ابراهيم خليل
نحيطكم علما: البلد فيها 1000.000 حسين سالم
حققوا ثروات ضخمة، ولكن ماذا سيفعلون بها؟ ما هى وجهة صرفها؟ هل من قدرة على التصرف بها؟
أسئلة مهمة تفرض نفسها على خلفية المبلغ الذى تصالح به حسين سالم مع الدولة.
اجتاحت مصر فى الخمسة عشر عاما الماضية موجات متلاحقة من الإثراء غير المشروع، وأخذت الأرقام المتداولة تثير جدلا واسعا لدى معظم المراقبين وشرائح عدة من الرأى العام.
لكن أليس التمتع بالثروات أكثر أهمية من كسبها؟ ينطبق هذا التساؤل على بعض الذين سخروا أوقاتهم وصحتهم فى خدمة جمع المال، لا من أجل خدمة الناس، بل من أجل أن يكون الناس فى خدمتهم. وأدت هذه المعادلة أو المقولة إلى تكوين ثروات طائلة من الأموال، وفى نفس الوقت انهيار الطبقة الوسطى وإفقار الناس. ولكن قدرة الله فوق كل قدرة، وهو ما يطرح سؤالا مهما وقدريا ومأساويا: ما الفارق بين فقير لا قدرة له على تحقيق ثروة.. وبين ثرى لا قدرة له على التمتع بالثروة؟
عدد كبير ممن جمعوا ثروات من استغلال النفوذ لم يؤهلوا أنفسهم أو يرتبوا تقاعدهم بشكل يسمح لهم بأن يستهلكوا ما جمعوه من أموال نتيجة استغلالهم لمواقعهم ومسئولياتهم.
لننظر إلى هؤلاء الناس الذين أحاطوا بمبارك.. أين هم اليوم؟.. وأين هى ثرواتهم؟.. وما الفارق بينهم وبين معدومى الحال؟.. وأيضا ماذا يفعلون بثرواتهم المسجلة إما بأسماء أبنائهم أو أقاربهم أو أصدقائهم الموثوق بهم أو مديرى مكاتبهم الذين كتبوا عليهم أوراقا ومستندات حتى لا يستولوا على الثروات التى كتبت بأسمائهم.
لقد طارت ثرواتهم بسرعة تعادل السرعة التى جمعت بها.
أليست هى العدالة الإلهية التى تتحقق من تلقاء نفسها؟
اللافت فى مسألة الثروات أن الرأى العام لا ينتظر تقريرا ليكشف عنها، فهو لديه كل الحقائق وملفات التحقيق فيها من الأوراق عن الحسابات والثروات أكثر مما فيها من تفاصيل جرائم الاغتيال والتفجيرات.
مناسبة هذا الكلام ما أعلنه المستشار عادل السعيد مساعد وزير العدل لشئون الكسب غير المشروع بالانتهاء بصورة رسمية من التصالح مع رجل الأعمال حسين سالم المقيم خارج مصر هو وأسرته الحاصلين على الجنسية الإسبانية، مقابل تنازلهم عن 21 أصلا من الأصول المملوكة لحسين سالم وأسرته لمصلحة الدولة بقيمة خمسة مليارات و 341 مليونًا.
وقال المستشار عادل السعيد إنه صدرت بالفعل موافقة رسمية من مجلس الوزراء على اتخاذ إجراءات التصالح مع حسين سالم وأفراد أسرته، وأوضح أن التصالح يلزم حسين سالم وأسرته بسداد جميع المديونيات أيًا كانت أنواعها ومسمياتها التى تكون مستحقة على الأصول والممتلكات المقدمة منهم للتصالح والتى نشأت قبل تاريخ نقلهم للملكية.
وأضاف السعيد أن التصالح تضمن التزام وزارة العدل ممثلة فى جهاز الكسب غير المشروع بإصدار قرار بانقضاء الدعوى الجنائية بالتصالح فى الاتهامات المسندة إلى حسين سالم وأسرته، بتحقيق كسب غير مشروع، واستكمال الإجراءات اللازمة لإعمال أثر ذلك التصالح فى ضوء ما ينص عليه قانون الكسب غير المشروع.
وبمقتضى هذا التصالح يحق لحسين سالم وأسرته العودة إلى مصر دون أية ملاحقات قضائية.
بالمقاييس السائدة فإن ما جرى من تصالح بين الكسب غير المشروع وحسين سالم مقابل أكثر من خمسة مليارات جنيه يصنف بأنه قد وصل إلى حدوده القصوى.
وإذا كان حسين سالم سيدفع تلك المبالغ مقابل إسقاط الجرائم ورفع اسمه من قوائم الترقب والانتظار وعودته إلى مصر، فما هو حجم ثروته التى حققها من قربه من مبارك؟
وإذا كانت هذه هى ثروته، فما هو حجم ثروة مبارك وأولاده وأسرته وباقى المحيطين به مثل زكريا عزمى وصفوت الشريف وأحمد عز ورشيد محمد رشيد وفتحى سرور وغيرهم من شلة مبارك؟ وليس بعيدا عن قصص الفساد ماجرى فى قضية قصور الرئاسة.
