ابراهيم خليل
صرخة السيسى ضد الفساد
صرخة أطلقها الرئيس السيسى من أجل محاربة الفساد واسترجاع الأموال المهربة التى بلغت 134 مليار دولار، فى الجلسة الثانية لقمة العشرين التى انتهت أعمالها فى الصين الأسبوع الماضى.
الصرخة المدوية كانت بمثابة رسالة إلى رؤساء الدول العشرين وغيرهم من زعماء العالم، ومنهم الذين يتشدقون بالديمقراطية والحرية، وفى نفس الوقت فإن بلادهم هى الملاذ الآمن للتستر على الأموال المهربة من مصر.
وطالب الرئيس السيسى بضرورة أن تتضمن خطة عمل مجموعة العشرين استعادة الأموال والأصول المنهوبة التى تعانى منها بشكل خاص، وهى أهمية تطوير آليات متابعة حركات رءوس الأموال، وبخاصة تهريب الأموال من الدول النامية.
وكما نادى الرئيس السيسى رؤساء دول العشرين بشأن استرجاع الأموال المهربة، لفت جميع أنظار الدول لأهمية وضع قوانين تتسم بالشفافية والموضوعية لمنع استقبال بنوك هذه الدول الأموال المهربة من الدول النامية، على أساس أن من قاموا بتهريب هذه الأموال دائما وأبدا من كبار الفاسدين وأصحاب النفوذ أو من تحوم حولهم شبهات الفساد، مستغلين معاناة الشعوب المقهورة لجمع هذه الأموال وتهريبها ووضعها فى عدد من البنوك التى تكفل لهذه الأموال الحماية.
ويتوقع أن يكون نداء الرئيس السيسى محل دراسة فى كثير من الدول التى تقوم بنوكها باستقبال الأموال المهربة.
وفى نفس الوقت، ستنشط الأجهزة المصرية المعنية باسترداد ومتابعة هذه الأموال فى عدد من الدول المتخمة بالأموال المصرية المهربة ومنها سويسرا وقبرص وإسبانيا وعدد من دول الاتحاد السوفيتى السابق. خصوصا أن إحدى المحاكم السويسرية قد أعطت السلطات المصرية فرصة جديدة لاسترداد الأموال المهربة.
فالمطلوب من رجال مجلس الوزراء ورجال القضاء المصرى والأجهزة الرقابية تكليف مكاتب محاماة كبيرة فى الدول المتخمة بالأموال المهربة لاتخاذ الخطوات القانونية المناسبة لاسترداد هذه الأموال، على أن تحصل مكاتب المحاماة الكبيرة على نسبة من هذه الأموال عند استردادها.
وهنا فى قلب القاهرة، كثير من المحامين المصريين الذين يتمتعون بالكفاءة الكبيرة والخبرة المشهود بها لدى المحاكم الدولية وعلى أتم استعداد لتقديم خبراتهم القانونية وعلاقاتهم الدولية لاسترداد هذه الأموال بشرط أن تقوم الحكومة بتكليفهم بهذه المهمة الوطنية وأن يتم تقديم جميع المعلومات عن الأموال المهربة وأصحابها حتى تكلل جهودهم بالتعاون مع رجال القضاء والنيابة المصرية بالنجاح والتوفيق فى استرداد مليارات الدولارات.
وترتيبا على نداء الرئيس السيسى لدول العالم لاسترداد الأموال المهربة انتاب عددا من أصحاب هذه الأموال سواء فى داخل مصر أو خارجها حالة من التوتر أدت إلى قيامهم بسحب بعض الأموال المهربة بحجة القيام باستثمارات وإيداعها فى أماكن وبنوك مجهولة.
وكثير من الناس طالبوا بتكثيف محاربة الفساد فى الداخل باعتبار أن عمليات تهريب الأموال تبدأ من داخل مصر ويتم تهريبها بطرق ملتوية إلى مختلف دول العالم التى تقبل إيداع هذه الأموال وتوفر لها الضمانات بالحفاظ على سرية البيانات.
لذلك تزداد المطالبة بمحاربة الفساد بكل أشكاله بعد أن أصبح الفساد أقوى من أى شيء، فهو بالمال يشترى النفوذ بكل أشكاله ويكنز الثروات بالكسب الحرام على حساب الفقراء والمعدمين، ولا تستطيع أن تقترب منه يد الحكومة.
والأمور تسير بالتوافق ليعيش الفساد والإرهاب تحت سقف واحد، فالإرهاب بدون مال لا يستطيع أن يفعل شيئا، والإرهاب يوفر بيئة خصبة للفساد ويتعايش معه، لأن الفساد يوفر للإرهاب الحماية.
ماذا يعنى هذا الكلام؟
بكل بساطة يعنى أن الفساد أقوى من أى قوى أخرى، وإلا فكيف نفسر عدم تقديم كبار الفاسدين للعدالة؟ خصوصا من اشتروا الأراضى بالملاليم وباعوها بالملايين، ومنهم من حصل على أراضى محافظة بالكامل بتراب الفلوس، ومنهم من اشترى المساحات الكبيرة للزراعة ثم باعها كمنتجعات سكنية.
