ابراهيم خليل
«بدر» اليوم فى عيد.. وبعد سنتين فى العشوائيات
لم تعد مواربة السياسيين تنفع، ولم يعد الكلام المنمق يجدى، ولم يعد بيع الكلام يفيد لشراء التفاؤل، ولم تعد المظاهرات تحضر كوبا من اللبن للأطفال، ولم تعد الاعتصامات تسدد قسطا لمدرسة، ولم تعد الأصوات العالية تهدد الناس أو تخوفهم.
كل هذه الأشياء أصبحت ماضيًا ولا تحقق شيئا، فالحقائق التى تتحدث على أرض الواقع هى العمل والإنجاز للقضاء على المشاكل التى يعانى منها الناس.
الآن أصبح الوقت الحقيقى أهم وأطول من الوقت الضائع، وهذا يعنى أن كل الأيام المقبلة ستتحول إلى أيام حقيقية منتجة ومنجزة لكثير من الآمال التى تحققت، بل إن أيام الإنجازات المقبلة ستكون السمة الأساسية بها هى تحقيق كرامة المصريين، والعدالة الاجتماعية، وهو ما ظهر جليا فى افتتاح الرئيس السيسى 32 مشروعا الخميس الماضى فى مجالات الإسكان والطرق والخدمات والبنية الأساسية.
وهذه الخدمات والمساكن تصب فيما يسمى بالإسكان الاجتماعى الذى يخدم الفقراء ومحدودى الدخل ويحقق لهم حلم حياتهم بأن يكون لكل واحد منهم شقة سكنية صالحة للإسكان الآدمى تليق بالكرامة وفى الوقت نفسه تتناسب مع قدرته المالية وتنقله نقلة حضارية هو وأسرته سواء كانت هذه الأسرة موجودة أو سيكوّنها فى المستقبل.
فالنظرة الغالبة لهذه المشروعات هى النظرة الاجتماعية.
واللافت فى كلمات الرئيس التى تبادلها مع القائمين على مشروع مدينة بدر ووزير الإسكان أنهم لا بد أن يحنوا على الناس.
وهذه الكلمة بالتحديد تتكرر على لسان الرئيس منذ أن كان يشغل منصب وزير الدفاع حينما قال إن الناس لم يجدوا من يرفق بهم أو يحنو عليهم.
وهاتان الكلمتان (الرفق والحنان) تدلان على كثير من المفاتيح الشخصية للرئيس. وعلى رأس هذه المفاتيح هو الإحساس بالآخر، خصوصا عندما يكون فقيرًا أو محتاجًا.
فالنظرة الاجتماعية التى تخرج من هاتين الكلمتين بكل بساطة هى مساندة الفقراء والضعفاء وحماية المهمشين.
ولذلك فإن الرئيس دائما ما يطلب سرعة إنجاز المشروعات التى تهم الفقراء والمهمشين فى أقل فترة زمنية ممكنة حتى تعود هذه المشروعات بالنفع على هؤلاء الناس الذين دائما وأبدًا يطالب بالرفق بهم والحنوّ عليهم.
ويبرز فى هذا السياق رقم 14 مليار جنيه، التى تم تحديدها لتشييد منازل لسكان العشوائيات، على أن يتم استيعاب هؤلاء الذين يسكنون العشوائيات ونقلهم إلى مساكن تليق بهم كمصريين خلال سنتين فقط وليس كما طالب وزير الإسكان بأن تكون ثلاث سنوات، لكن الرئيس أصر على أن تكون المدة سنتين فقط.
وتساءل الرئيس: كيف نترك أهلنا فى هذا الحال؟.. ويبدو أن هذا الحال هو ما يعيشون فيه الآن من تجمعات بشرية نشأت على أطراف المدن على مدار سنوات طويلة مضت أحياء عشوائية اكتسبت سكنى العشش والأكواخ وأحواش المقابر والمساكن الريفية على الأطراف.
وهذه التجمعات تفتقر إلى المرافق والخدمات الأساسية وتدنى مستوى المعيشة وانتشار الفقر والأمية وتدهور القيم والتقاليد، حيث تسودها سلوكيات اجتماعية مريضة وخطيرة تهدد استقرار الأسرة والمجتمع بأسره، ومن أهمها انتشار السرقة والبلطجة والعنف المتبادل والإتجار فى المخدرات وعمالة الأطفال، إلى جانب انعدام الأمن والخصوصية وزيادة معدلات الجريمة وتدنى مستوى الوعى الثقافى والتعليمى، بالإضافة إلى تدهور الأوضاع البيئية والأمنية.
وفى نفس هذا السياق، يتراوح عدد المناطق العشوائية ما بين 320 إلى 350 منطقة عشوائية، أبرزها تل العقارب وجبل عز بالسيدة زينب، وعزبة وهبة وحكر قشقوش ومحمد على بحى الساحل، وعزبة أبوحشيش بحدائق القبة، وحكر السكاكينى بحى الشرابية.
وهذه العشوائيات يتراوح عدد سكانها ما بين 850 ألف نسمة ومليون نسمة.