وقد جاء فى خطاب للمهندس إمام عفيفى عضو مجلس إدارة المقاولين العرب من جهاز الكسب غير المشروع بمطالبته بأن يحدد الأعمال المنفذة تفصيلا وقيمتها والتى تخص كلاً من علاء وجمال محمد حسنى مبارك، وحسنى مبارك نفسه، أو أية أعمال أخرى والمستحق عنها المبالغ التى تطالب بها الشركة مثل فيلات شرم الشيخ وجمعية أحمد عرابى لكل منهم منفصلا، وكذلك بيان بسنة تنفيذ هذه الأعمال وأسباب قيام شركة المقاولين العرب بتنفيذها، وكذلك بيان بمستحقات الشركة عن هذه الأعمال تفصيلا وبيان المسدد منها ومن سدده وتاريخه والمستحق عنها، وعلى من تستحق، وسبب عدم السداد، وأسباب تأخر الشركة فى المطالبة بهذه المستحقات، كذلك موقف الأعمال المنفذة حتى تاريخه من بدء العمل وحتى نهايته. وأنه سبق لشركة المقاولين العرب أن خاطبت جهاز الكسب غير المشروع بوجود مستحقات مالية طرف جمال مبارك عن تنفيذ أعمال إنشائية لفيلا خاصة بشرم الشيخ واستحقاق مبالغ مالية تبلغ 6 ملايين و33 ألفًا و 710 جنيهات، غير متضمنة الفوائد القانونية للتأخير فى السداد.
إذا كان أحد رجاله قد دفع أكثر من خمسة مليارات لتسوية أموره وفى الطريق تسويات أخرى مع رشيد محمد رشيد وصفوت الشريف وزكريا عزمى وفتحى سرور وغيرهم من أصدقاء مبارك ونعيد مرة أخرى: ما حجم ثروة مبارك وابنيه وحاشيته؟
أين الأحلام والآمال التى انتظرها الناس؟
بماذا كوفئ الفقراء الذين تحملوا كل الأعباء؟
هل الفساد والشلل ومرض الكراسى أقوى من أى شيء؟
أسئلة بل صرخات فى داخل كل مصرى غيور على وطنه، ولا أجوبة إلا على طريقة المزيد من الشيء نفسه.
المسئول يسأل بدلاً من أن يجيب.
لا مجال للهرب من وأد الفساد والقضاء عليه.
فالناس تنتظر إجراءات شديدة ضد الفساد، ليس فقط التفتيش على الجمعيات الاستهلاكية، لكن نريد أيضا التفتيش على الثروات التى تتخطى المليارات ويبلغ عدد أصحابها أكثر من مليون شخص.
أين نحن من ذلك فى مناخ الأزمة؟
لماذا تضيع الفرص ونخلق الأخطار بأنفسنا وإلى أين نذهب فى حال ضاعت هذه الفرص المفتوحة أمامنا؟
ارحموا البلد والناس.
ليس فى مصر شيء اسمه الوقت الضائع، ولا شيء اسمه ترف اللعب فى الوقت الضائع، واللعب فيه أخطر الأنواع، وما أكثر اللاعبين الذين يكتشفون أنهم اللعبة، وما أقل الذين يحملون هموم الناس وهم فى موسم الحسابات الوطنية!
طرف يحصد ما ربحه سلبا أو إيجابا، وآخر يعترف أنه خسر شيئا وربح أشياء، وفى النهاية فإن الخاسر الأساسى هو الشعب.
ولكن من الصعب الهرب من سؤال ملح: كيف نخرج من الجمود؟
الجواب: العمل - تطبيق سياسة الثواب والعقاب . وقبل ذلك محاربة الفساد، لأن الفساد منتشر وقوى، والفاسدون يحمون بعضهم ولا أحد يستطيع الاقتراب منهم، فهم موجودون فى الدعم الذى لا يصل إلى مستحقيه، موجودون فى شراء أراضٍ حصلوا عليها أكبر من مساحات المدن وتسقيعها، موجودون فى تعطيل مصالح الناس، موجودون فى عدم العمل.
وإذا كنا لا نستطيع أن نقضى على الفساد نهائيا، نستطيع أن نقلصه أو أن نحد منه. وليس من المعقول أن يستمر هذا الفساد المزرى ولا من المقبول أن يكون هو الأزمة المستعصية فى عام الإنجازات، ولن يسكت الناس ولن يبقوا على من يقتل آمالهم وإغلاق الأبواب المفتوحة أمامهم.
إن ما يقوله رئيس الحكومة كلام عام، لا يحمل أى صفة من صفات الإنجازات.
هذا هو حال رئيس الحكومة، أما عن حال وزرائه أو أكثرهم فلا يتغير كثيرا باستثناء قلة قليلة تعمل، فإن معظمهم يتمحور جهده على ما يلى:
التفتيش فى ملفات الوزارة على الدعوات الموجهة من الخارج من وزارات أو هيئات أو منظمات لحضور مؤتمرات أو اجتماعات دولية فيعمد إلى الطلب من معاونيه إبلاغ المعنيين فى الخارج بأنه سيلبى الدعوة بصرف النظر عن أهميتها أو مردودها على وزارته أو البلد.
غالبية هذه الدعوات تكون شكلية أو بروتوكولية ولا نتيجة منها، لكن بعض الوزراء يرون فيها فرصة للراحة والاستجمام، فيوافقون عليها ويقومون بها ثم يعمدون إلى توزيع البيان تلو البيان عما قاموا به مع أنها لا تساوى شيئا!
تلك هى حال رئيس الحكومة وبعض وزرائه فأى أمل يرتجى منهم فى محاربة الفساد؟!







