ابراهيم خليل
فى ذكرى تحرير سيناء.. نداء عاجل إلى الجميع
«أسبوع الآلام» يمتد لشهور طويلة فى مصر، بعضها مَرَّ وبعضها الآخر لايزال أمامنا، وكلما تصورنا أننا نقترب من نور فجر جديد جاء من يغرقنا فى الظلام، ومن يمدد للآلام.
وكلما صرنا متعبين ومنهكين من الأثقال التى نحملها على أكتافنا، سواء فى المعاناة اليومية بارتفاع الأسعار وسوء الخدمات قيل لنا : «أهلا بكم فى استراحة اللهو فى الوقت الضائع».
ولكن ليس فى مصر شيء اسمه الوقت الضائع، ولا شيء اسمه ترف اللهو فى الوقت الضائع.
هناك وقت ضائع على مصر يضيعه الجدل العقيم والخلافات وفتنة الاختلاف واستخدام الألفاظ الخارجة مع من يختلفون معنا سواء كانوا وزراء أو أناسا عاديين.
واللعب فى الوقت الضائع هو أخطر أنواع اللعب، وما أكثر اللاعبين واللاهين الذين بعد وقت ليس بقصيريكتشفون أنهم اللعبة نفسها التى يتلاعب بها اللاهون سواء كانوا دولا خارجية أو متربصين من الداخل.
وما أقل الذين يحملون هموم الناس، لأن الذين يحملون هموم الناس دائمال وأبدا يعملون لحل مشاكل الناس سواء بالحلول أو بالنقاش حول إيجاد حلول.
ودائما حساباتهم هى المصلحة العامة مهما كلفهم الأمر، وهم لا يضعون أمامهم إلا الحسابات الوطنية الكبيرة وليست حسابات الدكاكين السياسية التى ترتبط بالأجندات الخاصة والغرب اللعين الذى لا يريد لمصر أن تتقدم خطوة إلى الأمام، بل تظل كما هى أو ترجع إلى الخلف، وله من الوسائل فى هذا الإطار الكثير، فتارة يستخدم إخوان الإرهاب وتارة أخرى يستخدم أصحاب الأجندات الخاصة، وتارة ثالثة يحرض على الفوضى مستخدما أصحاب النفوس المريضة ومعهم أصحاب النوايا الطيبة الذين تدوسهم ظروف الحياة الاقتصادية من ارتفاع الأسعار أو البطالة القاتلة.
فهناك من يحرض على الفوضى مستخدما بعض القضايا الوطنية كقضية جزيرتيّ «تيران وصنافير».
وقبل أن يحرض فى هذه القضية أو يشارك فيها يحسب ما يربحه سلبا أو إيجابا، وطرف يقف مكتوف الأيدى وكأنه يشاهد فيلما سينمائيا.. ودائما كل هذه المعارك والاشتباكات يكون الخاسر هو الوطن، والكل يعرف أن الخاسر أيضا هو الشعب، والضائع الكبير فى كل هذا الاشتباك والتحريض هو مشروع الدولة، فهو غائب فى الصراع المكشوف على المناصب والثروات والمكاسب العاجلة.
والتسليم بالواقع والعجز عن فعل أى شيء باستثناء الاتهامات المتبادلة يؤدى إلى زيادة المشاكل وانعدام البصر فى إيجاد حلول لما نحن فيه من قضايا.
وفى معظم الأحيان تحولت أعيادنا الوطنية إلى كوارث وطنية تعيد للأذهان أجواء الانفلات والفوضى وعدم الأمان وهو الشعور الذى انتاب الكثير من المصريين فى الجمعة الماضية أثناء بعض المظاهرات التى دعت إليها بعض القوى السياسية باسم «يوم الأرض» للاعتراض على ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية.
وخلت الشوارع فى مساء يوم الجمعة الماضى من الناس وأغلقت المحلات والمقاهى فى كثير من أحياء القاهرة، وكأن الناس خائفة من شيء ما وأن مشاعرها قد استعادت صورة الانفلات وعدم الأمان، أو كما قال بعض المحللين إنها صورة رافضة لهذه المظاهرات رغم أعدادها القليلة والتواجد المكثف للشرطة والتعامل بحرفية وضبط النفس مع عدد من التجاوزات.
وبعد غد الاثنين تأتى احتفالات مصر والقوات المسلحة بالذكرى الرابعة والثلاثين لتحرير سيناء «أرض الفيروز»، هذه البقعة المباركة من أرض مصر الطاهرة التى روتها دماء شهداء الوطن، وتوجت كفاح شعب عظيم صاحب أعرق الحضارات.
وتحظى سيناء بمكانة عظيمة فى قلب كل مصري، مكانة صاغتها الجغرافيا وصاغها التاريخ، وسطرتها بطولات ودماء المصريين وتضحياتهم لحماية هذه الأرض التى تعد البوابة الشرقية لمصر وحصن الدفاع الأول عن أمنها.