كل هذه الأمور محل تساؤل من الناس الذين بدورهم يسألون ولم يجدوا جوابا:
هل يجوز فى هذا الوقت ألا تكون هناك قدرة على مواجهة وكشف الفساد؟
سنبقى نتساءل بشأن فتح ملفات الفساد العالقة. ومن جديد نعلق الآمال على فتحها لأنه لا خيار أمام الحكومة سوى المحاولة مرة أخرى رغم الصعوبات وتغلغل الفساد فى معظم المؤسسات.
المطلوب التطهير باعتبار أن الفساد هو الإرهاب والإرهاب هو الفساد. وأبرز نقاط ضعف هذه الحكومة عدم مواجهة الفساد وبتره، والضمانة الكبرى لإحساس الناس بالأمان هو قطع دابر الفساد، وبمجرد إحساس الناس بأن الدولة تطارد الفساد سيشعرون بالجدية والثقة فى كل أجهزة الدولة.
وحلم الناس ليلا ونهارا أن تدق ساعة محاربة الفساد، وتنتهى تبعات الفساد وأبرزها غياب العدالة الاجتماعية.
وليس بعيدا عن الفساد ما جرى الأسبوع الماضى من وقوع حادثتين مروعتين فى يومين متتاليين، الأولى تصادم طريق الواحات الفرافرة، حيث تجاوز عدد ضحايا الحادث 22 قتيلا من العاملين بإحدى مزارع واحة الفرافرة، والذين لقوا مصرعهم فى حادث مأساوى نتج عن تصادم سيارة ميكروباص مع سيارة نصف نقل بالقرب من نقطة الكيلو 70 نتيجة السرعة الزائدة.
والحادث الثانى انقلاب قطار العياط، نتيجة تحويل مسار القطار بالخطأ من «السكة الطوالى» إلى «سكة التخزين» بمحطة البليدة بشكل مفاجئ أثناء سيره بسرعة تزيد على 100 كم، مما أدى إلى التصادم بالصداد الخرسانى للمحطة واختراقه.
يأتى هذان الحادثان بعد أسابيع قليلة على وقوع حوادث مشابهة لهما فى عدد من المحافظات، ولم يتحرك أحد للحيلولة دون تكرار مثل هذه الحوادث.
كما أن هذه الحوادث جاءت إثر تحذيرات متكررة من عدد من خبراء المرور ولم يبادر أى مسئول بتشكيل لجنة من خبراء الطرق والهندسة لمنع تكرار مثل هذه الحوادث وهو صنف من أصناف الفساد.
لا بد أن تنحصر أو تتقلص مثل هذه الحوادث، لكن اللا مبالاة والإهمال يؤديان فى النهاية إلى تكرارها وتعددها، حتى إن الخبراء يتوقعون وقوع كارثة فى أى لحظة بمن فيهم وزراء النقل السابقون وحتى الوزير الحالى.
والسؤال الذى يطرح نفسه هنا:
متى يتحرك المسئولون لتفادى هذا الواقع الذى يبدو أنه لا مفر منه؟
هل عند وقوع الحادثة أو الكارثة؟
وهل تعى الحكومة هذا الواقع الذى يتفاقم بأسرع مما يتصور البعض؟
ونكرر:
إن ما حدث من كوارث أو حوادث هو بمثابة جرس إنذار. فهل ينتبه المسئولون إليه أم أن آذانهم صماء؟
وأن الفساد بصوره الكبيرة سواء الكسل أو اللا مبالاة سيعشش فى عقول وتصرفات مسئولى الطرق.
مطلوب التحرك الفاعل قبل فوات الأوان.
فهل من صاحب ضمير يوقف الزحف نحو حوادث الطرق والقطارات بعيون مفتوحة؟
يجب العمل لتجديد شبكة السكك الحديدية المتهالكة، ونقل التكنولوجيا الحديثة من دول العالم المتقدم.
السكك الحديدية مشروع حيوى وقومى، ولا بد من الابتعاد عن الشركات الصينية فى شبكة الطرق الحديدية لعدم امتلاكها الخبرة الكافية والباع الكبير فى هذا المجال.
لا نريد أن يهان الناس إذا طالبوا بالقضاء على الفساد المتمثل فى حوادث الطرق والقطارات.
وفى نفس السياق يأتى مدرسو التعليم، فالراتب الضعيف إهانة للمدرس وأيضا للتلميذ إذا ذهب إلى المدرسة ولم يجد أستاذا يعينه، ويهان إذا بقى فى المنزل لأن أستاذه لا يتقاضى الراتب المناسب.
هل فى خيال الحكومة أن تحل مثل هذه المشاكل بكل جرأة وشفافية، أم تصارح الرأى العام وتجاهر بالحقيقة المرة وهى أنها لا تستطيع أن تمتلك الأدوات المناسبة والعملية لمواجهة صور الفساد؟
إن معاناة الناس تزداد فيما لا تقوم الحكومة بمعالجتها، ورغم كل الصور السوداء التى فرضت على الناس من الفساد فإنهم متمسكون بالمواجهة والتحدى، وهما أهم شروط تقدم الأوطان.







