ابراهيم خليل
الغلاء يتحدى حكومة «شريف»
هل يمشى الاقتصاد بكامل وعيه.. إلى الهاوية؟ هل هناك من يجر البلد إلى حروب صغيرة متنقلة؟ الفتنة الطائفية فى المنيا.. ارتباك سعر الدولار.. وارتفاع أسعار السلع الغذائية.. وفرض ضرائب جديدة كالقيمة المضافة..
هذا ما تنبئ به بعض التطورات والملفات المشتعلة، فما بدأ يحدث فى محافظة المنيا من فتنة طائفية يذكر بما كان يحدث من فتن طائفية أخرى فى عدد من الأماكن.
ويتزامن ذلك مع ارتفاع أسعار السلع الغذائية التى لا يتم استيرادها بالدولار، وهذا ما ينذر بانهيار الأسواق.
بالتأكيد ليست الظروف متشابهة، ولكن هذه النزعة القوية من التجار سواء كانوا تجار عملة أو تجار سلع غذائية أو تجار فساد، يقهرون الفقراء ويدوسون قدرتهم الشرائية ومن ثم عدم مقدرتهم على التعايش أو المعايشة، مما يضطرهم إلى مخالفة القانون وربما تحدث للتجار أنفسهم الذين لا يوجد لديهم ضمير أو نزعة وطنية.
هنا لا بد من السؤال: لماذا يقوم تجار العملة بنصب نقاط فى عدد كبير من المحافظات لتجميع الدولار ومن ثم تحريك أسعاره ورفعها على مدار الساعة؟
حتى إن نقاط تجميع الدولار فى الداخل لفتت أنظار الجميع إلى وجود أياد تدبر مؤامرة كبيرة على مصر لإضعاف قوتها حتى ينهار اقتصادها.
فما بالنا بما يجرى خارج الوطن من ترصد بؤر الإخوان فى السودان لشراء الدولار بأية أسعار حتى لا يدخل مصر، وهو ما تكشفه الأرقام التى يتم تحويلها من المصريين العاملين بالخارج إلى البنوك المصرية.
إن المراقبين يتوجسون مما يجرى، وليست مصادفة أن الأموال المحولة من الخارج قد تقلصت كثيرا.
لذلك تلقفت الحكومة ما يجرى وقامت بإجراء محادثات مع صندوق النقد الدولى تمهيدا للاتفاق معه خلال هذا الأسبوع على حصول مصر على قروض دولارية تبدأ بسبعة مليارات دولار.
وبمجرد الإعلان عن هذه المباحثات انخفض سعر الدولار بما يتجاوز 150 قرشا، بخلاف تحقيق البورصة مكاسب كبيرة، باعتبار أن اتفاق الصندوق مع مصر يعتبر بمثابة شهادة ثقة على قدرة الاقتصاد المصرى على تجاوز عثراته، وأنه ممهد لتحقيق نجاحات كبيرة.
لكن المشكلة الكبيرة هى ما يفرضه الصندوق من شروط تتعلق ببرامج الخصخصة ورفع الدعم عن السلع الأساسية.
فهل حكومة شريف إسماعيل لديها حلول للمحافظة على الدعم الذى يستفيد منه الفقراء؟ أو هل ستعوضهم عن هذا الدعم بما يسمى الدعم المادى؟، وما هى خططها فى هذا الإطار؟ أم ستظل هذه الحكومة يخرج منها الفشل والعجز؟ لأن القرارات التى ستقوم باتخاذها فى الأيام القادمة صعبة تتعلق بالشروط الخاصة بصندوق النقد الدولى والتى دائما وأبدا تتعلق بخصخصة الشركات العامة ورفع الدعم عن بعض السلع.
لم يعد أحد يجرؤ على اتخاذ هذه الإجراءات إلا بعد أن يحسب ألف حساب، لأن أى سعر سيتم رفعه على أى من السلع الأساسية سيتألم ويغضب منه الفقراء، خصوصا أنهم لا يستطيعون تحمل أى أعباء جديدة تتعلق برفع الأسعار.
