ابراهيم خليل
إقرار الذمة المالية لخالد حنفى
الاقتصاد السليم هو الذى يجعل الحكومة والشعب فى وضع مريح، أما إذا تم اجتزاء هذه المعادلة بمعنى أن تستريح الحكومة على حساب الشعب أو يستريح الشعب على حساب الحكومة فهذا يعنى أن شيئا ما غير صحيح من ناحية الحكومة باعتبارها السلطة التنفيذية.. نحن نعيش وسط سلة مثقلة من الضرائب، منها ما هو منظور ومنها ما هو غير منظور.
النوع الأول من الضرائب الذى وضعته الحكومة، وهو ما يطلق عليه القيمة المضافة وهى ضرائب باهظة ولا أحد يعلم عنها أى شيء سواء كانت هى بديلة لضريبة المبيعات أو إضافة على ضريبة المبيعات.
أما الضرائب غير المعلومة فما أكثرها، سواء عند دخولك أحد المطاعم أو شرائك أطعمة أو سلعة استهلاكية أو خدمات عامة. لا تعلم شيئا عن هذه الضرائب ومحدداتها ومبرراتها أو أسبابها، كأنها سر لا يسمح لأحد بالاطلاع عليه. وعلى المستهلك أن يدفع الفاتورة التى تأتيه بدون مناقشة أو معرفة الأسباب.
الكل يشكو من كثرة هذه الضرائب، حتى إن البعض يتندر بأنه سوف تفرض ضريبة على الهواء الذى نتنفسه!
كل هذه الأشياء تأتى نتيجة غياب المعلومة الصحيحة، وهو ما يؤدى إلى قيام البعض بممارسة التهويل كأن قيامة الضرائب وارتفاع الأسعار ستأتى بعد دقائق.
والبعض الآخر يلجأ إلى التهوين وكأننا نعيش فى أجواء الرفاهية والرخاء، وما بين هذا وذاك يضيع الفقراء فى تحصيل الضرائب على التجار والأغنياء ..والبعض منهم يجد المخارج أو الثغرات فى التهرب الضريبي.
والسؤال الذى يطرح نفسه: لماذا لا تغلظ الحكومة العقوبات الخاصة بعملية التهرب الضريبي، خصوصا من التجار ورجال الأعمال؟
فالحكومة لا تستطيع حتى الآن أن تصل بأيديها ووسائلها إلا إلى موظفى الدولة وتستقطع الضرائب من المنبع قبل أن يحصلوا على رواتبهم الشهرية، أما التجار وبعض رجال الأعمال فلا تستطيع هذه الحكومة الوصول إلى تحصيل حق الدولة منهم. ودائما تشكو من نقص وعجز الموارد.
أخطر ما نراه فى عملية تحصيل الضرائب هو أن لا شيء فى أيدى الحكومة تستطيع من خلاله تحصيل الضرائب، خصوصا فى عدد من المجالات منها تجارة السلع الغذائية والسلع الاستهلاكية وتجارة الخضراوات والفاكهة.
كل شيء أصبح فى أيدى التجار وبعض رجال الأعمال وليس بعيدا عن هذا النطاق ما أثير مؤخرا عن علاقة وزير التموين المقال ورئيس اتحاد الغرف بالإسكندرية أحمد الوكيل باعتبار أن الوزير هو الذى يصدر القرارات التى تتحكم فى الأسواق وعملية استيراد السلع وتصديرها، خصوصا سلع الأرز والسكر والقمح والتونة.. وهو مجال عمل أحمد الوكيل، وهذه السلع تربح بالمليارات وليس بالملايين، ومع ذلك فمصلحة الضرائب غائبة عن تحصيل حق الدولة فى هذه المبالغ المهولة مع إغماض العين عن علاقة المصاهرة والعمل ما بين وزير التموين ورئيس اتحاد الغرف التجارية.
وليس أمرا عاديا أن يقوم الوزير المقال بدفع فاتورة لأحد الفنادق بمبلغ 7 ملايين جنيه حتى لو كان من ماله الخاص، فهو يتقاضى راتبًا لا يتجاوز 30 ألف جنيه، ويدفع فى الشهر للفندق 80 ألف جنيه.
فمن أين يكمل هذا الفرق بين الراتب وما يدفعه للإقامة فى أحد الفنادق، فالكل يتساءل: لماذا لا يعلن الوزير السابق عن مفردات ذمته المالية، وإقرار الذمة المالية الذى قدمه للكسب غير المشروع عندما تولى منصب وزير التموين؟ وماذا حدث لثروته التى قدمها فى إقرار الذمة المالية سواء بالارتفاع أو بالانخفاض؟!
فالمعلومات الحقيقية هى التى تظهر الحقيقة الواضحة فيما نحن فيه من جدل كبير بين ما يردده الوزير السابق وما يقال فى مجلس النواب.
فكيف لصاحب معاش لا يزيد على 800 جنيه أن يستوعب هذا الرقم، أو أن أسرة دخلها 2000 جنيه أيضا تتعامل مع هذا الموقف أو هذا الرقم الذى أصبح مثار جدل ووجع وألم فى كثير من الأسر المصرية التى تكتوى بنار ارتفاع الأسعار؟!
ولا حاجة إلى تذكير الجميع وعلى الأخص الحكومة من ضرورة نشر ثقافة المشاركة والمحاسبة لإشراك المجتمع كله فى قضايا الوطن للم شمله والوقوف صفا واحدا وراء المشروعات الكبرى التى يبذل فيها كل جهده الرئيس عبدالفتاح السيسي، لتتم فى أقصر مدة ممكنة وتصب ثمارها وإنجازاتها فى مصالح الفقراء ومحدودى الدخل مباشرة.
