ابراهيم خليل
أنا أم البطل
المؤامرة على مصر لها عدة وجوه أهمها الإرهاب الذى يتفجر بين الحين والآخر باستهداف الشخصيات العامة أو تفجير سيارات لإشاعة الذعر والهلع بين الناس، وفى نفس الوقت ضرب السياحة التى تؤدى فى النهاية إلى المحاصرة الاقتصادية، والتى تمثلت فى الأسابيع الماضية فى رفع سعر الدولار ومحاصرة تصدير الخضروات والفواكه إلى عدد من الأسواق الأوروبية والأفريقية.
بهذا المعنى لم تتوقف المؤامرة على مصر منذ اندلاع ثورة 30 يونيو وتولى الرئيس السيسى الحكم بانتخابات حرة ونزيهة.
وحين تحاصر قوات الجيش والشرطة الإرهاب تندلع المؤامرة فى صور جديدة وهى ما تمثلت فيما أعلنته السفارة الأمريكية الأسبوع الماضى من تحذير لرعاياها بتجنب التجمعات الكبيرة والأماكن العامة، بسبب «مخاوف أمنية محتملة» يوم التاسع من أكتوبر. وقالت السفارة الأمريكية فى رسالة إلى رعاياها: «ينبغى أن يكون المواطنون على علم بمحيطهم وممارسة احتياطات أمنية جيدة فى جميع الأوقات».
وتزامن البيان التحذيرى للسفارة الأمريكية مع احتفال مجلس النواب بمرور 150 عاما على الحياة النيابية فى مصر، وتوافد الوفود الدولية والأفريقية والعربية للمشاركة فى هذا الاحتفال الذى عقد بمدينة شرم الشيخ، وكأن هذا البيان قد صدر حتى يضرب السياحة ويمنع الوفود من المشاركة فى هذه الاحتفالية الكبرى ويبث الشائعات عن عدم وجود استقرار فى مصر ليقطع الطريق على الاتفاقيات السياحية التى عقدت خلال الأسابيع الماضية بقضاء عطلة الكريسماس فى مدينة شرم الشيخ.
المفاجأة الكبرى أن موقع السفارة الأمريكية الذى نشر البيان تعرض لهجوم عنيف وتعليقات شديدة اللهجة من جانب نشطاء مواقع التواصل الاجتماعى والناس العاديين وتركزت تعليقاتهم على أنه لو كان الأمريكان يملكون المعلومات لما كان 11 سبتمبر، أو ما جرى مؤخرا من قيام أحد الباكستانيين الذى يحمل الجنسية الأمريكية بتفجير نفسه فى نيويورك أثناء انعقاد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وكانت تعليقات المصريين على بيان السفارة الأمريكية حادة لدرجة كبيرة جدا أدت إلى قيام موقع السفارة بحذف هذه التعليقات حتى لا يقرأها من يدخل على هذا الموقع.
فى هذه الأجواء استدعى مسئول كبير بجهاز رقابى مسئول الأمن بالسفارة الأمريكية لسؤاله عن سبب صدور مثل هذا البيان، وأيضا لماذا لم يتم تبليغ الأجهزة الأمنية بوجود أية معلومات لو كان هذا التحذير صحيحًا.
وكانت إجابة المسئول الأمنى الأمريكى هى: لا تعليق، وأن هذا البيان مسئول عنه القسم القنصلى بالسفارة وليس القسم الأمنى. وهو ما يعنى أن البيان صدر بمعرفة السفير والقنصل الأمريكى.
على خلفية هذه التطورات طالبت وزارة الخارجية المصرية فى بيان السفارات الأجنبية بتوخى الحذر فى إصدار مثل تلك التحذيرات غير المبررة.
هكذا يتصرف مقررو المؤامرة على مصر بحرفية عالية، من خلال تبديل الوسائل فى كل مرة يشعرون فيها بأن الوسائل الرادعة تفعل فعلها.
فى هذه الأجواء بعد أن عرفوا أن الإرهاب فى طريقه إلى الزوال نظرا للحيطة الكبيرة والتضييق عليه بكل السبل من جانب الأجهزة المعنية، اتخذ المخططون أسلوب البيانات التحذيرية التى سخر منها المصريون وكانت الشوارع أشد ازدحاما من أى وقت مضى، ولم يجلس المصريون فى منازلهم خوفا من البيان الأمريكى وتوابعه.
بل إن القاهرة بعد صدور البيان لم تشهد أية تجمعات فى أى منطقة، وكأن الناس يتحدون البيان الأمريكى بتكاتفهم وتآزرهم وعدم المبالاة بمثل هذه البيانات التى عرف الناس أنها هى جزء من المؤامرة على استقلال القرار المصرى.
وشعر الناس أن هناك مسئولية جماعية فى المواجهة والتدابير، خصوصا أن أبعاد المؤامرة على استقلال القرار المصرى مكشوفة ومعروفة حتى بالنسبة للناس البسطاء. فقاموا بتلقائية بتفويت الفرصة على المتربصين بالناس وبالمسئولين وبالبلد.
ولا يخفى على أحد عداء الأمريكان لحكم الرئيس عبدالفتاح السيسى بسبب استقلال قراره، فهو لا يستأذن فى اتخاذ أى قرار، وكذلك لا يعلم أحد بقراراته التى يتخذها لمصلحة العامة.
وهو ما تأكد منه الأمريكان على مدى السنتين الماضيتين ولم يتعود الأمريكان على مثل هذه السياسة من قبل، فكل طلباتهم مجابة بمجرد رفع سماعة التليفون إبان حكم الرئيس المخلوع حسنى مبارك.
