ابراهيم خليل
غابت الشهامة والرجولة بوفاة شاكر أباظة
غابت الشهامة والمروءة بوفاة شاكر أباظة، الذى خطفه الموت مساء الأربعاء الماضى بدون أن يشكو من أى شيء، وهو ذو القامة التى لم تنحن إلا لخالقها والفقراء والمعدمين.
المثير أن نجم الأباظية قد نجا منذ سنوات من انفجار فى المخ أصابه أثناء تواجده فى باريس، وتحدى بإرادته القوية المرض حتى أن الأطباء عجزوا عن تفسير هذا التحدى الذى قهر المرض بعد أن كانت نسبة شفائه من انفجار المخ معدومة، إلا أن إرادته القوية وحبه للحياة ودعاء والدته ومحبيه وأصدقائه، وفوق كل ذلك قهره للمرض قد من الله عليه بالشفاء والعافية ليرجع إلى وطنه سالما مع وجود بعض التأثير على ذاكرته.
ومن شدة ذكائه المعهود كان يتغلب على تلك الآثار الصحية بعد إجرائه العملية الجراحية من خلال استدعاء الذاكرة بالأحداث ومواقف طريفة فى محيط عائلته وأصدقائه ومحبيه، إضافة إلى متابعته الدءوبة لكل ما يجرى حوله من مواقف وأحداث، حتى إنه إذا لم يكن ملمّا بحدث ما فاته يقوم بالاتصال بصاحب هذا الحدث أو من له صلة به ليسأله عن تفاصيل ما جرى.
لم يكن شاكر أباظة الشخص المترف الذى يرتكن على ثروة والديه، ولكنه قبل أن يخضع لعملية وقف نزيف المخ تميز بالعمل الدءوب على مدار اليوم، حتى إنه كان لا ينام أكثر من 4 أو 6 ساعات فى اليوم، لينجز كل عمله من خلال برنامج يومى تحت إشرافه المباشر.
ولم يكن نشاطه فى العمل يبعده عن أسرته أو أصدقائه، بل كان حريصا على التواصل مع كل محبيه ودائرة علاقاته الواسعة، فقد كان شاكر أباظة الشاب الوسيم النشيط هو الدنيامو الذى يحرك أنشطته التجارية وتوكيل بيجو الذى كان ملء السمع والبصر وقت أن كان تحت إدارته، حتى إن كل سيارتين فى الشارع كنا نرى سيارة بيجو.
وهذا الشاب الذى غيبه الموت فجأة بعد انتصاره على المرض، لم يكن يهتم بتضخيم رصيده المالى أو توسيع ممتلكاته لكن همه الأول والأخير هو مساعدة وخدمة الناس خصوصا الفقراء والمعدمين.
فعندما وافته المنية لم يتحدث الناس عن ثروته أو ممتلكاته لكنهم تذكروا رصيده الكبير الذى تركه وهو محبة الناس من الصغار والكبار والفقراء والأغنياء وأصحاب النفوذ والمعدمين.
لقد كان يجمع حوله كل معارفه من جميع الطبقات، بعضهم يسعى إلى التقارب أو طلب المساعدة التى لم يكن يتوانى عن تقديمها لكل من يطلبها. فالجميع يعلم أن هذا الشاب كان يتمتع بالجاذبية والحضور الطاغى وخفة الظل التى كانت تكسر الحواجز بينه وبين الآخرين.
ودائما ما كانت تنفرج أسارير وجه شاكر أباظة الذى لم تغب يوما عنه الابتسامة عندما كان يتحدث عن والده المرحوم وجيه أباظة الذى كان قريب الشبه بشكل كبير منه سواء فى الشكل أو المواقف وحتى طريقة الكلام، وهو ما جعل أسرته الكبيرة (الأباظية) تطلق عليه وجيه أباظة الصغير.
