ابراهيم خليل
التقشف يبدأ من مكتب رئيس الوزراء
هللوا وابتهجوا وافرحوا، فالسلع الأساسية انخفضت أسعارها، وتم القضاء على الإرهاب ولا يوجد أى خلافات سياسية، لا أزمة فى ندرة السكر وهو متوافر للمواطنين 24 ساعة كل 24 ساعة. لا معاناة للفقراء، فالحكومة لا ترهق جيوب الناس بزيادات فى الأسعار، السياحة تعيش عصرها الذهبى، فالفنادق مزدحمة ولا توجد غرفة فارغة.
دول العالم تحسدنا على اجتماعات مجلس النواب التى دائما يحضرها جميع النواب ولا يتغيب منها أحد، ولم يطلب بعض النواب أن يكون تصويتهم على المشروعات القانونية بالتوكيل. وجلسات مجلس النواب لا مثيل لها.
هذا الوضع المثالى حفز رئيس الوزراء المهندس شريف إسماعيل على أن يقول فى اجتماعه مع عدد من الكتاب الأربعاء الماضى «أن تنفيذ برنامج الإصلاح يلقى على عاتق الحكومة مسئولية اتخاذ العديد من القرارات والإجراءات خلال الفترة المقبلة، فى مقدمتها الإجراءات الخاصة بضبط الأسعار والرقابة على السلع والخدمات، وكذلك العمل على زيادة الموارد وإدارة الأصول غير المستغلة بصورة رشيدة تحقق عائدا اقتصاديا».
وأضاف رئيس الوزراء: «إنه سيتم التركيز على المنتج المحلى والعمل على زيادة الصادرات وخفض الواردات، لتخفيف الضغط على العملات الصعبة، وكذلك اتخاذ الخطوات اللازمة لتهيئة المناخ الجاذب للمزيد من الاستثمارات».
القضية على بساطتها ليست هنا بل فيما يقوله رئيس الوزراء من أن الإصلاح الاقتصادى يلقى على عاتق الحكومة مسئولية اتخاذ العديد من الإجراءات الخاصة بضبط الأسعار والرقابة عليها إلخ.
ونحن بدورنا نتساءل:
ما العوائق التى أحالت بين أن يصدر رئيس الوزراء هذه القرارات التى قال إنها على عاتق الحكومة منذ فترة؟
هل لإتاحة الفرصة لأن يربح التجار والمحتكرون أكبر قدر من الأموال؟
أم هناك توصية من الأمم المتحدة لقهر الفقراء وتعذيبهم على نار الأسعار؟
وهذا الكلام الذى طرحه رئيس الوزراء بسهولة وعفوية أثناء اجتماعه مع عدد من الكتاب والصحفيين، يطرح جملة أخرى من التساؤلات:
ما الذى عطل رئيس الوزراء ومجلس الوزراء من الرقابة على الأسعار وضبط الأسواق؟
وما الحواجز التى تقف دون العمل على زيادة الموارد وإدارة الأصول؟
ومن هم الذين يقفون وراء عمليات استيراد السلع التى نحتاجها والسلع التى لا نحتاجها؟
وأين السياسة الرشيدة فى الاعتماد على المنتج المحلى الذى يوفر العملة الصعبة والتى وصل سعر الدولار إلى ما يفوق 15 جنيها.
وأين الحلول غير التقليدية فى منح مزايا استثمارية جديدة لجذب المستثمرين من مختلف الجنسيات، بعيدا عن المزايدات التى يتفوه بها البعض لإعاقة التقدم على هذا الطريق، خصوصا أن الكثير من دول العالم تعتمد الآن سياسة منح المزايا الكبيرة للاستثمار. وعلى سبيل المثال دبى والمغرب وتركيا والنمور الآسيوية.
لماذا لا نستجلب ونستفيد من هذه التجارب فى منح المزايا الاستثمارية التى يتحقق من خلالها فرص عمل والعملة الصعبة.