بل فى بعض الأحيان كانت الإدارة الأمريكية تتخذ قرارات تخص مصر وتحصل موافقاتها بعد إصدارها. وأصبح هذا الآن صعبا بل مستحيلا أكثر فأكثر.
زمن البدع السياسية الأمريكية انتهى بلا رجعة، والغريب أن الإدارة الأمريكية لا ترغب فى تصديق أن الإدارة المصرية تملك حرية استقلال القرار.
وعبر الرئيس عبدالفتاح السيسى عن هذه السياسة بالقول إنه ليس ملزما بثوابت السياسة المصرية خلال الثلاثين عاما الماضية.
وفى هذا السياق لم تعد مواربة السياسيين تنفع ولم يعد الكلام المنمق يجدى، ولم يعد بيع الكلام يفيد، فمصر محاصرة بالمؤامرات وحتى تملك البلد استقلال قرارها لا بد من أن تتحمل تبعات هذا الاستقلال، وهذه التبعات هى ما نعيشه ونشاهده الآن من اختفاء الكثير من السلع وارتفاع أسعار الدولار وندرة السياحة، وسقوط الكثير من الشهداء سواء من الجيش أو الشرطة.
ويبرز فى هذا الإطار ما قالته أم الشهيد إسلام عبدالمنعم فى الندوة التثقيفية الثالثة والعشرين لاحتفالات نصر أكتوبر المجيدة أمام الرئيس عبدالفتاح السيسى قائلة:
«ابنى مش خسارة فى مصر، وأنا بابكى على الفراق فقط، وهو ده قضاء الله، وأنا بشوف ابنى كل يوم فى ولادى اللى فى الجيش واللى فى الشرطة، يا رب كل أم أصابها ما أصابنى أن تصبر، وإنا لله وإنا إليه راجعون».
وأمام هذا المشهد المهيب الذى أبكى كل الحاضرين من سيدات ورجال قام الرئيس عبدالفتاح السيسى بالصعود إلى المنصة وقبل رأسها ويديها، وقال:
«كان لازم أقبل يد أم الشهيد، ورأس أم الشهيد، دى اللى شالت واللى ربت».
وهذه السيدة التى ضربت أعظم الأمثلة فى العطاء والتضحية وفى الصبر والتماسك هى نموذج لكثير من الأمهات اللاتى قدمن أبناءهن فداء لمصر حتى تعيش آمنة مستقرة وسط العواصف التى تمر بها المنطقة.
هذا الاستقلال فى القرار، هل يتطلب تضحيات كبيرة بعد أن وصلت المنطقة المحيطة بنا إلى حال من الخطورة لم يعد من السهل عودتها منه أو إعادتها إلى الوراء،خصوصا أن ممارسات بعض الدول قد أخذت منحنيات جديدة فى الضغط على مصر بوقف عدد من الاتفاقيات أو فى الهجوم غير المبرر على حريتها فى اتخاذ قرارها السياسى العربى أو الدولى.
تلك هى الصورة. فماذا نحن فاعلون؟
وكانت الإجابة فى كلمة الرئيس السيسى قائلا:
«عايزين يا مصريين استقلال بجد، لا بد أن نتحمل المعاناة ونكون جميعا على قلب رجل واحد. والدول المستقلة فى قرارها دائما تعانى، وأكبر مثل هذه السيدة التى قدمت ابنها فداء لمصر، واللى عنده آراء حرة لازم يستحمل».
وحين نرجع إلى التاريخ القريب وليس البعيد، نجد أن ما يتعرض له الرئيس عبد الفتاح السيسى من مؤامرات قوى خارجية، هو نفس ما تعرض له الزعيم الخالد الراحل جمال عبدالناصر، عندما حاول بناء السد العالى، وجعل قرار الدولة المصرية من داخلها وحماية سيادتها، ما دفع الغرب لتدبير مؤامرة خارجية له.
المرحلتان متشابهتان فى المؤامرة الاقتصادية التى تحاك لمصر من قبل قوى خارجية، ولكن فى عهد جمال عبدالناصر كان الوزراء يعملون معه بكل طاقاتهم، أما الحكومة الحالية فلا تساعد الرئيس فى إنجاز عمله، وهو ما يتطلب تغيير بعض الحقائب الوزارية.
وأيضا فى نفس هذا السياق يجب أن يتحمل الأغنياء الأعباء وليس الفقراء، لأن الفقراء لا يملكون ما يضحون به. ومطلوب من الأغنياء أن يقدموا كل المساعدات للفقراء سواء فى التبرع لصندوق تحيا مصر أو خلق فرص عمل جديدة وتخفيض هوامش الربح لمنتجاتهم وأن يكونوا هم المثل والقدوة فى تحمل الكثير من أعباء المرحلة القادمة. وأن توظف الأموال فيما هو مفيد لأكبر عدد من الناس.
وفى هذه المرحلة التاريخية لا بد من تعظيم وتعضيد سياسة الاعتماد على الذات وأن توظف جميع سياسات الدولة فى طريق واحد هو الاعتماد على الذات ولو خطوة بخطوة، حتى لو بدأنا ببعض المنتجات الزراعية لتأتى من بعدها المنتجات الصناعية ويأتى من بعدها رفع شعار: لاتلبس أو تأكل إلا منتجات مصانع وأرض بلدك حتى لا تركع لأحد.
نعم..بلدنا يتعرض الآن لمؤامرة أمريكية وتوابعها، لتكسير عظام مصر وإخضاعها للأوامر الأمريكية، وكلما اشتد الهجوم الأمريكى على الرئيس السيسى، تأكد استقلال القرار المصرى.
وأبدا أبدا لن تركع مصر مادامت هناك أمهات يلدن شهداء.>