إن متعة الفقراء تتعلق الآن بشيئين هما: كوب الشاى الأسود وأرخص أنواع السجائر أو تدخين الشيشة، وأصبح الآن هناك ثلاثة أنواع من الضرائب يتم فرضها على هذه السلع.
الأولى عند الإنتاج من المصنع، والثانية ما تسمى بضريبة المبيعات عند تداول السلعة بين المصنع والتاجر والمستهلك، والثالثة سيتم تطبيقها بعد موافقة مجلس النواب وهى القيمة المضافة.
هذه الضريبة الأخيرة قام التجار برفع الأسعار وكأنه تم تطبيقها كما يحدث فى الأسواق من رفع الأسعار بدون رقابة أو محاسبة، وهو شيء لا يصدقه عقل ولم يحدث أو فى أى من الدول التى تملك مؤسسات، فالرقابة على الأسواق غائبة أو غير موجودة، والتجار يفعلون ما يشاءون من رفع الأسعار.
لقد تركنا محدودى الدخل أمام بلدوزر الأسعار. بدون أى تحرك سواء من الأجهزة الرقابية أو من ذرة ضمير قد توقظ التجار الذين يتكسبون الملايين بل المليارات بمجرد إشاعة بأن ضريبة سيتم فرضها أو وجود نية لدى الحكومة لرفع الدعم.
لقد أصبحت الرقابة على الأسواق فى مكان والسياسة فى مكان آخر.
الرقابة لا تملك المعلومات للقبض على تجار السوق السوداء أو الذين يرفعون الأسعار بدون أى مبرر، والسياسة تقول إن الحكومة ستحافظ على محدودى الدخل وستمنع رفع الأسعار بشكل غير مبرر.
ونحن نشكر الله أن الذين يتولون الرقابة على الأسعار ليسوا من وزراء الحكومة وإلا تعرضت الأسواق لكارثة أكبر من كارثة رفع الأسعار.
المشكلة الأساسية ليست فى الدولار ورفع الأسعار ولكنها فى تجاهل الوضع العام الذى يعيشه محدودو الدخل.
وحال الناس عبر الانشغال بكرة القدم، فالأسواق قد شلها ارتفاع الأسعار، والتحجج بالدولار.
والأدوات الوحيدة التى تتحرك هى الألسنة التى هبطت بالحوار إلى تبادل الاتهامات بين البائع والمشترى، ووصلت إلى مستوى الردح.
فالرقابة على هذه الأسواق لا تعمل، ولا يعرف أحد كيف يمكن أن تعمل تحت الضغوط التى تجرى داخل هذه الأسواق من بلطجة واستغلال.
يذهب وزير تموين ويأتى وزير تموين ولا حل لمشكلة الأسعار، وعلى وجه التحديد السلع الغذائية والخضراوات والفاكهة.
كأن كل وزير يبدأ من نقطة الصفر، يذهب العاشق ويأتى المشتاق فى مواسم الفساد والرشوة وسرقة المال العام، كأننا فى عصر ما قبل الدولة والمراقبة والمحاسبة.
عدد كبير من المصريين يعيشون تحت خط الفقر. ومن الوهم القضاء على الفقر الاقتصادى والاجتماعى حين يكون السائد هو الفقر السياسى للوزراء الذين يسيرون عكس الاتجاه، ويتحدثون كثيرا دون دراية أو اطلاع على الملفات الخاصة بوزاراتهم.
وبدلا من أن يتجه الوزراء إلى العمل ولا سيما العمل الصامت يدلون بالتصريحات ونشر المواعظ، التى لا تشبع ولا تغنى من جوع.
إن هناك فعلا عملا حكوميا جادا، ولكن الناس تعبت تعبا شديدا من المماحكات وهم بحاجة إلى إنجازات تصب فى حل مشكلة الأسعار وارتفاع سعر الدولار.
