الثلاثاء 17 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
ثقافة البذاءات

ثقافة البذاءات


 هناك أمور تدعو إلى النفور والإحباط.. فما نراه ونشاهده فى الفترة الأخيرة ليس من النضال أو الاحتجاج أو السياسة فى شىء.. إنه الشتيمة والسباب وتبادل الاتهامات.
والجديد فى هذا الإطار استخدام أشياء جديدة على المجتمع المصرى وعاداتنا وتقاليدنا واستغلال عفوية البعض منا فى أشياء لم يعتادوا عليها ولم يعرفوها من قبل.

 وأقرب مثال لذلك ما جرى من الممثل «أحمد مالك» والاستهزاء وتوزيع «الواقى الذكري» على بعض أفراد الشرطة على أنها بالونات ابتهاجاً بثورة 25 يناير بعد نفخها لتبدو على أنها بالونات، ثم قام بتصويرهم وعرض الصور على المواقع الإلكترونية مما أصاب الكثيرين بالصدمة وعدم  قبول مثل هذه التصرفات المستجدة على مجتمعنا وتقاليدنا.
وإننا نتساءل : لماذا دائما وأبدا يتم نقل الأشياء الغريبة التى تتلاءم مع المجتمعات الغربية ولا تتلاءم معنا بمثل هذه التصرفات بدعوى أنها صورة من صور الاحتجاج أو الاعتراض أو إبداء الرأي، ونركز عليها وكأنها اكتشاف أو إبداع شخصي، ثم يتضح لنا  فيما بعد أنها نقلا عن احتجاجات غربية، سواء فى أمريكا أو فى أوروبا لأنها تتلاءم مع فكرهم ومع مبادئهم.
 والكثير يتساءل : لماذا لا يتم نقل العلم وثقافة العمل إلى مجتمعنا ؟ حتى يستفيد بهذه الثقافة والعلم الجميع  بدلا من السخرية من البسطاء منا.
وإذا كان مطلقو هذه الأشياء باعتبارها إبداعاً فى صور الاحتجاج يعتقدون أنهم سيحدثون ضجة إعلامية كبيرة ولفت الأنظار إليهم حبا فى الانتشار والإعجاب فإنهم مخطئون.
 لقد أدى هذا الصنف والنوع من الاحتجاج إلى نفور الناس من مثل هذه الأشياء بل واستهجنوها.
 كانت صور الاحتجاج فيما مضى نوعاً من الرقى والتحضر وتؤدى إلى نيل إعجاب وإبهار الناس بهذه الصور، بل إلى الدخول فى هذه الاحتجاجات كما جرى من جماعة «كفاية» فى الفترة قبل وأثناء 2011 بإضاءة الشموع فى السيدة زينب ورفع اللافتات والشعارات المحترمة المتحضرة، ولكن هذه الأيام باستخدام الواقى الذكرى كنوع من أنواع الاحتجاج نالت أكبر قدر من الاستهجان لتصبح صفة ملازمة للسباب والشتائم.
 من قال إن الناس يريدون هذا النوع من الاحتجاج ؟
 من قال إنهم يستسيغون هذا الصنف أو يُعجبون به ؟
 الناس فى مكان آخر، إنهم لا يريدون مثل هذه الأشياء، أو سيطرة هذا النوع من الاحتجاج على السياسة.
وإذا أراد البعض الاستمرار فى استخدام مثل هذه الأساليب فعليهم عدم الادعاء أنهم يمثلون الشباب بل إنهم يمثلون أنفسهم، ومازالوا فى مرحلة المراهقة حتى لو كانوا تجاوزوها من الناحية العمرية.
 الناس فى مكان آخر بعيدا عن هؤلاء المرفهين.
 إنهم حيث المشاكل والمعاناة والهموم، فمنذ متى الواقى  الذكرى يُطعم خبزاً؟
 ومنذ متى الخروج عن المألوف وكسر الثوابت يوفر قسط  مدرسة؟
 ومنذ متى الاستهانة والسخرية من البسطاء تعالج مريضا.
وليس بعيدا عن ذلك من يتبادلون الشتائم والسباب والادعاء الكاذب على الآخرين ومنهم سياسيون أو من يدعون أنهم سياسيون يتبادلون الكلام الجارح والشتائم والسباب، وهذا ليس له سوى تفسير واحد هو الإفلاس الفكرى والسياسى وعدم امتلاكهم الرؤية والفهم والوعى والرصد الجيد.
 فحين لا يكون فى مقدور السياسى أو النائب أن يقارع الحجة بالحجة والمنطق بالمنطق يلجأ إلى الكلمة النابية كتعبير عن عجزه فى تقديم ما يقنع الناس.
 ولكن.. ما سر هذا الردح المتواصل؟ وما هى خلفياته فيما يجرى على الشاشات الفضائية ؟
 إنها المطامع الشخصية التى تهدف إلى جمع المال والحصول على المراكز القيادية أو لهدم أصحاب المراكز القيادية لصالح الآخرين، ولا نعلم من هم الآخرون.
 إنها حروب بالواسطة..
