ابراهيم خليل
مجلس النواب والأعمال
هللوا وابتهجوا وافرحوا.. فالبلد لا تحيطه المؤامرات ولا الإرهاب، لا حرب فى سيناء مع الإرهاب، ولا شهداء من الجيش والشرطة والمدنيين ولا جرحى.. لا خلافات سياسية بين الأحزاب.. لا أزمات تموينية فى البلد.
الموسم السياحى يعيش عصره الذهبى، فالسياح يأتون من كل أنحاء الكرة الأرضية، الفنادق محجوزة بالكامل، ولا توجد حجرة فارغة.
هذا الوضع المثالى، حفز أعضاء مجلس النواب الجديد على التنازع والتناحر لرئاسة اللجان، والبعض الآخر يتنافس على رئاسة المجلس.
القضية على بساطتها ليست هنا، بل حين نعرف أن هذا المعترك السياسى الذى شهدناه خلال الأيام الماضية، والمعارك الشخصية، والتجريح بهدف تحقيق المنافع الشخصية، وكأننا نعيش فى بلد بلا مشاكل.
وهل ما يجرى من صراعات يؤدى إلى تشجيع الناس على الوحدة والاصطفاف مع الجيش والشرطة ضد الإرهاب ؟
الحكومة التى تشاهد كل شيء ولا تتخذ موقفا، هل هى فى حل من أى التزام أو تعاطف مع الناس؟
وما يشجعها على المضى فى هذا السلوك أنه لا توجد محاسبة، ولا من يحاسب.. حتى إن بعض أعضاء مجلس النواب الذى هو أعلى سلطة تشريعية ورقابية على أعمال الحكومة، مشغول بتوزيع المناصب والحصول على أكبر المكاسب الشخصية، حتى إن إحدى العضوات طلبت من أمانة مجلس النواب استخراج جواز سفر دبلوماسى لزوجها حتى يرافقها فى رحلاتها الخارجية التى لم تحدث بعد.
والعجيب أن البعض الآخر من نواب البرلمان رفضوا استلام كارنيه المجلس بحكم أنهم من المشاهير، وسيحضرون الجلسات دون إبراز كارنيه المجلس.
والبعض الآخر يتطلع إلى رئاسة المجلس دون أن يتمتع بالمؤهلات والخبرات الخاصة برئيس المجلس، سواء كانت قانونية أو سياسية، حتى إن بعض من تم إبلاغهم باحتمال تعيينهم فى المجلس وصلت تطلعاتهم إلى الطمع فى رئاسته دون أن يفكروا فى إعداد برنامج لحل مشاكل الناس أو تقديم حلول للأزمات التى يعانى منها الوطن، أو أن يدعوا إلى الوحدة والاصطفاف خلف القيادة السياسية.
الصورة العامة لما جرى خلال الأيام الماضية بعد انتهاء الانتخابات هى انفراط عقد التشاور تحت قبة البرلمان.
هل هذا مؤشر على أن البرلمان سيسوده الانقسام والخلافات وعدم الاصطفاف خلف القضايا الوطنية الكبرى ؟
هل بعض أعضاء المجلس لا يعلمون شيئا عن الأخطار والمؤامرات التى تحيط بالوطن ؟
أكثر فأكثر، بدأ يتكون انطباع عام بأن كثيرين من النواب لا يملكون برامج واقعية يقدمونها للناس، والسبب فى ذلك يعود إلى أن ماضى هؤلاء النواب لا يتيح لهم التقدم بمثل هذه البرامج لأنهم نجحوا على خلفية قبلية أو أسرية أو مالية، أو أنهم أبناء نواب سابقين.
قلة من أعضاء مجلس النواب يشكل تاريخهم وماضيهم برنامجا فى حد ذاته، وهم لم يتحولوا إلى نجوم فى الصحافة والإعلام، بل يتركون أعمالهم تدل عليهم، وربما يكون أبناء النواب الذين أصبحت لديهم الخبرة والكفاءة التى تؤهلهم لأن يكونوا نوابا حقيقيين للشعب يعبرون عن آماله وطموحاته وأيضا يواجهون المسئولين بمشاكل الناس.
لكن فى ظل كل هذه الأجواء، سواء الخلافات أو الأطماع الشخصية فى المناصب، أو لعب أدوار لصالح من كان يدفع فاتورة الدعاية الانتخابية، فإن ضبط إيقاع المجلس وتوجيهه إلى القضايا العامة وحل مشاكل الناس هو شخصية رئيس المجلس الذى لم يتم التوافق والاتفاق على اسمه حتى الآن.
فرئيس المجلس قيمة مضافة، وحملاته فى الدفاع عن أطروحات ثورتى 25 يناير و30 يونيو، وأن يكون صاحب تجارب كبيرة، تجعل منه رئيساً لمجلس النواب فى هذه الفترة الحرجة.
رئيس المجلس الجديد لابد أن يكون شخصية مميزة تشكل نوعية العمل البرلمانى وتحرره من رتابته خصوصا حين تطغى ظروف معينة على مجلس النواب، وتجعل النواب يقومون بعملهم الحقيقى، والمطلوب منهم وهو التشريع والرقابة على الحكومة والمواقف الثابتة التى تحقق آمال الناس فى مجلس النواب الجديد، ولا نريد من أعضاء المجلس إظهار الشجاعة فى المواقف العامة التى يحيطها التكلف والمزايدة.
