الثلاثاء 17 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
الطريق الصعب

الطريق الصعب


حين تكون هناك تطورات سلبية لا يجوز إلا الإضاءة عليها بالانتقاد والمصارحة لتصويب الأخطاء. وحين تكون هناك تطورات إيجابية فمن الظلم التعتيم عليها والتشكيك فيها،  خصوصاِ عندما تكون إنجازات كأشعة الشمس تنير طريق المستقبل وتحرق بحرارتها المشككين وأعداء الوطن الذين يقومون بكل المؤامرات للتعتيم على هذه الإنجازات التى يحرص الرئيس السيسى على تحقيقها فى أقصر مدة. ويتخذ الرئيس السيسى  القرارات الصعبة لإنجازها متحملا كل المسئولية فى سبيل تحقيق هذه الإنجازات المتمثلة فى المدن الجديدة، وشق الطرق، وإقامة الصناعات الثقيلة كما جرى الأسبوع الماضى من إنشاء وتطوير مصنع البتروكيماويات بالإسكندرية، وغيرها من الإنجازات التى سترسم صورة المستقبل لمصر الجديدة، ضاربا عرض الحائط بكل ما يحاك وما يقال من أن هذه المشروعات مكلفة وكان لابد من استخدام أموال هذه المشروعات فيما يخص المشروعات سريعة الربح أو الأشياء الاستهلاكية التى تكون بمثابة مسكنات للحصول على رضا بعض الناس.

إلا أن الرئيس السيسى اتخذ الطريق الصعب وهو بناء المستقبل، ألا وهو الصناعات الثقيلة والمدن الحضارية الكبيرة، والنقلة الكبيرة فى شق قناة جديدة وما يحيطها من مشروعات مستقبلية ستكون فيها مصر بمثابة دولة من الدول المحورية الكبيرة.
فالرئيس السيسى لا ينظر إلى الخلف، فهو صلب الإرادة، وحقق للمصريين فى خلال وقت وجيز  - سنتين - ما لم يتم تحقيقه على مدى ثلاثين عاما ماضية.
أهم ما يتمتع به الرئيس السيسى هو الاختيار الصعب واتخاذ القرارات الصعبة التى تحل مشاكل الناس على المدى القريب والمدى البعيد.
وفى هذا الإطار يثق الرئيس فى شعبه، ويبادله الشعب نفس الثقة.
وعندما طلب الرئيس السيسى خروج الناس للحصول على تفويض بمحاربة الإرهاب نزل الناس إلى الشوارع وفوضوا الرئيس فى محاربة الإرهاب، فالثقة بين الشعب والرئيس متبادلة، لذلك كان القول الفصل الذى أكده الرئيس فى افتتاح مصنع البتروكيماويات أنه لن يتردد فى اتخاذ القرارات الصعبة.
بين الأسبوع الماضى والأسبوع الحالي، انقلبت أمور من أقصى درجات السلبية إلى أقصى درجات الإيجابية.
بالنسبة إلى الانتقادات التى وجهت لاتفاق صندوق النقد الدولى مع الحكومة المصرية، بأن الصندوق سيفرض شروطه على مصر حتى اتضحت الحقيقة وأكد صندوق النقد التزامه بالشفافية وأنه لا يفرض شروطا لإقراض الدول.
وقال مصدر رسمى باسم الصندوق عبر موقعه الإلكترونى، إن القرض الذى ستحصل عليه مصر وقيمته 12 مليار دولار، يدعم برنامج الحكومة المصرية للإصلاح الاقتصادى الشامل. وأشار الصندوق إلى أن كل دولة تحدد المسار الذى يناسبها فى التعامل مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
والأهم من ذلك والذى غاب عن كثير من المراقبين والمحللين أن اتفاق صندوق النقد الدولى مع مصر هو بمثابة شهادة من الصندوق على أن الإصلاحات الاقتصادية تسير بشكل طبيعى وسليم.
والسؤال الذى يطرح نفسه:
هل ستنام الحكومة على خلفية الإنجازات التى يحققها الرئيس أو اتفاق الصندوق، أم ستتحرك فى اتجاه تحقيق المزيد من الإصلاحات التى تصب مباشرة فى صالح الناس؟
فالملفات التى تحتاج إلى عمل وجهد وإنجاز عديدة ومتراكمة، سواء على المستويات الحياتية أو المعيشية أو الاجتماعية.