 فهذا الممثل استخدم الواقى الذكرى كنوع من الاحتجاج حتى ينال شهرة كبيرة وتتسابق شركات الإنتاج على التعاقد معه ليمثل فى أكثر من مسلسل أو فيلم، مثله مثل الراقصة أو الممثلة التى ترتكب جريمة وتدخل السجن،وعندما تقضى العقوبة يتهافت عليها المنتجون لتحقيق أكبر قدر من المكاسب المالية لعلمهم أن الناس ستتزاحم لرؤية الراقصة أو الممثلة بعد خروجها من السجن، ولكننا فى واقعة «الواقى الذكرى» لايجب أن نعطيها أكبر من حجمها، لأنه فى البداية والنهاية صاحب الواقعة شاب صغير محدود الخبرات ومقلد أكثر منه مبدع.
وهناك السياسى الذى يملك منصباً لكن لديه مطامع فى أن يحصل على مناصب أعلي، ويريد من الآخرين أن يؤيدوه ويلتفوا حوله ويؤازروه فيما يريد أن يحصل عليه.
وإذا ذهب إلى أى مكان كان معه زمرة من الطبالين والمنافقين. وإذا امتنع أحدهم عن تأييده تعرض لأبشع الشتائم.
وهناك سياسى أو موظف عام يريد أن يرضى عنه رئيسه فى العمل أو رئيس كتلته فيهاجم المنافس أكثر  من المطلوب خشية أن يكون مقصرا فى واجباته الوظيفية أو السياسية.
 بعد الذى نسمعه ونراه على الشاشات وفى الواقع المر نعتقد أن من يعملون بالسياسة يحتاجون إلى إعادة تأهيل سياسى تظهر  لهم أن الشتيمة والسباب وتبادل الاتهامات واستخدام أساليب بعيدة عن العادات والتقاليد، والتقليد الأعمي، ليست وسيلة للحصول على التأييد أو التفاف الناس أو تحقيق الشعبية والانتشار.
 ليس بالكلام وحده نقضى على الانحطاط والشتيمة، ولا بالعنف وحده يختفى هذا الصنف من البذاءات، لأنه يمثل نوعا من أنواع البلطجة واستنزاف الدولة، فالأصوات المدعية بأنها تنتقد أو تحتج لا تفعل هذه الأفعال أو الأشياء، لا تقوم بذلك إلا لمحاولة تسميم الأجواء ونشر الإحباط.
 وفى نفس الوقت  الناس يترقبون وفى بعض الأحيان يتخوفون مما رأوه فى الشارع من انحطاط أساليب الاحتجاج.
 فهم خائفون أيضا مما سمعوه ويشاهدونه عبر الشاشات.
 فالمصريون شعب راقٍ يحب الحياة ويراد له أن يحترف ثقافة البذاءات والإسفاف.
والسؤال هو :
 من ينقذ الناس من هذا الإسفاف والبذاءات ؟
وما الذى يزيل مخاوفهم من انتشاره بين الأطفال والأجيال الجديدة ؟
 والجواب هو عمل شيء واحد إلى جانب إرادة الحياة، وهو رؤية فكرية تخرجنا من هذه الأزمة الأخلاقية.
 لا نريد صم الآذان عما يجرى من انفلات أخلاقي.
إذا كان الغريق يتعلق بحبال الهوى، فإن المصريين يتطلعون إلى حبال تطرحها الدولة ليتعلقوا بها وتنقذهم من البذاءات والسباب.
 فيما يبدو أن السنوات الثلاثين الماضية بكل ما فيها قد أفرزت ظواهر لم نشهدها من قبل وهى ظواهر طبعت الحياة السياسية والاجتماعية، وكان لها دور فاعل فى كل المفاصل، وصولا إلى ما نحن فيه اليوم.
 ولذلك فإننا نقول بعد كل ما جرى من انفلات أخلاقى واستخدام أساليب بعيدة كل البعد عن حضارتنا وعاداتنا وتقاليدنا ومعتقداتنا  أن تكون هناك وقفة من الجميع لدراسة  هذه الظواهر  السلبية والبحث عن حلول للتخلص منها وتدق ساعة الوفاق، خصوصا أن الرئيس السيسي قد ضرب المثل فى الالتزام بالأخلاقيات العامة والدعوة لها والعمل والدأب والنشاط، فضلا عن أنه قدوة حسنة لكل المصريين.
 كفانا هزلا واستهتارا وخلافات.. دعونا نفتح أبواب الوفاق على المبادئ وتحديد مدد معينة لتنفيذ هذه المبادئ التى تتوافق مع موروثاتنا وعاداتنا وتقاليدنا ونتخلص من سماع الألفاظ النابية الخارجة عن الآداب العامة.
 وهذه المرة فإن المهمة  مزدوجة.. إعادة بناء  البنية التحتية الأخلاقية المدمرة، وإعادة بناء البنية السياسية العاجزة والمترهلة والتى تحيطها الخلافات من كل جانب.
 لكن  الأمنيات شيء والواقع شيء آخر، هذه الواقعية تجعل من العبث  المراهنة على من يستخدمون الأساليب الملتوية، لأنهم إلى زوال.
 والمراهنة على مثل هؤلاء ما هى إلا سراب زائف وكأننا نحرث فى البحر، لكن أصحاب المبادئ الراسخة هم الباقون وشعبيتهم تتضاعف على كل المستويات، ولن يستطيع أحد القضاء عليهم.
وفى النهاية هؤلاء الذين يستخدمون البلطجة والألفاظ النابية والأساليب الملتوية لن يستطيعوا تغيير أخلاقيات ومبادئ المصريين، لأنها أخلاقيات ثابتة ومستقرة على مدار آلاف السنين هى عمر الحضارة المصرية.