ابراهيم خليل
حكومة «على ما تفرج»
الناس فى حياتها اليومية غير مهتمة بالتعديل الوزارى الأخير، وتعتبر هذا التعديل مجرد إلهاءات تشغلهم الحكومة بها.. فالأساس فى تشكيل أى حكومة هو خدمة الناس حتى ينصرفوا إلى أعمالهم لا التلهى فى سوء اختيار بعض أعضاء الحكومة.
الناس تعرف على سبيل المثال بعض موظفى الشركات الذين أتت بهم الحكومة ليكونوا وزراء بها رغم خلفياتهم السابقة، فمنهم من أتى لمجرد أن له علاقة صداقة برئيس الحكومة كوزير القوى العاملة الذى كان يشغل منصب رئيس نقابة البترول، ومنهم من كان موظفا بأحد الفنادق.
بخلاف أن الناس كانت تنتظر خروج بعض وزراء الخدمات لسوء أدائهم، ولكن الحكومة أبقت عليهم مثل وزير الصحة الذى تحوم حوله كثير من الأقاويل والخلافات.
إن العمل الحقيقى للحكومة هو تسهيل أمور الناس وتسييرها، ووضع خطة أولويات عاجلة لمواجهة العديد من التحديات, ومن أبرزها الإرهاب والفساد، ودفع عجلة الاقتصاد الوطنى إلى الأمام، وتوفير الحياة الكريمة للمواطنين حتى يتسنى تحقيق التقدم المنشود وإعادة مصر إلى وضعها الطبيعى مرة أخرى على المستويين الإقليمى والدولى.
وآن لهذه الحكومة أن تدرك هذه الأولويات والواجبات لأنه من العيب عليها أن تبقى تتفرج على مصادر إهدار المال العام دون حسيب أو رقيب.
فالذين استولوا على الأراضى وبنوا عليها الفيللات والقصور وربحوا منها الملايين والمليارات، والآخرون الذين اشتروا الأراضى بجنيهات قليلة لزراعتها، وفى غيبة الحكومة قاموا بتقسيمها وبيعها كأرض بناء ليتربحوا المليارات.
المضاربون على الدولارات، استطاعوا فى فترة وجيزة أن يتربحوا الملايين.
تجار السلع الغذائية الذين استغلوا أزمة الدولار وارتفاع سعره ليقوموا برفع أسعار السلع الغذائية ويتربحوا الملايين.
الحكومة الكريمة التى قامت بتغيير عشرة وزراء إذا كان ليس بإمكانك قطع مصادر إهدار المال العام.. لماذا لا تصارحين الناس بهذه الحقيقة؟ لأنك على ما يبدو عاجزة، ولأنك كذلك يبدو أن بقاءك حيث أنت تعرفين طلبات الحد الأدنى للناس الذين لا يقصرون فى دفع الضرائب فيما أنت تقصرين فى توفير حقوقهم التى يدفعون ثمنها مسبقا من عرقهم وتعبهم.
أيتها الحكومة القديمة الجديدة.. نتمنى لك أن تنجحى وتواجهى كل العواصف.
فلولا جهود الرئيس السيسى فى توفير الكهرباء لكان كل منزل قد تعطلت فيه الكهرباء.
أين تصرفين أموال الضرائب التى تحصلين عليها من الناس؟
هل هى للإنفاق على المؤتمرات والندوات التى لا طائل ولا جدوى منها؟!
الأمور الاقتصادية ليست على ما يرام للأسف الشديد وأى انطباع آخر فهو لرفع المعنويات، لكنه ليس مبنيا على معطيات.
هذا ما يقوله الاقتصاديون، وهذا الكلام على خطورته ليس مفاجأة، فالبلد من يوم إلى يوم لا تقدم له الحكومة حلولا لمشاكله، أو أن يكون هناك فى الأفق ما يشير إلى أن الأوضاع الاقتصادية قد تتحسن، والموضوع لم يعد مرتبطا فقط بارتفاع أسعار الدولار.
جيد أن يقرأ المواطن أن رئيس الوزراء يعقد اجتماعات مع مجلسه، وجيد أن يتأكد المواطن أن رئيس الحكومة لم يكن فى يوم ما له مصلحة شخصية فى إصدار أى قوانين أو أو اختيار أحد أصدقائه للمواقع التنفيذية.
طالما أن رئيس الحكومة بهذه المواصفات الجيدة والشفافية والإخلاص، فلماذا لا يلتزم بعض الوزراء بهذه المواصفات؟
فوزراء الحكومة القديمة والجديدة، يعتبرون أنفسهم على حق دائما، ولا أحد بينهم يخطئ، وهذه النغمة تستمر شهورا دون أن تكون قدرة لأحد على تغيير شيء مما هو قائم، أو تقديم حلول غير تقليدية.
الغريب أن الوزير بمجرد تسميته وزيرا يصبح خطيبا مفوها، وهو يعلم أنه ليس بالخطب وحدها تتحقق الإنجازات.
لكن يبدو من تصريحات الوزراء الجدد أن موسم الخطب قد بدأ.
عموما يمكن القول إن بعض الوزراء يعيشون فى حالة تصريف أعمال وكأن الحكومة راحلة غدا. وهذا الانطباع يولد حالة من الجمود الحكومى ويخلق نوعا من عدم الإنتاجية خصوصا إذا كان الوزراء الذين لديهم هذا الشعور هم من وزراء الخدمات.