وفى هذا الإطار، لابد أن نلفت الأنظار إلى القرار الإيجابى الذى اتخذه الرئيس السيسى بتشكيل المجلس الأعلى للاستثمار برئاسته، واختار شخصيات ملائمة ومناسبة لهذا المجلس الجديد لما تتمتع به من خبرات وتجارب فى مجال الاستثمار، وأيضا النجاح فيما يعملون به من أنشطة.
الغريب أن كل القرارات الناجحة والموفقة لا تأتى من خلال حكومة شريف إسماعيل، بل تأتى من خلال التوجهات الرئاسية.
إن حكومة شريف إسماعيل مطالبة فى أول جلسة لها أن تتخذ إجراءات تقشفية، خصوصا على مستوى مكتب رئيس الوزراء، ثم تعمم هذه الإجراءات على مكاتب وسفريات مجلس الوزراء بكامله، حتى يكون قدوة لإجراءات التقشف والإصلاح الاقتصادى التى من المنتظر أن تتخذها الحكومة خلال الفترة القادمة.
ولكن على هذه الحكومة ألا تمس الدخول الثابتة للموظفين الذين أصبحوا من الفقراء بفعل ارتفاع الأسعار وضغوط الحياة اليومية والأسبوعية والشهرية التى يفاجأ بها المواطنون من خلال اختفاء سلع أو ارتفاع أسعار سلع أخرى.
فالفقراء بصفة عامة أصبحوا لا يملكون شيئا حتى ينال منه الإصلاح الاقتصادى.
فالدروس الخصوصية وارتفاع الأسعار ومصاريف المدارس والمطالب اليومية سواء من الزوجات أو من الأولاد أصبحت الهم الأول والأخير لأولياء الأمور الذين أصبحوا محاصرين بكل هذه المتطلبات ولا يستطيعون أن يتحملوا متطلبات جديدة.
فالإصلاح الاقتصادى لابد أن يتحمل متطلباته ومعاناته الذين يملكون وهم الأغنياء، وهكذا تقتضى بديهيات العدالة الاجتماعية التى طالما طالب بها الناس.
إضافة إلى ذلك، على مجلس الوزراء ورئيسه بصفة خاصة أن يصدر توجيهاته لكل محافظى مصر أن تتسم قراراتهم بالشفافية والموضوعية وألا يخلوا بوعودهم للناس، حتى لا يحدث خلل تتصيده جماعة الإخوان الإرهابية فى إشعال المواقف والتحريض على الدولة كما جرى فى المدينة الباسلة - مدينة بورسعيد-.
وعلى غير المتوقع، تظاهر المئات من مستحقى وحدات الإسكان الاجتماعى في بورسعيد، مساء الثلاثاء الماضى، بميدان الشهداء، وقطعوا شارع 23 يوليو أمام مبنى المحافظة ومديرية الأمن، وافترشوا الأرض بعرض الطريق ومنعوا مرور السيارات فى الاتجاهين، احتجاجا على طلب صندوق التمويل العقارى مقدمات للوحدات، تتراوح ما بين 20 و40 ألف جنيه قبل استلامها. وقال محتجون إنهم تقدموا للمشروع عام 2013 على أساس الشروط المعلنة من المحافظة، وهى تسديد ثلاثة آلاف جنيه ترتفع إلى عشرة آلاف عند الاستلام. وأضافوا أنهم بعد انتظار طويل لبناء المشروع وبحث أحقيتهم وعند اقتراب موعد التخصيص، طالبهم صندوق التمويل العقارى بتسديد مقدمات تتراوح من بين 20 و40 ألف جنيه، حسب الدخل الشهرى لكل مستحق، وهو ما يفوق قدرتهم ورواتبهم المحدودة والمستنزفة فى إيجار الشقق المفروشة التى يقيمون فيها.
بخلاف ذلك أشاع بعض المغرضين لحاجزى الشقق، أن هذه الوحدات السكنية سيتم بيعها للأثرياء بأسعار كبيرة حتى تحقق المحافظة عائدا ماديا كبيرا بعد أن تسرب لها أن حاجزى هذه الوحدات سيقومون ببيعها بأسعار مضاعفة عدة مرات.
