل على موقف معين؟
بالتأكيد لا...
فالوحدة المطلوبة تقوم على استراتيجيات وخطط والتطلع إلى الأمام بتجديد الخطاب الدينى وخصوصا فى المناهج التعليمية التى تبدأ من الحضانة ثم التعليم الأساسى ثم الإعدادى والثانوى، وخصوصا فى المعاهد الدينية التى فى بعض الأحيان تفرز إرهابيين.
الوحدة مطلوبة اليوم أكثر من أى يوم مضى، لأنها لم تعد خيارا بل باتت ضرورة حتمية.
وحين وقع العمل الإرهابى، كل مظاهر الوحدة بدت واضحة أمام الجميع، ولكن عوامل ومسببات حصول الكارثة لا بد من وضعها تحت الدراسة والفحص لاستخلاص النتائج حتى لا تتكرر مثل هذه العمليات الإرهابية.
الأمور ليست على ما يرام.. للأسف الشديد أى انطباع آخر هو لرفع المعنويات.
بهذا المعنى نتساءل: لماذا يتزامن فتح معبر رفح مع وقوع عمليات إرهابية كبرى؟، وهو ما تكرر أكثر من مرة.
فهناك عمليات تزوير جوازات سفر بأسماء وهمية وتواريخ ميلاد مختلفة حتى يدخل الإرهابيون بهذه الجوازات والشهادات المزورة بحجة العلاج، لكن ما يتردد هو تنفيذ عمليات إرهابية.
لا بد من وضع كل هذه الأمور تحت الفحص والدراسة حتى لا تضيع الجهود المضنية والتضحيات الكبيرة التى يقوم بها رجال الأمن.
إن هناك الكثير مما يتم نشره فى الصحف الأجنبية يشير إلى أن دولا بعينها تخطط لإعاقة كل تقدم تحرزه مصر سواء بالتحريض أو بتمويل العمليات الإرهابية وإيواء الإرهابيين على أراضيها سواء بهدف الحماية أو للتدريب العسكرى أو لاستخدامهم فى عمليات الابتزاز.
لكن هذه الدول لا تعلم أن من تؤويهم وتدربهم على الإرهاب فى مصر سيكونون هم نفس الأشخاص الذين سينقلبون عليهم ويقومون بما هو أسوأ من عمليات الإرهاب، وإن غدا لناظره قريب.
والتاريخ لا يكذب، فكما جرى فى السبعينيات من القرن الماضى، قاد السادات حملة كبيرة فى المساجد والجامعات لتجميع الشباب وتسفيرهم إلى أفغانستان بحجة محاربة الشيوعية بتمويل بعض الدول الخليجية والولايات المتحدة، وكان هؤلاء هم القاعدة الرئيسية لنشر الإرهاب فيما بعد داخل مصر وكثير من دول العالم، بل إن منهم الآن قادة لتنظيميّ القاعدة وداعش. وفى ذلك الوقت تم القبض على تنظيم إرهابى كبير تحت اسم «العائدون من أفغانستان».
ولكن من يتعلم ومن يدرك؟
ولماذا نبعد عن كل هذه الأحداث؟
من قتل السادات؟
قتله من أخرجهم من السجون واستخدمهم فى ضرب الناصريين واليساريين. وعندما قويت شوكتهم قاموا بقتله، فهم دائما قتلة وسفاكون للدماء. ومن يأمن لهم يكون مصيره القتل على أيديهم.
لا حدود ولا سقف للإرهاب.. لا فى حجم التدمير والقتل الذى يعجز الخيال عن الوصول إليه.
أسبوع الآلام فى مصر هو شهور طويلة بسبب الإرهاب، بعضها مر، وبعضها الآخر مازال أمامنا، وكلما تصورنا أننا اقتربنا من فجر الأمان والاستقرار جاء الإرهاب لمحاولة إغراقنا فى الظلام والطائفية. وهو ما يكشف عن أن نهاية الإرهاب اقتربت.
فالعمليات الإرهابية العشوائية التى انتقلت إلى أسلوب جديد وهو الأحزمة الناسفة، تدل على الإفلاس وأن الإرهاب فقد عقله وجن جنونه وانتقل إلى مرحلة الانتحار عن طريق قتل الآمنين والمصلين بالجوامع والكنائس، وهم يعلمون تماما أن هذه العمليات تؤدى تماما إلى مزيد من الكره والبغض ونبذ الإرهاب، لأنها تستهدف الآمنين الأبرياء من الأطفال والنساء الذين لا حول لهم ولا قوة إلا إيمانهم بالله.
هاتان العمليتان الإرهابيتان.
الأولى بجوار مسجد السلام بالطالبية، والثانية بالكنيسة البطرسية بالعباسية.
المسافة الزمنية بينهما يومان فقط، ولكن المسافة الزمنية بين العمليتين الإرهابيتين وبين ذكرى ثورة 25 يناير شهر ونصف الشهر.
وهذا هو الهدف، وهو إشعال الفتنة الطائفية، ومحاولة نشر الفوضى لتختلط فيه الوجوه والأقنعة الطائفية والمذهبية والشخصية والسياسية الداخلية والخارجية، مع تعجيز الدولة عن القيام بوظائفها المتنوعة سواء توفير المواد التموينية والمحافظة على الأمن والاستقرار بخلاف أن هذه العملية أرادت أن تضرب السياحة وما كان منتظرا من توافد العديد من الوفود السياحية لقضاء الكريسماس فى مصر سواء فى مدينة شرم الشيخ أو الأقصر وأسوان، وإشعال سعر الدولار وهو ما جرى جزء منه بأن ارتفع سعر الدولار بأن تجاوز 18 جنيهًا و 75 قرشًا.