والمصريون ليسوا بحاجة إلى مطولات إعلامية بنفس النمط، وإلا سنبقى فى جمهورية الثرثرة والكلام الذى لا طائل منه.
أكثر من ذلك، فإننا نحذر من المواسم التى ترتفع الأسعار فيها غالبا وهى عيد الأضحى المبارك ودخول المدارس والجامعات.
فهل استعدت الحكومة لمجابهة هذه المواسم؟
لماذا لا تعلن للناس عن هذه الاستعدادات حتى تطمئن قلوبهم ويكفوا بعض الشيء عن الصراخ؟
أسابيع قليلة تفصلنا عن عيد الأضحى ولم يتم طرح أى شيء لمجابهة الارتفاع المتوقع فى أسعار اللحوم.
فالتجار وأصحاب المال لا يعملون وفق التوقيت السياسى، بل وفق توقيت أعمالهم ومشاريعهم.
على سبيل المثال لا الحصر: تجار اللحوم جهزوا أنفسهم لعيد أضحى واعد.
فماذا ستفعل الرقابة معهم؟
ارحموا الفقراء من نار الأسعار ومن العواصف التى تمر بها المنطقة، بل الزلازل والأعاصير.
قتل وذبح وحرق، ولا نعرف ماذا يخبئ الغد لهذه المناطق المحيطة ومنها تركيا، وما يقوم به تنظيم داعش فى فرنسا وألمانيا ويوثق أعماله بالصوت والصورة والفيديو ولا يستحى مما يقوم به.
وما يعنى من كل ذلك هو ضرورة تخفيف الأعباء عن محدودى الدخل والفقراء حتى يكونوا حائط صد ضد كل المحاولات الإرهابية لإحداث أى شيء داخل بلدنا.
تلك هى الصورة.
فبماذا تنشغل الحكومة.
بات مملا القول إن بعض الوزراء فى معارك يومية وأسبوعية مع بعض المحافظين أو مشغولين فى برامج التوك شو أو الإدلاء بالتصريحات والبيانات التى لا أثر لها.
عبارة تحصين الوضع الداخلى باتت تفقد معناها الحقيقى بعد التطورات المتسارعة الخاصة بالأسعار والدولار والاتفاق القادم مع صندوق النقد الدولى.
وعليه، فإن الأولوية اتخاذ عدد من القرارات، أهمها وقف استيراد السلع الترفيهية التى لا يحتاجها المواطن العادى وتستهلك الكثير من الدولارات، ولا تخدم سوى قلة مترفة من الناس، وضغط الإنفاق والاستعانة بمن يملكون الحلول غير التقليدية والانضباط والالتزام فى جميع مؤسسات الدولة.
الأهم مجابهة ومحاربة الفساد بكل صوره، سواء كان فى الاستيلاء على المال العام أو فى نهب الأراضى أو فى الرشاوى لتسهيل بعض الامتيازات.
ولتحصين كل بقعة فى مصر ضرورة الدفاع والمحافظة على محدودى الدخل وعدم السماح بتحميلهم أعباء جديدة.
تلك هى الآلية التى يمكن اعتمادها للخروج من الوضع المزرى الذى نعيش فيه، وما لم تتحقق هذه الآلية فإن الأوضاع ستذهب إلى الأسوأ، خصوصا أن كل المؤشرات تدل على أن تطورات المنطقة تتجه فى مسار تصعيدى وتصاعدى لا تهدئة فيه.
فإذا لم يكن فى استطاعتنا التأثير فى هذه التطورات فعلى الأقل لنحصن أنفسنا.
بكل شفافية وصراحة المواطن لديه مشكلة حقيقية مع هذه الحكومة وهى أنه لا يثق بها ولا بخطواتها. ولابد أن تستعيد ثقته.. فالساعة لن تعود إلى الوراء، ومصر لن تتنازل عن التقدم.>







