الثلاثاء 17 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
اغتيال المستقبل

اغتيال المستقبل


لم يعد الكلام المنمق يجدي، ولم يعد يفيد لشراء رضا الناس.. الغلاء وارتفاع الأسعار يغتال تفاؤل عدد من الناس، ومن يدعى العكس لا يعيش الواقع.. رئيس الحكومة شريف إسماعيل لم يكلف نفسه التدخل مباشرة من أجل حل قليل من المشاكل الخدمية أو حتى الاجتماع بكبار التجار للوصول إلى حل فيما يخص ارتفاع أسعار جميع السلع الغذائية، أو حتى الشرح الكافى للضريبة الجديدة التى أطلق عليها القيمة المضافة بأن هذه الضريبة لن تقترب من السلع الأساسية للناس، واكتفى بالتصريح بأن الضريبة الجديدة لن تؤدى إلى رفع أسعار السلع، لكن لم يتم اتخاذ أى من الإجراءات لتحقيق ذلك على أرض الواقع.
 
وإذا كان الواقع يعتبر وقتا ضائعا فهذا يعنى أن كثيرًا من الأيام القادمة ستكون أياما ضائعة، فمازال هناك ملف فواتير الكهرباء التى هى مصدر شكوى عامة الناس.
اليوم نحن فى شهر سبتمبر وهو شهر بدء الدراسة سواء فى المدارس أو الجامعات، وسيتزامن ذلك مع سلسلة من المسئوليات الحيوية بالنسبة إلى المواطن تتعلق بمصاريف المدارس، وأسعار الأدوات المدرسية، والزى المدرسي، كل هذه المسئوليات سيتحملها أولياء الأمور من دون أن تلوح فى الأفق أى بارقة أمل فى الرقابة على هذه المتطلبات الحياتية.
فملف المدارس - على سبيل المثال لا الحصر - يحتوى على مشاكل عديدة تبدأ من زحام الفصل المدرسي، وتمر عبر ارتفاع أسعار الأدوات المدرسية، وعدم طبع جميع الكتب التى من المفترض أن يحصل عليها الطلاب أو التلاميذ فى أول أسبوع دراسي، والمصاريف الباهظة التى تنفق على الدروس الخصوصية، وانتهاء بارتفاع مصاريف هذه المدارس.
وحتى اليوم أشياء كثيرة لم تتحقق فى هذا الملف رغم معرفة وزارة التربية والتعليم بمواعيد بدء الدراسة، بل هى التى تحدد مواعيد بدء الدراسة، ولكن فى المقابل لم تقم بواجبها تجاه الطلاب وأولياء أمورهم.
هذه العملية غير المكتملة سترغم المعنيين بملف التعليم على العودة إلى نقطة الصفر التى تحدث كل عام.
لكن كيف يحصل ذلك من دون تدخل رئيس الوزراء ومجلس الوزراء، باعتبار أن هناك مسئولية جماعية؟
فكيف الخروج من هذا المأزق؟
لا أحد يملك الجواب، بل إن التوقعات المتواترة تشير إلى أن أزمة كل عام ستتكرر هذا العام أيضا، بالإضافة إلى أن أزمة كل عام سيضاف إليها الغموض الذى جرى فى عمليات تسريب الامتحانات، باعتبار أن هذا التسريب يعضد عند التلاميذ عدم المذاكرة والتحصيل اعتمادا على الغش والتسريب.
فى هذه الحال، كيف ستعالج وزارة التعليم هذه الهواجس والقيم السلبية التى تترسخ عند التلاميذ بأن الغش والتسريب أجدى من المذاكرة والتحصيل؟!
لعل أخطر ما يواجه المصريين هذه الأيام هو هذه الموجة من قرع طبول الشائعات، وأوجه الخطر أن التهويل حولها يتم من أطراف يفترض أنها مسئولة، فى حين أنها تطلق التصريحات وتنفيها فى آن واحد، مما يضع الناس فى مواقف متناقضة ولا يستطيعون اتخاذ خطوات مستقبلية، بل إنه فى بعض الأحيان تؤدى هذه التناقضات إلى اتهامات بين الناس أنفسهم.
على سبيل المثال التناقضات الخاصة بإحالة ملف القمح إلى النيابة، ويتمادى مجلس الوزراء فى استفزاز الناس عندما يتم تكريم وزير التموين المقال قبل انصرافه من ديوان مجلس الوزراء!
والجديد هو التصريحات التى صدرت حول حركة المحافظين، من أنها ستتم وفقا لمعايير الكفاءة والخبرة والنزاهة، ولكن على أرض الواقع صدم الرأى العام فى بعض اختيارات المحافظين!
وهناك الكثير من التناقضات التى تأتى على لسان بعض الوزراء مخالفة تماما لما يعيشه الناس على أرض الواقع كثير منه مؤلم.
الناس يريدون أن يعيشوا لا أن يتخبطوا ويتألموا، خصوصا فى ملف التعليم وبدء الدراسة لأن أبناء الناس ولدوا ليعيشوا ويؤمّنوا مستقبلهم لا أن يتألموا ويصطدموا بواقع ارتفاع المصاريف وضرورة شراء الزى المدرسى من أماكن محددة تدر على أصحابها الملايين، بصرف النظر عن تألم أولياء الأمور من تدبير الأموال لشراء الزى المدرسى من مكان محدد.
فى هذه الأجواء لا بد من الوفاق والالتفاف القوى حول المبادئ العامة التى يرسيها رئيس الجمهورية.
