ابراهيم خليل
زيارة الشقيق عند الشدة
دائما وأبدا يثبت خادم الحرمين الشريفين الملك (سلمان بن عبد العزيز) أنه رجل دولة من الطراز الأول ولا تؤثر فيه التحولات السياسية ولا يُضعف من عزيمته تبدل الظروف.
فزيارته لمصر-وطنه الثاني- جاءت فى وقتها، كأنها على موعد مع التاريخ الذى سيذكر أن الملك سلمان والرئيس السيسى قد أرسلا من القاهرة بلقائهما المهم والخطير أهم وأكبر وأخطر رسالة إلى شعوب ودول المنطقة بأن مصر والسعودية هما سفينة النجاة من كل الترتيبات التى تحاك لتفتيت المنطقة إلى دويلات صغيرة، فأجواء المحبة والمشاعر الأخوية الصادقة التى تحيط بزيارة الملك سلمان تمهد لاتخاذ القرارات الحاسمة بخصوص 35 ملفا للتعاون بين البلدين.
وهذه الزيارة أيضا بخلاف الملفات لها دلالات وأبعاد عديدة تؤكد أن العلاقة بين البلدين ليست خياراً وإنما مسألة مصير واحد لا يقبل المساومة.
وتأتى أيضا هذه الزيارة فى أوقات تعيش فيها المنطقة أزمات مشتعلة فى ليبيا، سوريا، اليمن، العراق، وهذه الأزمات تستوجب البحث عن وسائل علاجية لها بشكل دائم وليس تسكيناً لأعراضها فقط.
فما بين مصر والسعودية من علاقة يتيح الفرصة للوصول بالمنطقة إلى مجموعة من التسويات المناسبة لمعظم الأزمات القائمة.. خصوصا أن مصر دائما تؤكد فى جميع مواقفها أن أمنها من أمن منطقة الخليج، وعلى رأسها أمن السعودية.
والسعودية كذلك تؤكد أن أمنها من أمن مصر، وهذه ليست مجرد شعارات بل حقائق تؤكدها المواقف التاريخية الراسخة بين البلدين منذ توقيع اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والسعودية عام 1955 ومرورا بوقوف المملكة مع مصر فى أحداث تاريخية أبرزها إعلان السعودية التعبئة العامة لمواجهة العدوان الثلاثى على مصر، والتى من خلالها أبرزت مدى الشعور الوطنى والقومى الكبير بين الأمراء السعوديين فى ذلك الوقت وعلى رأسهم الملك سلمان الذى قاد فى عام 1956 مجموعة من أمراء العائلة المالكة للتطوع فى الجيش الشعبى السعودى من أجل التدريب على حمل السلاح والقتال فى مدن القنال دفاعا عن العروبة، وفى ذلك الوقت كان يكرر: «فى شبابنا كان جمال عبدالناصر مثلنا الأعلى فى الوطنية والقومية».
فالملك سلمان مصرى الهوى ويعتبر مصر وطنه الثاني، فالثقافة المصرية بكل أشكالها من موسيقى وغناء وسينما وأدب ضمن اهتمامه ومتابعته الكبيرة.
وعندما كان الملك سلمان أميرا لمنطقة الرياض وقت المقاطعة العربية لمصر بسبب معاهدة السلام التى عقدها السادات مع إسرائيل لم يقف مكتوب الأيدى أمام هذه المقاطعة نظرا لحبه الشديد لوطنه الثانى مصر، فبادر بإقامة معرض فى القاهرة تحت عنوان (الرياض بين الأمس واليوم) فى أرض المعارض زاره أكثر من 3 ملايين مواطن وافتتحه وقت ذلك الأمير سلمان.
وألقى كلمة كلها عاطفة ومحبة تجاه مصر وشعبها، وكان ذلك المعرض بداية وسببا لعودة العلاقات المصرية السعودية إلى مجراها الطبيعي.
كما أن الزيارة بالإضافة إلى أهميتها التاريخية والسياسية فإنها تعد مدخلا لضخ الاستثمارات السعودية فى شرايين الاقتصاد المصرى من خلال توقيع العديد من الاتفاقات فى مجالات النفط والتنمية والسياحة.
المفاجأة أن الملك سلمان سيضع خلال ساعات حجر الأساس لمدينة كبيرة للمبعوثين بجامعة الأزهر بتكلفة سعودية كاملة لتكون هذه المدينة بجانب مدينة البعوث الإسلامية التى تستضيف جميع طلاب الدول الإسلامية الذين يدرسون بجامعة الأزهر.