والملف الأهم بين كل هذه الملفات هو الارتفاع الجنونى فى الأسعار، والحكومة غائبة عما يحدث فى الأسواق، لا رقابة، ولا محاولة لإحداث توازن. وتترك الناس فى محرقة ومطحنة الأسعار، سواء فى السلع الغذائية أو الخضراوات والفواكه، فكل شيء مباح فى الأسواق إلا شيئا واحدا وهو الغلاء الذى يرتفع بصورة جنونية يوما بعد يوم، رغم أن حلقات البيع والشراء معروفة لكل الناس بدءا من المزارع الذى يسلم الحصاد سواء كان خضراوات أو فاكهة إلى تاجر الجملة، ثم تاجر التجزئة، ومن خلال تاجر التجزئة يتم طرح السلع فى الأسواق.
وعندما تسأل المزارع عن سعر الكمية أو السلعة التى يبيعها إلى تاجر الجملة تجد أن سعرها بالنسبة إلى السعر الذى يشترى به المستهلك فارق جنوني، فالمزارع يبيع السلعة بجنيه واحد للكيلو بينما يشتريها المستهلك بمائة جنيه.
فتاجر الجملة وتاجر التجزئة يتربحون أكثر من 300 : 400 % على حساب المستهلك.
بل الأدهى من ذلك أن هناك تقسيماً يقوم به التجار، وهو سلعة «أ» تباع فى الأحياء الراقية بأسعار جنونية، وسلعة «ب» تباع فى بعض الأسواق القريبة من الأماكن المتوسطة، وسلعة «ج» تباع فى المناطق الشعبية.
المثير أن بعض أهل الريف قد كسروا هذه الحلقات، ولم تنتبه إليهم الحكومة، وهى أنهم قد أجروا سيارات وحملوها بالسلع الغذائية والخضراوات والفواكه، ويقفون على نواصى الأحياء ليقوموا ببيع هذه المنتجات بأرخص كثيرا عما يباع فى الأسواق.
ولم تنتبه أو ترصد الحكومة ما يقوم به هؤلاء المزارعون من حلول بسيطة لكسر عملية جنون الأسعار، وقد يتعرضون إلى مشاجرات وأحيانا تصل إلى الضرب المبرح من جانب تجار الجملة والتجزئة الذين يريدون احتكار كل شيء، ويحدث كل ذلك بعيدا عن أى حماية من الحكومة.
فدور الحكومة غائب فى كل ما يجرى فى عمليات ارتفاع وجنون الأسعار.
نفس الأمر يحدث مع اللحوم والدجاج، ولكن الاختلاف الوحيد هو أن الحلقة الوسيطة فى اللحوم والدواجن هى التى تتحكم فى الأسعار ومن ثم الأسواق، بخلاف التجار المحتكرين لهذه السلع، فعدد من هؤلاء التجار يجلسون يوميا وأسبوعيا ويحددون ويتفقون على السعر الذى سيتم طرحه فى الأسواق على أنهم يلتزمون بهذا السعر لتحقيق الاحتكار والمكاسب الكبيرة التى تدخل جيوبهم هم فقط على حساب المستهلك والفقراء، وفى وقت سابق أعلنت الحكومة أنها ستشترى من المزارع المحاصيل لتوصيلها للمستهلك مباشرة ولم يحدث شىء.
الغريب أن دور المجمعات الاستهلاكية -كما هى العادة- غير مؤثر نظرا لأشياء كثيرة مثل المعاملة السيئة، وسوء العرض.
إن ما تقوم به القوات المسلحة من عرض السلع الاستهلاكية فى قلب الأحياء الشعبية هو بمثابة أمل يحيا عليه البسطاء، ولكننا نطالب بتكثيف هذه السيارات العملاقة التى تذهب إلى الأحياء الشعبية لطرح السلع بأسعار فى متناول الجميع، ويقبل عليها الناس مهللين فرحين باعتبارها الإنقاذ لهم من جنون أسعار الأسواق والاحتكار.
العجيب والغريب أن ثورة التكنولوجيا العلمية لم تتدخل حتى الآن فى إيصال السلع الغذائية والخضراوات إلى المنازل.
لماذا لا يتم تفعيل الثورة التكنولوجية من أجل خدمة المناطق الفقيرة والشعبية، وكسر الاحتكار.