ولعل وجود 116 رجل أعمال فى مجلس النواب، مؤشر على تحسين وزيادة الاستثمارات وأكثر تفهماً ووعياً لتوجيه الموارد، وأن تكون المصالح العامة أهم من المصلحة الشخصية، وأن تكون عضوية مجلس النواب لحل مشاكل الطبقات الفقيرة، لا أن تكون فرصة لاستخدام المعلومات للمضاربة فى البورصة أو فى عمليات الاستيراد والتصدير، أو فيما يسمى بتعطيش السوق، حينما يعلمون مثلا بوجود نية لرفع أسعار سلعة معينة ويقومون بتخزينها، وبعد ارتفاع أسعارها يقومون بطرحها فى الأسواق لتحقيق أكبر استفادة مالية ونفعية.
وفى المجمل العام نريد من أعضاء مجلس النواب، وعلى الأخص رجال الأعمال، أن يتحرروا من منافعهم الشخصية ويضعوا أمام أعينهم المصالح العامة وليست الخاصة، لا أن تكون عضوية مجلس النواب بابا للتربح وعقد الصفقات، ولكن نريد أن تكون عضوية مجلس النواب للاصطفاف والوقوف بجانب الناس وتحقيق مطالبهم وحل مشاكلهم، والرقابة على الحكومة، والحفاظ على المال العام وليس إهداره.
هناك فرصة كبيرة أمام أعضاء مجلس النواب الجديد فى أن يكونوا القدوة والمثل الحسن فى التجرد من الأهواء، وأن يتحملوا المسئوليات التى تمليها عليهم الظروف التى نعيشها من وجود مؤامرات وإرهاب ومحاولات خسيسة ودنيئة لتفتيت الوطن من جانب أمريكا وعملائها فى الداخل والخارج.
إن عضوية مجلس النواب فى هذه الظروف ليست نزهة أو وجاهة اجتماعية أو استغلال فرص المضاربة وتحقيق الثروات، بل إنها مسئولية تاريخية فى تحمل المسئوليات والمجاهرة بمطالب الناس فى حدها الأدنى، والضرب بيد من حديد على كل أوجه الفساد، والقفزة الكبيرة فى مجال التشريعات التى من خلالها يتم سن القوانين فى عدد كبير من المجالات الاجتماعية والاقتصادية لتتلاءم مع العصر الذى نعيشه.
إن كثيرا من الأنظار الدولية والمحلية تترقب ماذا سيكون مجلس النواب الجديد الذى جاء بعد ثورتى 25 يناير و 30 يونيو.
والبعض المغرض الآخر الذى يراهن على أن هذا المجلس سيكون ساحة للخلافات والمهاترات والصراع على تحقيق المنافع الشخصية، وأنه سيكون على نفس شاكلة مجلس الشعب الإخوانى.
هناك مسئولية كبيرة على أعضاء مجلس النواب، عليهم أن يتحلوا بسعة الأفق وعدم العصبية أو التعصب إلا للمصلحة العامة.
كفانا مهاترات وتقطيع الملابس والتجريح الشخصى.
نريد أن يكون النقاش والحوارات بين أعضاء المجلس من أجل الصالح العام.
قبل أن ننسى، غدا ننسى أو نتناسى ما جرى للوطن فى الشهور الماضية.
غدا نسدل الستار على السنوات السوداء وما تخللها من تقاتل وتراشق بالكلام وبالرصاص.
غدا تهدأ الأعصاب كلها وتُزال المتاريس كلها، وتعود الحياة إلى طبيعتها فى هذا الوطن الجميل، وكأن شيئا لم يكن وبراءة الأطفال فى عيوننا جميعا.
غداً، ويطول انتظارنا إلى غدٍ جميل بعد ليالى الرعب والخوف من كل شيء وعلى كل شيء.
غدا نعود إلى التفاخر بأنفسنا وطيب عنصرنا، لأننا صمدنا فى وجه المحنة وتغلبنا على الفتنة وارتفعنا فوق الجراح.
ولا نريد أن تظل عقولنا معطلة بالنسبة إلى معالجة وضعنا الحساس وما يحاك حولنا من مؤامرات.
والأحداث الدامية يمكن أن تتكرر بفعل مؤامرة شريرة أو مصادفة سيئة فتشتعل النار ويهب الشرفاء لإطفائها ثم نصفق لأنفسنا لأننا تجاوبنا مع الشرفاء.
إننا نقول هذا الكلام على خلفية ما يحاك لهذا الوطن من مؤامرات، يريدون أن يكون وقود هذه المؤامرات الشباب، لأن المصادفات السيئة والمؤامرات التى تؤدى إلى الاحتكاك وإشعال النار تقع فى كل بلد. والعلاج السريع يكون فى وجود مؤسسات للدولة وعلى رأسها مؤسسة التشريع والرقابة التى من المفروض أن يعى أعضاؤها مسئولياتهم ويستطيعوا اتقاء الشر قبل وقوعه أو تطويقه بعد وقوعه حتى لا يتسع ويتفاقم.
لذلك وقبل أن ننسى، نريد مجلس نواب قويا يحمى الوطن ويكون القدوة فى الاصطفاف والالتفاف حول الوطن والمصالح العامة فى ظل حكومة تستطيع أن تثبت وجودها عند وقوع أى حادث.
إن وجود مثل هذه الحكومة هو المعالجة السريعة لما نحن فيه من مشاكل لا يخفف وطأتها إلا حلول غير تقليدية.
نريد أن يسير البلد بكامل وعيه وعلى قدميه.
آن لنا أن نفتش فى كل مكان عن حلول لإيجاد مخارج لمشاكلنا.
ففى عصرنا الحاضر لم يعد للتظاهر أو التجريح أو تبادل الاتهامات أماكن لتحقيق المطالب.
واليوم فى وجود مجلس تشريعى جديد قد وقفت مصر على كامل أقدامها، وأتمت الدولة استحقاقاتها الرئيسية، وليكن لأعضاء مجلس النواب الإيمان الكامل بأنهم قادرون على تحقيق التغيير للمصلحة العامة.