كفانا شهورا عديدة من التناقضات والتفرقة، وانفلات فى الأسعار، وتدهور اقتصادي.
الوزارة الحالية أخذت الفرصة الكاملة ولا بد من تقويمها.
كفانا خلافات ودعونا نفتح أبواب الوفاق على المبادئ، ونحدد مددا معينة لتنفيذ هذه المبادئ.
دعونا نأخذ إجازة مؤقتة من الإجازات التى نحصل عليها وكأن العمل هو الحصول على الإجازة، وكأننا ولدنا ليكون همنا الأول والأخير هو الإجازة.
اللافت أن عددا من أصحاب الاتجاهات الخاصة يقومون بمحاولات التحريض مستغلين الجو العام الذى يشيعه ارتفاع الأسعار لبث دعاوى الفرقة والعصيان، وكأن تحقيق هذه الدعاوى المغرضة سيوفر كوب لبن أو يخفض مصروفات المدارس أو إيجاد حل لمشاكل الزى المدرسي.
نحن جميعا ندرك أن حل المشاكل التى تمت دراستها من النظام السابق بمثابة تركة مثقلة بالأعباء، قد نختلف مع طرق حل هذه المشكلات، أو حتى ما يطرح من المشروعات القومية الكبري. لكننا لا نستطيع أن نختلف حول وطنية وإخلاص وشعبية الرئيس السيسي، لأن الواقع يقول إن السياسات التى يتبعها الرئيس هى لخدمة المصلحة العامة وأغلبية الناس.
ورغم الحجم الكبير لهذه المشروعات المستقبلية، فإن سرعة إنجازها تكشف حجم العمل المبذول فيها وكذلك الثمار الكثيرة التى سيجنيها الناس من وراء هذه المشروعات خلال شهور قليلة على عكس ما يشاع.
ولكننا نكرر أننا نريد جدولة المعاناة التى سيتحملها الناس فى الفترة القادمة وتكون مجدولة ومحددة حتى يتحمل مسئوليتها الناس طبقا لهذه الجداول، وكذلك لبث حالة من التفاؤل والأمل حول فوائد هذه المشروعات، وفى نفس الوقت يعرف الناس ما هو أمامهم وما وراءهم ليجابهوا ويكافحوا دعوات التخريب التى تهدف أولا وأخيرا إلى التعطيل والتدمير، خصوصا أنه كلما حان وقت قطف ثمار هذه الإنجازات يتكاثر الأعداء سواء فى الداخل أو فى الخارج لتعطيل جنى هذه الثمار.
وكلما اشتد الهجوم وانتشر بث الشائعات فإن هذا يؤكد أننا على الطريق الصحيح.
فمنذ متى يكون نشر الشائعات يعالج مريضا، وكذلك من يقوم بتبادل الكلام الجارح فهو ليس له سوى تفسير واحد وهو الإفلاس.
فحين لا يعود فى مقدور المتحاورين أو المتجادلين أن يقارعوا الحجة بالحجة والمنطق بالمنطق يلجأون إلى الادعاء بالباطل أو بث الشائعات كتعبير عن نقص فى تقديم ما ينفع الناس.
فما الفائدة التى يجنيها الناس من وراء بث الشائعات أو الادعاء بالباطل على الآخرين وأى جدوى منها؟
وهل يعتاد المصريون على ذلك، أو هو مخطط حتى يعتادوا على ترديد الشائعات وتصديقها؟
هل مخطط لهم أن يعتادوا على الادعاءات؟
بعيدا عن كل هذه الهواجس لا بد من وضع الأمور فى نصابها الصحيح، ولا بد من إعادة ترديد الأسئلة لتأتى الأجوبة أكثر منطقية.
والسؤال الذى يطرح نفسه:
لماذا وصلنا إلى أن الناس تصدق الشائعات أكثر مما تصدق الحقيقة؟
وفى علم السياسة فإن الحكومة تتحمل المسئولية فى ذلك، لأنها هى التى تملك فشل القرار أو إنجاحه.
ونحن بدورنا لا نسمح لأحد أن يغتال مستقبل الناس الذين خرجوا فى ثورة 30 يونيو ليعلنوا إجماعهم على أن الإخوان هم الإرهاب ولا بد من بناء دولة مدنية عصرية قائمة على الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية. بعد أن أعدم الناس الكبت والخوف والهلع.
وليس بعيدا عن كل ذلك الزيارات المختلفة التى يقوم بها الرئيس عبدالفتاح السيسى خارج البلاد، لأنها تكمل السياسة العامة للدولة المصرية سواء فى الداخل أو فى الخارج، وهذه الزيارات تعطى الصورة الكاملة للسياسة المصرية باعتبار أن العالم قرية واحدة ولإبراز الدور المحورى الذى تقوم به مصر خصوصا فى المنظمات الدولية: الأمم المتحدة ومجلس الأمن.
فالعالم شاشة عملاقة تمتد من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، ومن أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، فيها نبش الماضي، وفيها الدماء والدموع والضحايا.
الولايات المتحدة منهمكة فى الانتخابات الرئاسية، وأوروبا  منشغلة بخروج إنجلترا من الاتحاد الأوروبي، والشرق الأوسط يحترق، وروسيا تسترجع قوتها، وأفريقيا غارقة فى مستنقع الديون.
لذلك فإن وجود الرئيس عبدالفتاح السيسى فى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة يعطى الفرصة ليعلن أين نحن من كل ذلك.