ابراهيم خليل
بصراحة .. هيكل ليس أسطورة
الأستاذ هيكل رحل ولم يغب عن أسرته الصغيرة ولا عن أسرته الكبيرة.. (الأهرام)، ولا عن مصر والعالم العربي.
لكن مصر تكاد تغيب وترحل نحو مصر أخرى بعض شبابها لا يجد وظيفة.. شيوخها يائسون.. ومدّعو السياسة يتصارعون على الكراسي.. التلوث أصبح كل الهواء، وما كان يحبه الأستاذ هيكل تقلص.. الفن الجميل تراجع.. والظرفاء باتوا غرباء.. الحياة الجميلة صارت حتى سهراتها ملفوفة بالقلق والأزمات.. الأسلوب الراقى فى التعامل بين السياسيين صار جدلا مبتذلا دون مستوى الخطاب السياسى فى أى بلد.
المؤسسات لم يكتمل فيها العمل، والجدل بين المسئولين شيء لم يعرفه تاريخ مصر، والتضامن العربى بات فى حاجة إلى جهود جبارة للحفاظ على الحد الأدنى فيه.
الأستاذ هيكل ذاق مرارة التشرذم العربى، وعانى من نكسة 1967.
فى السنوات الأخيرة من حياة الأستاذ (محمد حسنين هيكل) منعه الأطباء من تدخين السيجار الذى كان من بين شروط الحياة الإنسانية عنده، وكذلك لعبة الاسكواش التى اعتاد على ممارستها طوال حياته.
ماذا نقول للأستاذ هيكل بعد رحيله عن عالمنا؟
أشياء كثيرة عن الهوايات التى كان فنانا فى ممارستها.. التمسك بالوطن والحرص على الأمل وسط اليأس والبؤس، والحفاظ على تراث الأستاذ هيكل الأهرام تجدده باستمرار وهو من ضمن العراقة.
كتاب بعد كتاب وهو ما يضيء سماء مصر ويصل إلى كل عاصمة عربية وإلى أى مكان فى العالم.
وفى مصر اليوم صراع ما بين 25 يناير و30 يونيو، لكن ربيع الوفاق بين الثورتين سيأتى فى النهاية، فلا شيء يقوى على روح مصر.
لم يكن الأستاذ هيكل مجرد صحفى كبير أو سياسى فريد من نوعه فقط، بل استطاع أن يحول مهنة الصحافة إلى عمل مؤسسى، وسيظل باقيا بيننا بما قدمه من أعمال وبالقدوة التى تركها للعديد من الأجيال، كما أن له تأثيراً على كل الأجيال وسيبقى فى ذاكرتنا الوطنية، ومدرسة فى علوم التاريخ والسياسة والصحافة حيث نقل بكل أمانة وصدق ما توصل إليه من معلومات عن تلك المرحلة. فهو كاتب كبير لا نظن أنه سيتكرر مرة أخرى فى تاريخنا المعاصر، فقد كان يعشق المهنة ولديه كاريزما نابعة من شخصيته، وساهم بشكل كبير فى إثراء الحياة الثقافية المصرية والعربية بما قدمه من كتب ومقالات، وبالتالى فإن فقدانه لا يعوض، فقد كان شخصية موسوعية تتسم بالعمق والموهبة والوطنية.
وقد ساهم فى خطة التمويه والخداع لحرب أكتوبر المجيدة حينما كتب مقالا بالاتفاق مع الرئيس الأسبق السادات بأنه لا يستطيع جيش من الجيوش تدمير خط بارليف إلا بقنبلة ذرية.. وهو ما انتقده وهاجمه كل المثقفين وكبار الكتاب بدعوى أن هذا المقال أثر فى انخفاض الروح المعنوية للجيش المصرى فى ذلك الوقت.
ولكن بعد انتصار أكتوبر العظيم تكشفت الحقائق وتبين أن هذا المقال ضمن خطة الخداع التى شارك فيها الجيش المصرى بنشر ما يسمى بوحدة الكسالى التى قامت بالاستحمام ومص القصب حتى بلع العدو الإسرائيلى الطعم بأن الجيش المصرى لن يتحرك فيه ساكن ولن يحارب إسرائيل، وكانت تلك الخطة لها الإسهام الكبير فى تحقيق النصر العظيم.