فالمطلوب هو أن يبقى الوزير فى وزارته على الأقل سنتين أو أن توجد فى كل وزارة خطة يقوم بالالتزام بها وتفعيلها أى وزير يجلس على كرسى الوزارة، ولا يحيد عن هذه الخطة سواء استمر أو تم تغييره.
فالخطط هى الأساس لأنها هى التقدم والتطوير وحل مشاكل الناس والثبات، أما الأشخاص فلهم أهواؤهم ومشاعرهم التى تتغير وتتبدل كل يوم.
نريد الخطط الطموحة لكل وزارة، والمعدة مسبقا والثابتة لكل من يأتى من الوزراء، حتى تكون هناك قفزة، لأن الخطة تحدد وتتنبأ بالتطور والنتائج المرجوة.
ما هو الاعتبار الذى يجعل السلطة التنفيذية أو بعضها تتصرف على هذا الأساس؟
هناك محطات أو خطط بعضها قريب ويحسب بالأسابيع، وبعضها الآخر متوسط المدى ويحسب بالشهور. وأخرى طويلة المدى تحسب بالسنوات، ولكن جميع الخطط تلتقى عند نقطة أساسية هى تحقيق النتائج التى تعود على الناس بالنفع والتقدم وحل المشاكل، وأن يكون للحكومة إنجازات تصب مباشرة فى اهتمامات الناس ومصالحهم وحاجاتهم.
وعلى المسئولين أن يتصرفوا وكأنهم فى ظرف استثنائى، لكن ما نراه أنهم يتصرفون وكأنهم فى ظروف طبيعية يستمتعون بالعطلات والإجازات، فهل هكذا يعطون المثال الحى لشعبهم رغم أن أمامهم رئيس الجمهورية الذى يضرب المثل فى العمل والجدية والإتقان ويجب أن يكونوا على نفس نهجه وقفزاته السريعة.
لا يعنى الناس أن هناك أزمة بين الحكومة ومجلس النواب، ولا يعنيهم فى شيء أن يتم إلقاء بيان الحكومة غدا الأحد أو تأجيله للأسابيع المقبلة باعتبار أن نهج الحكومة المعتمد الآن هو التأجيل كما جرى التصرف مع وزير العدل السابق أحمد الزند الذى سكت رئيس الحكومة عن جميع تصريحاته الاستفزازية حتى جاءت الطامة الكبرى فى زلة لسان، ومن ثم تمت إقالته.
نريد السرعة فى اتخاذ القرار وفى الوقت المناسب.
ألم تدرك الحكومة أن نهج التأجيل هو التراخى الذى أدى إلى مشاكل كثيرة؟ لا يجوز أن يستمر الوضع هكذا. فالمعادلة واضحة وهى أن ما لم يهتم بشئون المواطن ليس أهلا لأن يجلس على مقعده.
إنها المعادلة الواضحة التى لا تخطئ ولا أعذار لأحد.
المطلوب معالجات سريعة على مستوى الأحياء والمحافظات فالمسألة أبسط وأسهل من كل هذا الجدل. فالمشاكل العاجلة هى الأولى بالمعالجة والحلول السريعة.
ونعيد ونزيد: لا بد فى البداية من تحسين علاقة الناس بالأجهزة التنفيذية التى يتعامل معها الناس بصورة يومية مباشرة واحتكاك مباشر وهنا يبرز شيء مهم جدا:
لا بُد أن يقوم وزير الشباب الذى ليست له صلة بالشباب وله من المراكز الشبابية المنتشرة فى كل انحاء الجمهورية، وبجانبها مكاتب هيئة الاستعلامات التى تنتشر فى المحافظات وعلى هذه المراكز أن تسد الفراغ القائم الآن بين الشباب وذلك بإقامة السدود والحواجز الطبيعية لتحول بين الشباب ودعاة الإرهاب.
وهذه الحواجز والسدود هى أن يتم إنشاء مكتبة ووسائل تكنولوجية حديثة فى كل حى وإعادة افتتاح وبناء دور السينما التى تم إغلاقها وتحويلها لمحلات للكباب والكفتة.
وعلى سبيل المثال كما جرى فى منطقة العباسية عندما تم تحويل سينما ( سهير) الشهيرة بعرض الأفلام الأجنية إلى مطعم كباب وكفتة، وكذلك سينما (التاج) التى كانت تعرض الأفلام العربية تحولت إلى محلات كاوتش، والمكتبة العامة الشهيرة بجانب قسم الوايلى تم إغلاقها، وهذا على سبيل المثال لأن هذه المنشآت التنويرية تم إغلاقها فى جميع الأحياء والمحافظات.
فضلا عن إقامة المباريات بين الأحياء وبعضها فى الساحات الشعبية أو ملاعب المدارس.
وعلى الجانب الآخر، تحولت بعض المساجد والزوايا إلى بؤر للإرهاب.
هكذا تتصاعد التحديات والحكومة مازال تفكيرها بطيئا، ولا تستطيع مجاراة الرئيس فيما يرغب فى تحقيقه من إنجازات.
لكن قدر الناس أن يبقوا يطالبون الحكومة بمزيد من الحلول لأنه لا خيار لهم إلا وجودها كسلطة تنفيذية يحدد مصيرها مجلس النواب.