إنه ليوم عظيم، يوم تحرير سيناء الذى أثبت فيه المصرى أنه مقاتل عنيد، ومفاوض سديد، وحررتها أيدى أبنائها البررة من رجال القوات المسلحة البواسل، الذين وهبوا أنفسهم لله ثم الوطن، فكانوا أطهر الرجال وأشرف الشهداء.
يوم الخميس الماضي، احتفلت القوات المسلحة بهذه الذكرى العطرة ـ عيد تحرير سيناء ـ التى لها وجهان مشرفان :
وجه الفداء والتضحية والشهادة التى قام بها المقاتل المصرى لتحرير أرض سيناء.
والوجه المشرف الآخر هو معركة المفاوض المصرى أمام محكمة العدل الدولية، التى وقف فيها المعارض كالدكتور وحيد رأفت نائب رئيس حزب الوفد بجانب الدكتور مفيد شهاب وكثير من عظماء هذا الوطن سواء كانوا من المعارضة أو من المؤيدين، اصطفوا صفا واحدا مسلحين بالوثائق والحجج والبراهين القانونية مواجهين العدو الإسرائيلى بالعلم والثقافة القانونية، فضلا عن الوثائق التاريخية، ومنها ما فاجأ العدو الإسرائيلى كالخطابات التى أرسلها الجنود المصريون من أرض طابا، أو الخطابات التى تسلمها الجنود وهم يحمون أرض طابا لتأتى فى نهاية هذه المعركة التى استخدمت فيها كل فنون القانون، والتى سن فيها القانونيون المصريون سواء فى المعارضة أو الحكومة نظريات فى الأبحاث القانونية وحججا جديدة لم يفكر ولم تأت فى عقول أو تفكير الأعداء الإسرائيليين الذين تحدثوا عن أنفسهم أنهم عباقرة هذا الزمان.
ولكن عبقرية واصطفاف الخبراء والقانونيين المصريين استطاعت أن تفحم العدو الإسرائيلى وتستعيد أرض طابا إلى إحضان الوطن: مصر وأحضان سيناء، ويقف قانونيو العالم منحنين إجلالا وتكريما واعترافا بمهارة وعبقرية رجال القانون المصريين سواء كانوا فى المعارضة أو الحكومة.
ومن هنا جاءت دعوة الفريق أول صدقى صبحى ـ وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة ـ للمصريين بالالتقاء على كلمة سواء لكل مصالح الوطن، قائلا إن تحرير سيناء جسّد إرادة الشعب وعظمة أمة، وأكد قوة وصلابة قواتنا المسلحة ورجالها وإيمانهم بقدسية جهادهم ومسئوليتهم فى تحرير الأرض المقدسة فى سيناء واسترداد العزة والكرامة العربية.
ووصف تحرير سيناء بأنه «الصحوة الكبرى فى تاريخ العسكرية المصرية». وأكد أن مصر آمنة بإذن الله بقواتها المسلحة التى تتحمل مسئولية الحفاظ على أمن مصر القومى فى الداخل والخارج، ولن نتسامح أو نتهاون مع من يحاول استباحة أرضنا وينشر الفوضى على حدودنا. ولن نقبل بابتزاز أو ضغوط من أحد مهما كان.
هذه الكلمات، بل هذه الرسائل الواضحة الصريحة، قد جاءت فى وقتها، وكأنها على موعد مع الأحداث التى تحيط بمصر من كل جانب.
هذه الرسائل الصريحة الواضحة تؤكد أننا سنظل نعيش فى جو من الأمن والأمان ولن نتوقف عن الأمل ولن نفقد الرجاء، فمن الصعب الرجوع عما تحقق من إنجازات خلال عامين، والأصعب والمستبعد أن يتغلب الجمود على التغيير، لأنه لا مفر من بناء مشروع الدولة العلمانية، ولو تكاثرت الموانع والحواجز.
الناس تدفع الثمن لأية مشكلة أو كبوة يمر بها الوطن فى حين يستمر المتجادلون وأدعياء الوطنية فى الدوران حول أنفسهم، وكأن السياسة يمارسونها فوق مسرح مفتوح لتبادل الاتهامات ومغلق على أي حلول.
وأقل ما نحتاج إليه الآن هو نداء عاجل إلى الجميع : أيها السادة.. ارحموا البلد والناس وتبرعوا لنا بالصمت مادمتم عاجزين عن الاتفاق، تكرموا على البلد بالاصطفاف والوقوف صفا واحدا لاستعادة العافية الاقتصادية وتقديم حلول لمشاكل الفقراء.
هل هذا كثير عليكم؟
ربما.. لكن قليل بالنسبة لهذا البلد.