وعلى خلفية هذه الأحداث كان يجب على المحافظة أن تستوعب كل مجريات الأمور التى تحدث أمامها ومن خلفها، أو أن يقدم لها مجلس الوزراء النصيحة أو المشورة أو الإلزام بأن تتخذ القرارات التى وعدت بها حاجزى الوحدات السكنية، ولا أن تتراجع طالما حدث اتفاق بينها وبين الحاجزين.
وإذا كان قد تسرب إليها أنهم سيقومون ببيع هذه الشقق فكان على المحافظة أن تضع المحاذير والإجراءات القانونية التى تمنع بيع هذه الوحدات السكنية، أو أن تضع شروطا جزائية تصل إلى حد السجن لمن يستلم هذه الوحدات ثم يقوم ببيعها مرة أخرى لتحقيق ربح مالى كبير.
إننا نطالب بأن يمتلك المحافظون رؤية لحل مشاكل الناس تغلف بخلفية سياسية حتى تتم مجابهة أى خروج على القانون من جانب من يتربص بالوطن وبالناس.
إن عمليات الشحن والتحريض وبث الشائعات لا تتوقف دقيقة واحدة، مستغلة أى خطأ أو أى إجراء عفوى يتم اتخاذه حتى يتظاهر الناس ويتركوا أعمالهم ويخرجوا إلى الشوارع حتى يصور المغرضون والإرهابيون للعالم أن البلد يعانى من عدم الاستقرار.
الناس فى يومياتهم غير مهتمين وغير معنيين بالإشغالات والإلهاءات التى تشغلهم بها كتائب الإرهاب فيما يطلقون عليه 11/11، فالناس اختارت الاستقرار والأمان وتثق ثقة كبيرة فى رئيس الدولة وفى الإيجابيات التى تحققت فى المشروعات القومية الكبرى والتى ساهمت فى خفض نسبة البطالة بشكل بسيط، لكن فى المستقبل سيكون خفض حجم البطالة أكثر مما جرى هذا العام. وأيضا إقامة المناطق الاقتصادية بمحور قناة السويس والمثلث الذهبى ومشروعات الإسكان الاجتماعي- 600 ألف وحدة - ورصد 14 مليار جنيه لتطوير العشوائيات، إلى جانب شبكة الطرق القومية، وتطوير الخدمات الصحية خصوصا فى القرى.
كل هذه المشروعات سيجنى الناس ثمارها خلال فترة وجيزة، لأن العمل الحقيقى للحكومة هو تسهيل أمور الناس وتيسيرها.
لا نريد أن نقول أنها حكومة غض النظر عن المشكلات الحقيقية للناس، إضافة إلى أنها لا تخشى المحاسبة.
والمواطنون فى كل هذه القضايا يدفعون ثمن الأيادى المرتعشة وعدم وجود رؤية أو الكسل فى اتخاذ الإجراءات الملائمة.
آن لنا أن نفتش عن طرق جديدة ومبتكرة لإيجاد المخارج الصحيحة والسريعة لجميع مشاكلنا.
ونقول للذين يطالبون الناس بالخروج إلى الشارع إن ما يطالبون به قد تم تجاوزه لأن الشارع لن يوفر كوبا من اللبن أو فرصة عمل أو خفض سعر السلع الأساسية، وإنما أصحاب هذه الدعوات بعيدون كل البعد عن مشاكل الناس، فهم يعيشون فى أبراج عالية مغلفة بالرفاهية الشديدة ولا يستطيعون النزول إلى الشارع بل كل عملهم هو تحريض الآخرين.
لكن هذا قدر مصر، بأن هناك محاولات مستمرة لجرها إلى الوراء، وهذه مهمة مستحيلة.
فمن يراهن على 11/11 سيفاجأ بأن جميع طوائف الشعب يجمعون على الاستقرار، وأيضا يطالبون بالمساواة والعدالة وفتح ملفات الفساد التى لا تحتمل التأجيل.
ونعلم أن هناك خطوة فى هذا الإطار تم اتخاذها وعندما ستعلن سيكون لها دوى وصدى كبيرا!