وفى نفس الوقت سيقوم خادم الحرمين بافتتاح الترميمات التى تحملت السعودية تكاليفها بالأزهر الشريف.
المفاجأة الكبيرة والتى إن دلت على شيء فإنها تدل على الرقى والتحضر ورحابة الصدر التى يتمتع بها خادم الحرمين وهى استقباله للبابا «تواضروس» الثانى بابا الإسكندرية وبطريرك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، بعد استقبال شيخ الأزهر مما يعكس أجواء المحبة ورسالة من خادم الحرمين لكل العالم بأن الإسلام دين محبة وسلام وتآخ بين الشعوب ولا يفرق بين شخص وآخر بسبب انتماءاته الدينية.
وهذه المقابلة الفريدة من نوعها والتى تتم على أرض المحبة والسلام، الأرض المصرية، تصحيح لبعض المفاهيم التى بثها الإرهابيون والإرهاب بدعوى أنهم مسلمون والإسلام منهم بريء.
وكخطوة تأتى زيارة الملك سلمان لجامعة القاهرة رمز النور والعلم والثقافة باعتبارها أقدم جامعة مصرية فى العصر الحديث.
وعلى طريق العلم والتنوير، سيضع الملك سلمان حجر الأساس لجامعة «سلمان» فى مدينة الطور بسيناء بتكلفة قدرها 300 مليون دولار ومن المتوقع افتتاحها بحلول عام 2018.
وهذه الزيارة مكتملة الأركان قد داست على كل ما يروجه أصحاب الإشاعات والأجندات الخاصة لإفساد العلاقات بين المملكة ومصر. وهذه حقيقة لا يمكن إغفالها، ومصدر تلك الرغبة العارمة لإفساد العلاقات المصرية السعودية قوى خارجية أو داخلية بأدوات إعلامية أو حزبية أو عبر تأجير شخصيات غير سوية والغرض من ذلك مصالح فئوية أو مصالح دول إقليمية.
لكن هذه الزيارة المكتملة أكسبت العلاقات المصرية السعودية حصانة وقوة ومناعة شديدة وأثبت الملك سلمان والرئيس السيسى أن علاقتهما قادرة على الصمود فى وجه أى طارئ قد يحدث، فهما يدركان تماما حجم أمل وتطلعات الشعوب العربية إلى علاقات سعودية مصرية مزدهرة.
وفى هذا الإطار يحمل خادم الحرمين الشريفين مبادرتين للمصالحة وتهدئة الأجواء لصالح العالم العربى والإسلامي.
الأولى هى ترطيب الأجواء ما بين مصر وتركيا، خصوصا أن الأخيرة سيعقد فيها مؤتمر القمة الإسلامى من 26-28 من هذا الشهر.
والثانية عقد مصالحة ما بين مصر وقطر، لتنقية الأجواء العربية من أى خلافات ومشاكل تعوق وحدة الصف وازدهار وتقدم الشعوب العربية.
وترتيبا على هاتين المبادرتين من جانب الملك سلمان بن عبدالعزيز ستقوم المملكة خلال الأيام القادمة بعقد اجتماعات مشتركة ما بين مصر وتركيا، ومصر وقطر إذا تم تحقيق المطالب المصرية من كل من تركيا وقطر حتى تكون المصالحة حقيقية وليست إعلامية فقط.
هذا هو الهدف الدائم لخادم الحرمين وهو تنقية الأجواء من أى خلافات عربية عربية أو عربية إسلامية.
وهذا هو أيضا العبء الثقيل الذى يحمله خادم الحرمين الشريفين لتأتى زيارته لوطنه الثانى على هذه الدرجة من الأهمية.
فالملك سلمان سيعلن خلال اجتماعه غدا الأحد مع مجلس الأعمال السعودى المصرى عن منحة لمصر تقدر بعشرة مليارات دولار، يتم وضعها فى البنك المركزى المصرى كاحتياطى نقدي، وينتظر أن تحدث هذه المنحة توازنا فى أسعار الدولار ودعم الاقتصاد المصري.
وهذه الزيارة التاريخية ستستكمل ثمارها فى أكثر من عاصمة، وهنا الأبواب ستكون مفتوحة لأنه عندما تفتح أبواب القاهرة على أبواب الرياض فهذا يعنى أن أبواب عواصم أخرى لن تكون مغلقة.
وليس غريبا على أبناء الملك عبدالعزيز آل سعود هذه المواقف الكريمة والكبيرة منهم دائما أصحاب المبادرات التاريخية.







