ابراهيم خليل
الدواء المر
بقدرة ماهر وقادر وخشية من انفراط وانهيار وضع الجنيه استطاعت الحكومة أن تكتب للجنيه عمرا جديدا، فالعملة المصرية لن تموت ولن نترحم عليها، رغم أن الرحمة تجوز على الميت والحى، بعدما تم اتخاذ سلسلة من القرارات الاقتصادية التى خرجت إلى النور بعد اجتماعين مهمين على مدار يومى الأربعاء والخميس الماضيين، الاجتماع الأول الذى عقده الرئيس السيسى مع المجلس الأعلى للاستثمار وصدر عنه أربعة عشر قرارا لصالح الاستثمار ومنحه مزايا جديدة فى مدن الصعيد.
يوم الخميس، وهو ما يعرف بخميس التعويم، نسبة لتعويم الجنيه بسعر السوق أمام العملات الأخرى لتطوى مصر اقتصاديا شهور الفراغ واللعب بأسعار الدولار الذى دام أكثر من ثلاثة شهور، حتى يكون الاقتصاد على بداية طريق الإصلاح الاقتصادى الحقيقى، وألا يكون الجنيه المصرى لعبة فى يد المحتكرين والمضاربين وتجار السوق السوداء وحائزى الدولار الذين فوجئوا بقرار الدولة المصرية، بأن يكون الدولار طبقا للعرض والطلب، وأن تكون هناك سوق واحدة للدولار هى السوق الشرعية التى تحدد سعره طبقا لآليات السوق الحرة.
هذه الضربة الموجعة للسوق السوداء بتوحيد سعر صرف الجنيه كبدت المضاربين وتجار العملة خسائر تقدر بالملايين خسرها تجار السوق السوداء وحائزو الدولار، بخلاف خسائر الجماعة الإرهابية التى سخرت كل قواها الاقتصادية لجمع الدولار وشرائه بأى سعر، سواء فى الداخل أو الخارج من العاملين المصريين ما أدى إلى خفض تحويلات العاملين بالخارج إلى مصر بسبب مغريات الجماعة الإرهابية لشراء الدولار بأعلى الأسعار.
جماعة الإرهاب تتعاطى مع هذه المرحلة من باب المزايدة والشائعات، والتوقعات بالارتفاع المتوالى للدولار، الأمر الذى بالضرورة ينعكس على ارتفاع الأسعار لتتبعه المظاهرات والاضطرابات، ومن باب التحريض تتحدث الجماعة الإرهابية فى الداخل والخارج وأنصارها عن الانهيار وأن الأمر سيتكرر كما حدث فى انتفاضة 77 إبان حكم السادات بعد رفعه الأسعار، فقامت المظاهرات وهم غير مدركين أن قرارات رفع الأسعار أيام السادات كانت مفاجئة ودون تمهيد، بخلاف أن الحديث وقتها عن الرخاء والرفاهية وتملك كل أسرة للفيللا والسيارة، لذلك انتابت الناس نوبات الاحتجاج، ومن هنا اندلعت المظاهرات بسبب الوعود الكاذبة وحياة الأحلام التى طبل وزمر لها إعلام السادات حتى فوجئ الناس بقرارات رفع الأسعار، أما فى هذه المرحلة فالجميع حذر من الصعوبة الاقتصادية، وهو ما مهد لتقبل نسبة كبيرة لقرارات رفع الأسعار وتحمل أعباء هذه القرارات لقناعتهم بجدوى وأهمية الإصلاح الاقتصادى، الذى يجب أن يتحمل أعباءه الأغنياء الذين لم تمتد إليهم هذه الأعباء إلى الآن، رغم رفع أسعار البنزين، فبنزين 95 الذى تستخدمه السيارات الفارهة لم تطله يد الغلاء فى حين أن بنزين 92 زاد 80 قرشا، وبنزين 80 زاد 75 قرشا، هذه الزيادات متوقعة ومردودها لن يكون سلبيا على أصحاب السيارات الملاكى، لكن المردود الشديد سيكون فى ارتفاع أسعار تذاكر السوبر جيت ووسائل النقل العام بين المحافظات.
إضافة إلى ذلك رفع سعر السولار من 180 قرشا إلى 235 قرشا، وهو ما سيؤثر قطعا على أسعار نقل الخضروات والفاكهة ليؤدى إلى ارتفاع أسعارها.
وإذا كانت الحكومة تريد أن تنال ثقة الناس وتقبلهم لارتفاع الأسعار عليها أن تضرب بيد من حديد على عمليات تهريب الذهب التى تستخدم فيها ملايين الدولارات، وكانت عاملا أساسيا فى رفع سعر الدولار، وهذه العمليات تتم لتمويل استيراد السيارات والسلع الترفيهية.
يبرز فى هذا الإطار أن بعض تجار الذهب أسسوا فيما بينهم بورصة للمضاربة على سعر الذهب، ويقومون بتحديد سعر الدولار فى السوق لارتباطه بسعر الذهب.
فأحد كبار تجار الذهب يقوم بجمعه من التجار ليقوم بدوره بتصديره على أنه عيار 14 ومختوم من مصلحة الدمغة ويبيعه فى الخارج بعياره وصنفه الحقيقى وهو عيار 24، ومعروف أن عيار 24 هو أغلى بكثير من عيار 14، فعلى سبيل المثال لو تم تصدير عيار 14 بمليون دولار فى حين أنه عيار 24، التاجر يربح 10 ملايين دولار، أى أن عيار 24 يساوى عيار 14 عشر مرات.