إن وزارة التموين تملك معلومات عن الاحتكار والمحتكرين وكشوفا لجميع التجار، ومع ذلك تقف مكتوفة الأيدى عن اتخاذ أى إجراءات، وكأن على رأسها بطحة تخاف أن تقترب من أى محتكر حتى لا يظهر هذه الوصمة.
وعلى سبيل المثال ما جرى فى ارتفاع أسعار الأرز، وما قيل فى اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب عن محتكر هذه السلعة وصلة القرابة التى يتمتع بها مع أحد المسئولين.
الإحباط واليأس اللذان يضربان جزءا كبيرا من المصريين يجعلونهم يتعاطون وللأسف بلا مبالاة مع كثير من الأحداث أو القرارات التى يتم اتخاذها لمصالحهم الخاصة، لأن المواطن فى يومياته غير مهتم وغير معنى بالانشغالات والإلهاءات التى تشغله بها الحكومة، كما قيل مؤخرا عما يسمى بالحوار المجتمعي.
وحتى يكون هذا الحوار مجديا ومفيدا وعمليا، بالنسبة لما أعلنه رئيس الحكومة من أن هذا الحوار سيتم على موضوع ارتفاع الأسعار، فهذا الحوار لابد أن يبدأ من النجوع والكفور والقرى فى صعيد وريف مصر، ثم ينتقل إلى المحافظات بأحيائها الشعبية، وتكون المحصلة لهذا الحوار فى أيدى الخبراء المختصين ليتلوه بعد ذلك الجلوس مع التجار سواء كانوا تجار جملة أو تجزئة، ثم الإلمام بمعلومات عن الأسواق وما يجرى فيها، وتذهب محصلة هذه الحوارات المجتمعية إلى مجموعة متخصصة من الخبراء لينتهوا إلى توصيات عملية وموضوعية يقوم باتخاذها رئيس الوزارء.
لكن أن يبدأ رئيس الوزراء حواره مع الصحفيين فهذا شيء عجيب.
إن من يتألمون ويحرقون بالأسعار هم المستهلكون الذين يملكون المعلومات، لاحتكاكهم اليومي.
لابد من إيجاد رؤية وآلية تكون محصلة نهائية للحوار الذى يجرى مع المستهلكين الذين هم من يكتوون بنار الأسعار.
ليست العملية بهذه السهولة: جلسة ونقاش وانتهى الحوار وبروباجاندا وميكروفونات.
لابد من حلول عملية تريح وتصب فى مصلحة الناس.
المواطن يكاد يصل إلى درجة الانفجار، ولكن هذا الانفعال لا يكفي، فالمطلوب إجراءات وخطوات على كل المستويات، من حكومية ونيابية وشعبية.
لماذا لا يتقدم عدد كبير من النواب باستجواب ومواجهة مع رئيس الحكومة حول مسألة الاحتكار وارتفاع الأسعار. وإذا لم يقتنع النواب بجواب الحكومة - هذا إذا أجابت - فليحول سؤاله إلى استجواب.
إن العمل الحقيقى للحكومة هو تسهيل أمور الناس وتسييرها، فيما الواضح أن النتيجة هى عكس ذلك.
وما ينطبق على ارتفاع أسعار السلع الغذائية، ينطبق على سائر السلع. والمشكلة الحقيقية أنه ليس هناك شىء اسمه مصلحة حماية المستهلك بالمعنى الحقيقي.
فأين هذه المصلحة فى مراقبة الأسعار المندفعة بجنون دون حسيب أو رقيب، ونحن على أبواب عيد الأضحى الذى ما إن علم التجار والمحتكرون باقترابه حتى ارتفعت أسعار اللحوم بجنون.
هل تعلم الحكومة أن سعر الدواء الواحد يتفاوت من صيدلية إلى صيدلية؟
ثم من يراقب الأقساط المدرسية ونحن على أبواب العام الدراسى الجديد؟
إن الحكومة يمكن أن يطلق عليها أكثر من توصيف: فهى من ناحية عاجزة، ومن ناحية أخرى متواطئة. ثم إنها تغض النظر عن المحتكرين. إضافة إلى أنها فى بعض الأحيان لا تخشى المحاسبة.
فهل نحن فى حكومة تراقب وتحاسب أم فى حكومة قضاء وقدر؟