وهذا الشاب الصغير الذى كان كبيرا فى مواقفه قد وقف أمام مبارك فى عز عنفوانه، عندما كان مبارك رئيسا للجمهورية، وعقد اجتماعا مع رجال الأعمال، وعندما لمح مبارك وجود شاكر أباظة فى مقدمة الحضور خاطبه قائلا (يا أباظة أنا ضحكت مما صرحت به فى الجرائد اليوم عن الاستيراد والتصدير)، وعندما وقف شاكر أباظة ليرد على كلام مبارك، أمسك به العديد من رجال الأعمال محاولين إجلاسه، إلا أنه رفض ورد على مبارك قائلا : (إننى أريد أن استكمل تصريحاتى حتى تضحك أكثر).. وشرح أباظة وجهة نظره عن عمليات الاستيراد والتصدير وأسعار الدولار فى ذلك الوقت.
وللحقيقة فقد تلقى مبارك انتقادات شاكر أباظة برحابة صدر حتى إنه فى نهاية اللقاء مع رجل الأعمال اصطحبه قائلا له ضاحكا : (أين نصيبنا فى شركاتكم).
وفى ذلك الوقت انتشرت شائعات قوية عن إجبار وجيه أباظة على أن يُدخل أولاد مبارك شركاء فى توكيل البيجو، ولم يكن لهذه الشائعات ظل من الحقيقة، لكن الحقيقة التى تقال لأول مرة وهى أن ابن أحد أصدقاء المرحوم وجيه أباظة قد سافر إلى باريس وعقد اجتماعات مع عدد من مديرى البيجو فى فرنسا، وادعى أنه على علاقة قوية بعلاء مبارك وأنه يستطيع أن يقوم بزيادة توزيع السيارة فى مصر عندما يحصل على التوكيل بشرط أن يكون علاء شريكا فيها، إلا أن شركة بيجو الفرنسية قد اتصلت بأولاد المرحوم وجيه أباظة وأطلعوهم على هذه المعلومات، وأوضحت لهم الأسرة عدم صدق هذا الادعاء ولم يكن ابن صديق وجيه أباظة له صلة بعلاء مبارك.
ومن هنا انتشرت الشائعات عن مشاركة علاء مبارك فى توكيل بيجو.
وفى هذا السياق، لم تتوقف أطماع الكثيرين من نظام مبارك فى شركة البيجو.
لكن لم يستطع أحد لى ذراع أبناء وجيه أباظة، ومن أبرز هؤلاء زكريا عزمى الذى كان فى ذلك الوقت يتمتع بنفوذ كبير وهيمنة على كل شيء فى مصر عن طريق رئاسته لديوان رئيس الجمهورية، ففرض شقيقه على انتخابات مجلس الشعب ضد محمود أباظة بمحافظة الشرقية، ووقف أولاد وجيه أباظة مع ابن أسرتهم ضد شقيق زكريا عزمى الذى حشد كل مجلس الوزراء وأجهزة الدولة لمساندة شقيقه، لكن محبة الناس والسمعة الطيبة لأولاد وجيه أباظة قد هزمت النفوذ والجبروت الذى كان يتمتع به زكريا عزمى، والذى بدوره لم ينس لأولاد وجيه أباظة هذا الموقف وقام بعد فترة ليست كبيرة بإصدار تعليماته أو بإجبار البنوك التى تتعامل مع شركة أولاد وجيه أباظة على وقف التعامل مع الشركة ما أدى إلى تعرض الشركة لأزمات مالية، الأمر الذى تعامل معه أولاد وجيه أباظة فإن كرامتهم وكبرياءهم فوق كل شيء، ولن يستطيع أحد لى ذراعهم أو إجبارهم على اتخاذ موقف ضد المصلحة العامة، وعلى الفور عرضوا التوكيل للبيع ليحتفظوا بقامتهم مرتفعة.
وشاكر أباظة ككل أصحاب القامات الكبيرة يملأون الدنيا عطاءات ويرحلون، وهذا هو شأن العمالقة إنهم يكررون عطاءاتهم ويعطون بسخاء، لكنهم لا يتكررون.. هكذا كان شاكر أباظة، أنشأ مدرسة فى محبة الناس، ولن تغلق، ودشن مدرسة فى الخير والعطاء، وحتى الآن فإننى لا أستطيع أن أصدق أن شاكر اباظة قد رحل عن دنيانا.