والأستاذ هيكل كان اسما عظيما ودوره كبير، حيث فقدنا شخصية رئيسية وطنية مهمة، وحمل سلاح الكلمة والحقيقة بكل أمانة وإخلاص ونقل التاريخ بكل صدق، فهو مشروع مكتمل فى جميع الجوانب، وأحد أهم صناع الصحافة المصرية والعربية وأن الأهرام فى عهده كان من ضمن قائمة أكبر عشر صحف فى العالم.
المثير فى حياة الأستاذ هيكل الصحفية أنه التحق بأحد المعاهد الأوروبية المتخصصة فى دراسة الكمبيوتر ومواقع التواصل الاجتماعى وهو في الثمانين من عمره، ليتعلم كيفية استخدام هذا النوع من التكنولوجيا الحديثة ليواكب المستجدات العصرية فى عالم الميديا ولم يعقه كبر سنه أو انشغاله بمتابعة جميع أحداث العالم. فهو فى سبيل مهنة الصحافة لا تقف أمامه أى حواجز ودائما ما كان يسعى بكل دأب ونشاط إلى كل مصادر الأخبار والمعرفة، ولا يتعالى على أيّ كان مصدر المعلومة كبيرا أو صغيرا للاتصال به بشكل مباشر حتى يلم بجميع تفاصيل الحدث أو الخبر.
حتى عندما تشكلت حركة كفاية وبدأت نشاطها فى معارضة نظام مبارك، طلب الجلوس مع أعضاء هذه الحركة واستمع إلى معظم أعضائها.
ورغم تاريخه الكبير فى عالم الصحافة والسياسة لم يعش هيكل فى برج عاجى بل إنه كان يذهب إلى معظم المنتديات الثقافية والسياسية، فقد شهدت قاعات جامعة القاهرة وكذلك الجامعة الأمريكية وكذلك معرض الكتاب أهم الندوات السياسية التى كان من خلالها الأستاذ هيكل يطلق عباراته الموجزة والتى كانت توصف الحالة السياسية التى يعيش فيها الوطن مثل مقولته الشهيرة (السلطة شاخت على مقاعدها) التى أطلقها خلال معرض الكتاب منذ حوالى 10 سنوات.
واللافت أن كل منتديات الأستاذ هيكل كانت مكتظة بالشباب المصرى الذى تتراوح أعماره بين 18 عاما و40 عاما.
وقد شهدت قاعة (إحسان عبدالقدوس) بالدور السادس من مبنى مؤسسة روزاليوسف العريقة إحدى ندوات الأستاذ هيكل، وازدحم المبنى بكل طوابقه حتى اضطرت المؤسسة أن تركّب مكبرات صوت فى كل الطوابق ليصل صوت الأستاذ إلى الآلاف التى دخلت مؤسسة روزاليوسف لكى تسمع الأستاذ، حتى إن شارع قصر العينى الذى تقع فى منتصفه المؤسسة العريقة قد امتلأ بالآلاف بمجرد سماعها أن الأستاذ يلقى محاضرة فى صالون إحسان.
هكذا كان الأستاذ هيكل محل إعجاب وإبهار من كل الناس سواء كان شابا أو امرأة أو كهلا، كاتبا، صحفيا، متمرسا وممتعا متعدد الاختصاصات.
وفوق كل هذا هو كاتب وفيّ بالمعنى الشامل للكلمة.. وفيّ لوطنه، ووفيّ لمهنته، ووفيّ لقناعاته، ووفيّ لبداياته.. ووفىّ للزعيم الخالد جمال عبدالناصر ولأساتذة كبار سبقوه وعمل معهم، وظل حتى وفاته يحفظ لهم الجميل والفضل. وفى طليعة هؤلاء الأستاذ التابعى صاحب اللغة الصحفية التى تكتب بها الصحافة المصرية إلى الآن.
ودائما وأبدا ظل الأستاذ هيكل قامة عظيمة وصحفيا عملاقا لا تنحنى إلى أحد إلا المولى عز وجل، ولم ينكسر إلا أمام المرض، فقد تحدى السادات واختلف معه ولم ينحن وتم اعتقاله ضمن الرموز المصرية وطلب منه أنه يكتب رسالة اعتذار حتى يخرج من المعتقل ولكنه رفض.. ودائما وأبدا الأستاذ كالأشجار تموت وهى واقفة كما يقال، ويصعب وصفه بالكلمات لأنه فى عالم المهنة والصحافة أسطورة ورمز مهنى وصحفى.
ونحن نكمل الرسالة ونعيش واقفين.