فعيار الذهب 24 بـ 600 جنيه للجرام الواحد وعيار 14 بـ 200 جنيه، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فالتاجر حينما يصدر الذهب على أنه عيار 14 ويبيعه فى الخارج على أنه عيار 24 يتم تحويل الدولارات على أساس سعر عيار 14 ويوضع فى حساب التاجر فرق السعر ما بين العيارين.
بهذه الطريقة يتم تهريب الدولار، وفى وقت سابق كانت إحدى شركات الإخوان تقوم بهذه العملية مع تجار الذهب وتم إغلاقها.
فى هذا السياق أيضاً قضية كبيرة تم كشفها فى مطار القاهرة بتهريب 100 كيلو ذهب على أنها عيار 14، وبالكشف عليها ثبت أنها عيار 24، حتى الشياطين لا تفكر بهذا الشكل، فهل يكفى أن نقول بعد كل ذلك اتقوا الله، لذلك بات لزاما وضروريا محاصرة هذه المافيا والمحتكرين لتبدأ الحكومة عهدا جديدا لتحرير الأسواق من المضاربين والمحتكرين، لتحيا الأسعار حياة طبيعية تتأثر بالسلب والإيجاب طبقا للأسعار العالمية.
كل هذه التطورات تطرح سؤالا: هل الاقتصاد سيقف على قدميه وليس قدما واحدة؟ الكثيرون من جماعات الشر والإرهاب بدأوا بالتشويش على هذه الإجراءات لبث الشائعات وإخفاء بعض السلع والمزايدة على رفع أسعارها ضمن عمليات التحريض، لكن هذه المحاولات سيكون مصيرها الفشل، لأنه وفقا لبيان البنك المركزى بشأن تحرير سعر الصرف فإن مصر فى سياستها الاقتصادية تتبنى التعويم الموجه، وهذا النظام بدوره يتيح للبنك إدارة عملية التعويم ويقلل من جموح الدولار، ولذلك يتوقع عدد كبير من خبراء الاقتصاد النجاح لعملية التعويم، ولكن هناك بعض المشكلات التى تعوق هذه العملية، وهى عدم امتلاك البنك المركزى الاحتياطى الكبير من الدولارات الذى يؤهله للتحكم فى السعر، لكن آليات السوق تقول إن التعويم يؤدى إلى ضبط سعر الصرف تلقائيا وتمكين الاقتصاد من تجاوز الصدمات خصوصا أن معظم العملات فى العالم عائمة، وفى هذا الإطار جاءت قرارات المستوردين بالتوقف عن الاستيراد لمدة ثلاثة شهور صائبة لصالح الجنيه المصرى، نظرا لاعتماد مصر على استيراد سلع كثيرة من الخارج.
إن العمل المطلوب من الحكومة هو أن تعمل لكى تعيد للمواطن ثقته بها فى مكافحة الفساد والمساواة فى المعاملة بين القوى والضعيف وأن تحمى الفقراء من متاعب الإصلاح الاقتصادى، وأن تصب إنجازاتها مباشرة فى احتياجات الناس ومصالحهم، فبالنسبة للناس يبدو أن توفير السكر والزيت أكثر إلحاحا من الكثير من الأشياء، وبالنسبة إليهم يبدو توفير فرص العمل للمتخرجين الجامعيين أكثر إلحاحا من المؤتمرات الشبابية.
إن المسئوليات التى يتحملها رئيس الوزراء ليست بنزهة فى عطلة أسبوعية، بل إن طريقه محفوف بالعقبات عقب اختياره رئيسا للحكومة بعد أن كان وزيرا للبترول، ونضع تحت هذا المنصب السياسى مليون خط لأنه يتعلق بالاكتشافات البترولية والغازية التى سوف تطرح ثمارها خلال العام القادم.
إن عمر الحكومات ليس هو المقياس، فكم من حكومة عمرت ولم تنجز شيئا، وكم من حكومات عاشت بضعة أسابيع فقط، لكنها حققت الأشياء الكثيرة، وهذه الحكومة يتوقع لها العمر القصير، خاصة أنها تتحمل الكثير من المشاكل، وآخرها رفع أسعار البنزين وما سيعقبه من ارتفاع فى أسعار عدد من السلع كتوابع لعملية رفع سعر البنزين والسولار، وعلينا جميعا أن نتقبل ارتفاع هذه الأسعار باعتبارها الدواء المر كى تتم عملية شفاء الاقتصاد المصرى من أمراضه المتوطنة منذ أكثر من ثلاثين عاما حكم فيها كل من السادات ومبارك.
إن كل عوامل التقدم والنجاح قد بدأت تقترب من التحقق بعدما اتخذنا الطريق الصحيح لخروج الاقتصاد من النفق المظلم، وسيجنى الناس ثمار هذا الإصلاح خلال عام على الأكثر، بعد أن تتفجر آبار الغاز والبترول بأسرارها وتحقق دخلا كبيرا للاقتصاد، بخلاف أن الاستقرار والأمان اللذين يسودان ربوع مصر سيأتيان بالسياحة التى بدورها ستعضد قوة الاقتصاد.
فى هذه الأجواء لابد أن نحذر من أنه عندما تغيب المعلومات تنتشر الشائعات، وتترك الناس لقدرها، صحيح أن الحذر لا يلغى القدر، لكن الطريقة التى يتم التعامل بها مع التحذيرات لا توحى للكثيرين بالاطمئنان والثقة، خصوصا أن المجرمين وجماعة الإرهاب يتصرفون بدرجة عالية من الاحتراف ولابد من أن يتكاتف الجميع لدرء المخاطر خصوصا أن الفترة المقبلة ستشهد الكثير من التحريض على الانفلات، لأن الشعب المصرى العظيم الموحد رافض لأى تحريض ويتمسك بالأمل.