وقد وعد الرئيس سكان هذه المناطق العشوائية بأنه لن يمر عامان إلا سيكون لهم مساكن محترمة تنقلهم إلى العصر الذى نعيش فيه بعد معاناتهم التى استمرت سنوات ليست بالقليلة، وشقق تليق بمصر وشعب مصر.
الحوار الذى دار ما بين الرئيس عبدالفتاح السيسى ووزير الإسكان مصطفى مدبولى بضرورة توفير مساكن لسكان العشوائيات خلال عامين، وعدَّد الرئيس أماكن العشوائيات وأسماءها واستخدام تعبيرات (الحنو والرفق) بكل المصريين، وإصراره على أن يتم تدبير مبلغ 14 مليار جنيه لإنشاء مساكن لمليون شخص من سكان العشوائيات، وحل مشاكلهم وتوفير مساكن لائقة بهم كمصريين تتوافر فيها البنية الأساسية والخدمات الآدمية، ينقلنا إلى أواخر التسعينيات عندما افتتح الرئيس المخلوع حسنى مبارك أحد الكبارى وطلب بعض المرافقين له من المهندسين والاستشاريين من وزير الإسكان فى ذلك الوقت محمد إبراهيم سليمان بأن يطلب من مبارك ضرورة القضاء على العشوائيات ونقلهم لمساكن بها بعض الخدمات، رفض سليمان هذا الطلب وتدخل زكريا عزمى الذى كان يشغل فى ذلك الوقت منصب رئيس ديوان رئيس الجمهورية واحتد قائلا: إنكم تريدون العكننة على الرئيس قبل أن يسافر إلى شرم الشيخ، فأغلق الجميع أفواههم وتناسوا مطلبهم الخاص بالعشوائيات خوفا من زكريا عزمى ومحمد إبراهيم سليمان!
شتان بين موقف الرئيس السيسى الذى يطالب بإصرار بالحنو والرفق على المصريين ويتخذ الخطوات العملية لتحقيق ما ينادى به، بل يطرح أفكارا جديدة لتدبير المبالغ اللازمة لكى يتحقق على أرض الواقع ما ينادى به من إنشاء مساكن اجتماعية تكون بديلا عن العشوائيات وتليق بهؤلاء الناس الذين عانوا كثيرا.
لقد أصبح للمصريين رئيس بعد الزعيم جمال عبدالناصر يهتم بالمهمشين وسكان العشوائيات والمستضعفين والفقراء بشكل عام ليحفظ كرامتهم ويصون آدميتهم.
سقط سهوًا أن جميع من راهنوا على أن العدالة الاجتماعية لن تتحقق فى مصر، فهاهى مدينة بدر والاثنا عشر مشروعا التى افتتحها الرئيس الأسبوع الماضى للإسكان الاجتماعى قد خيبت ظنهم وأسقطت رهاناتهم، لأنه ثبت بالبرهان القاطع أن بعض خطوات العدالة الاجتماعية تتحقق بالإسكان الاجتماعى وكرامة المصريين فى الحصول على مساكن تليق بهم، وأيضا توفير المساكن للمليون إنسان الذين يعيشون فى العشوائيات خلال سنتين.
إن المصريين ورئيسهم هم أهل اعتدال، وإن المعادلة الصحيحة ليست رهانهم على الدولة فحسب، بل رهان الدولة عليهم وهم المصريون.
فلو لم تراهن الدولة على الرئيس السيسى لما نجت مصر من الإرهاب وما يجرى فى البلاد المحيطة بها.
لكن الاعتدال لا يأتى من فراغ، بل من القيادة، وهذه قيادة ممثلة فى الرئيس السيسى.
ومنذ نحو عامين وحتى اليوم يتأكد صلابة خياره فى الاعتدال، فكان فى كل موقف يخرج منه أقوى وأشد اعتدالا ومنحازا دائما للمصلحة العامة ولكل المصريين.
وكانت إشارته واضحة فى ضرورة أن تقضى كل مؤسسات الدولة على أى خلافات قد تنشأ، سواء فى الماضى أو ستنشأ فى المستقبل ولا يكون بينها أى اختلاف، باعتبار أن هدف الجميع هو المصلحة العامة وإعلاء شأن الوطن.
وهذه الكلمات رغم بساطتها وتلقائيتها فإنها تشير بشكل كبير إلى أن مشكلة نقابة الصحفيين مع وزارة الداخلية قد وئدت، وانتهت إلى أن يجلس الطرفان دون تدخلات من أصحاب المصالح والذين يتطلعون إلى لعب أدوار أو الحصول على مكاسب شخصية ضيقة.
الرئيس فى كل يوم وفى كل استحقاق يعالج قضايا ويطرح حلولا للمشاكل.
إنها القيادة التى تعطى ولا تأخذ إلا مزيدًا من الشعبية وحب الناس.
وستكون ثمار المشروعات هى الرد المباشر على كل المشككين ومروجى الشائعات، سواء كانوا أفرادا أو أنظمة ليس من مصلحتهم أن تكون مصر دولة قوية ودولة مؤسسات.