والناس دائما هى التى تدفع الثمن، ولكن هذه المرة يدرك الجميع أن وراء كل الأزمات التى تحدث فى مصر هو الإرهاب وجماعة الإخوان الإرهابية وما وراءها من بعض الدول التى يجب أن نتخذ ضدها مواقف محددة تؤدى فى النهاية إلى وقف التمويل والتآمر الذى أصبح واضحا وغاشما ووجهه القبيح ظهر واضحا فى العملية الإرهابية بالكنيسة البطرسية.
لم نكن يوما نتوقع - نحن الناس العاديين - أن يصل بهذه الدول إلى هذه الحماقة والقذارة من أن تقوم بتمويل عمليات إرهابية لقتل المصلين من الأطفال والنساء الشابات منهن والعجائز.
يا مسئولون عن هذا البلد، لماذا السكوت عن هذه الأفعال؟!
ماذا تنتظرون أن يفعلوا بنا ويفعلوا بمصر؟
ماذا فعلتم تجاه هذه المواقف وأنتم تملكون من المعلومات أكثر مما نملكها عن مؤامرات هذه الدول؟
ماذا فعلتم لأخذ الثار من قتلة الشابات والأطفال والعجائز الذين استشهدوا وهم يصلون فى الكنيسة البطرسية؟
كيف تتركون أبناء الوطن عرضة للقتل والذبح من خونة ومتآمرين؟
ألا يؤرق الجبناء والخونة تشويه صورة مصر النقاء والطهارة؟
أيها المتآمرون.. كيف جعلتم من بيوت الله مرتعا للقتل والذبح، وهذه البيوت لطالما كانت للصلاة والطهارة والتقرب لله؟
ألم تفكروا فى الأطفال الذين قُتلوا، أم أنتم مرتاحون لأن أطفالكم تتدبرون مستقبلهم فى البلاد التى تمولكم وعلى حساب الناس الطيبين والبسطاء وأولادهم؟
إن ما جرى للكنيسة البطرسية هو بمثابة جرس إنذار، فهل يستمع المسئولون والمعنيون إليه؟
على الجميع أن يعيدوا مصر إلى سابق عهدها كوطن للأمن والأمان والسلام وبيت للصلاة.
المطلوب التحرك الفاعل للقضاء على الإرهاب وذيوله قبل فوات الأوان. ولا نريد أن نفاجأ بكارثة أخرى بعيون مفتوحة.
الناس يريدون مسئولين للعمل لا مسئولين للوجاهة، آملين أن تبصر النور حكومة خدمية همها الناس، لأنه حين يصل الإجرام إلى هذا الحد فلا مكان فى مصر فى منأى.
نقول هذا الكلام لأن مكافحة الإرهاب والإجرام باتت أولوية قصوى لأننا فى حرب مع الإرهاب.
ونؤكد ونكرر، ليس بعيدا زمنيا واقعة مجزرة الكنيسة البطرسية وقبلها كمين مسجد السلام، ونسأل أيضا: هل التحصين كافٍ على كل المستويات؟
المفاجأة أنه لم تمر أربعة أيام على ما جرى من قتل وذبح أثناء الصلاة فى الكنيسة البطرسية إلا وكان الرد من الرئيس السيسى بشكل مباشر بافتتاح 26 مشروعا قوميا يتضمن شبكة طرق فريدة من نوعها ومحطات تحلية مياه وكأنه يرسل رسالة للمصريين أننا سنبنى ونعمر بأيد نظيفة يهمها الإعمار ونشر المحبة والسلام لخدمة كل الناس فى الريف والحضر والمناطق الشعبية وأعماق الصعيد.
فى هذا الإطار لم ينس إعادة بناء الكنيسة البطرسية وإرجاعها إلى أحسن مما كانت عليه عندما سأل اللواء أ.ح. كامل الوزير رئيس الهيئة الهندسية بالقوات المسلحة متى ستنتهى أعمال إعادة بناء الكنيسة البطرسية وكانت الإجابة العفوية من رئيس الهيئة بأن كل أعمال البناء وحتى الرسومات ستنتهى خلال أسبوعين فقط وهو ما يعنى الجدية والالتزام وروح المحبة والمواطنة وأن جيش بلادى دائما وأبدا هو الذى يبنى وفى نفس الوقت هو الذى يحارب وسوف يقضى على الإرهاب إن آجلا أو عاجلا مهما كانت التحديات سواء العمليات الإرهابية أو الدول المتآمرة، فمصر لابد أن تكون فى مكانها الطبيعى وهو التقدم والرقى والتحضر وهو ما تخشاه وتتآمر عليه هذه الدول مستخدمين الأيادى القذرة الملوثة بالدماء لكننا نحذر من خبث ومكر الإرهاب.
حتى لا ينتقل من محافظة إلى محافظة المسألة لم تعد فقط القضاء على الإرهاب بل أصبحت مسألة هواجس الخوف والتى لاتقتصر على منطقة أو مدينة فى حين يتوسع هذا الهاجس فيصير كل حجر على الطريق مشروع عبوة ناسفة أو شنطة قمامة «قنبلة» هذا أخطر ما نواجهه وهو خطر الخوف من الأوهام التى لن تتحول بفضل الأمن والاستقرار إلى حقائق.