ورغم ما يبذله الرئيس عبدالفتاح السيسى من جهود جبارة فى المشروعات القومية الكبرى فإن هذه المشروعات لا تستطيع الحكومة تسويق إنجازاتها لأنها تفتقد الرؤية والأدوات التى عن طريقها تقوم بشرح أهمية ومردود هذه المشروعات.
وإذا كانت هذه الحكومة جادة فى الإصلاحات الاقتصادية فعليها أن تصارح الناس ببرنامج الإصلاح الاقتصادي، سواء مزايا هذا الإصلاح أو معاناته. وعلى الأخص المصارحة بهذه المعاناة وكم ستستغرق من الوقت، وفى أى سلع ستكون فيها هذه المعاناة. على أن تحدد مدة هذه المعاناة باليوم وبالساعة وبالدقيقة. وأهمية هذه المعاناة فى تحقيق التحسن الاقتصادى حتى يكون الناس على بينة ووعى كامل ليكون رد فعلهم هو الوقوف وراء برنامج الإصلاح الاقتصادي، مادامت هناك شفافية وموضوعية من جانب عرض برنامج الإصلاح الاقتصادي، خصوصا ما سيترتب عليه من معاناة ومدة هذه المعاناة وفى أى السلع التى ستتم فيها هذه المعاناة.
جربنا اللف والدوران على الناس، جربنا التحايل فى إنقاص وزن السلع مع بيعها بسعرها القديم، جربنا التحايل فى أشياء كثيرة، ولكن الشيء الوحيد الذى لم نجربه هو الموضوعية والشفافية وتعريف الناس بالحقيقة الكاملة، حتى يتكاتف الناس ويقفوا صفا واحدا وراء كل المؤامرات التى تحاك ضد الوطن والرئيس.
وليس بعيدا ما يجرى بالنسبة لسوق العملات، وعلى الأخص الدولارات التى يتم تجميعها بكل السبل سواء فى الداخل أو الخارج حتى تركع مصر وتجوع.
ولكن المصارحة والمواجهة هى التأهيل الأول لوقوف الناس صفا واحدا.
وليس من المعقول أن يتحمل محدودو الدخل فقط معاناة الإصلاح الاقتصادي، لكن العدالة هى أن من يتحمل الأعباء والمعاناة من الإصلاح الاقتصادى هم الأثرياء والأغنياء حتى لا تكون الأعباء كلها على رأس محدودى الدخل.
الإدارة السيئة للحكومة إذا صح التعبير هى ضريبة غير منظورة، لأن قصر النظر يؤدى إلى نتائج سلبية وخسائر باهظة.
ولماذا لا تعكف الحكومة عن طريق وزارات المالية والاقتصاد والسياحة والداخلية والأجهزة الرقابية على وضع جدول بأسماء الذين حققوا ثروات غير مشروعة؟
إن وضع مثل هذه الجداول يغنى عن فرض ضرائب جديدة والتركيز على ضريبة الثروة غير المشروعة.
حان الوقت لأن تتوقف الحكومة عن استضعاف الناس، فأخطر ما نواجهه أن نصل إلى وضع يسير فيه هدف الحكومات تحميل كل الأعباء على الفقراء ومحدودى الدخل.
إننا نريد أن يتطور الخطاب السياسى من الأسوأ إلى الأحسن، فلكل مرحلة خطابها، لأن الآن لم يعد لكل مقام مقال، الأسوأ كان فى مرحلة الإسفاف والتجنى والتهجم الشخصي، ولا نريد أن نصل إلى الأخطر وهو التخوين وفرض المواقف.
والكل يعرف أنه لا طرف يستطيع إجبار الآخرين على قبول الأمر الواقع، فلابد من احترام القانون وعدم خرقه أو الالتفاف حول بنوده، فتطبيق القانون فى كل شيء وعلى الجميع يريح كل الأطراف، ويرسى قواعد وقيما يتشوق إليها كل الناس، لأنه فى مقدمة هذه القيم تأتى العدالة والاستقرار والقناعة والرضا.
نحن نقول هذا الكلام لأننا على أعتاب قفزة كبيرة ستنقلنا إلى وضع اقتصادى متميز، لكن هذا الوضع لن يتم إلا بالوحدة والمشاركة والشفافية والإجماع على أهداف تخص المصلحة العامة لكل المصريين.
إذا اعتمدت الحكومة هذه المعايير تكون قد وضعت حجر الأساس لبناء الدولة العصرية، خصوصا أنه خلال الشهور القادمة توجد بوادر انتعاش للسياحة، بخلاف استثمارات كبيرة ستأتى إلى مصر بعد أن تحقق فيها الاستقرار وأيقن العديد من دول العالم أن ما يجرى فى مصر هو نتيجة الإجماع الشعبى على هذه السياسات.
وكل يوم يجد الناس تحسنًا فى العديد من المجالات ويتذكرون (أيام ربنا ما يعيدها) كان الانفلات الأمنى يعم البلاد، والتوجس يسكن اليد والقلم والورق والأعصاب والدماء.
الوحدة المصرية يجب أن تضم الجميع ولا تستثنى أحدا، الوحدة مطلوبة اليوم أكثر من أى يوم مضي، لأنها لم تعد خيارا، بل باتت ضرورة حتمية، وأى تأخير فى تحقيقها هو طعن ليس فى الحاضر، بل فى المستقبل.







