ابراهيم خليل
محافظ العضلات والتاتو
بإمكان أى مواطن أو محلل أو خبير أن يستخدم عشرات العبارات فيكوّن منها دراسة أو بحثا أو تقريرا أو ربما كتاباً، لأن الأمور فى مصر لم تعد تتجاوز هذه العبارات التى يبلغ عددها العشرات.
والكلمات المقتضبة الأساسية كأمثلة أو عينة هى انتخابات، حوار، بطالة، هجرة، ديون، قروض، ارتفاع أسعار، اعتصامات، مظاهرات فئوية.
ربما تزيد المصطلحات قليلا أو تنقص قليلا، لكنها فى المحصلة هى كل المصطلحات التى تختصر الواقع الذى نحن فيه.
فمنذ سنوات عديدة ونحن نستخدم المصطلحات والكلمات نفسها، ومنذ الاستفتاء على الدستور، كم من المرات تم استخدام مصطلحات قانون الانتخابات، مشاركة الشباب فى الحياة السياسية، الوظيفة المدنية.
هذا هو حال المصريين يعيشون على عشرات المصطلحات كأنهم يدورون فى حلقة مفرغة، ومن كل هذه المصطلحات يصعب إلى درجة الاستحالة العثور على مصطلح إيجابي.
فأين نجد إيجابية فى بنية سياسية فاقدة الأهلية، وفى بنية إدارية فاقدة الشفافية، وفى بنية نيابية يتنازعها فلول الحزب الوطنى المنحل والسلفيون؟!
هكذا لم نعد نملك فى هذه الأجواء سوى مصطلحات الاهتراء والتحلل، وهذه المصطلحات سترافقنا خلال الفترة المقبلة إلا إذا عقدنا العزم على عدم الاستسلام للحالة السلبية التى تجعلنا نقاوم هذه المصطلحات، لأننا أقوى من الظروف كمصريين نستطيع أن نقاوم الإحباط واليأس، ولن نجعل المحبطين ينجحون فى نقلنا إلى أحضانهم، بل سنبقى دائما فى أحضان الأمل، على أساس أننا نمتلك تراثا كبيرا فى الصمود والتغيير.
ليس سرًا أن ما جرى بالإسكندرية كان نتيجة مباشرة للمحسوبية والاختيار الخاطئ لمنصب المحافظ، لأنه لم يأت على أساس الموضوعية والشفافية والمؤهلات الإدارية التى تسمح له بتبوؤ هذه المكانة، ولكن كل قدرته هى علاقة الصداقة التى تربطه بابن أحد رؤساء الوزراء السابقين، لذلك كان هذا هو العامل الأساسى فى اختياره لمنصب المحافظ، ورحب به الناس فى البداية كشكل وليس كمضمون.. وتفاعلت معه مواقع التواصل الاجتماعى التى اعتبرته نقلة كبيرة فى إشغال هذا المنصب.
لكن سرعان ما تغير الحال وانقلبت حالة الترحيب إلى الاستياء وانتقادات شديدة لما استشفه وأدركه الناس من أن هذا الرجل ليس فى المكان المناسب، ولا يمتلك أى مؤهلات سياسية أو إدارية لشغل هذا المنصب.
فقد ترك كل مهامه الوظيفية إلى السيدة زوجته، وراح ينشر عضلاته وممارسته الرياضة على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، ولم يقدم للعاصمة الثانية أى إنجازات أو خدمات تجعل الناس يدافعون عنه، أو يكون له أى بصمة فى إطار حل مشاكل العاصمة الثانية سواء من الناحية الخدمية أو الإدارية أو حتى الظهور السياسي.
وكانت كل تصريحاته أو تصرفاته تجلب عليه الهجوم أو الانتقاد، وأدرك الجميع أن من يعمل فى إدارة شركات القطاع الخاص لا يمكن أن يكون مؤهلا لتولى مناصب قيادية لأن المناصب القيادية تكون دائما وأبدا فى خدمة المصلحة العامة، وتقديم الخدمات السهلة والمميزة للمواطنين، بخلاف طرح الحلول والرؤى التى تحل مشاكل الناس المستعصية.
أخطر ما رأيناه هو محاولة الإدارات المحلية والطامعين فى المناصب هو تضييق الخناق على المسئول الذى يعطيهم الفرصة بالتصرفات غير المعتادة أو الغياب عن تحمل المسئولية، مما يخلق بيئة صالحة للتصارع واستغلال النفوذ والتطلع لأن يكونوا فى مكان المحافظ نفسه الذى لم يحسن الأداء أو التصرف.
والطامة الكبرى أن هؤلاء المتطلعين إلى منصب المحافظ قد استغلوا السيول التى هطلت على الإسكندرية وقاموا بسد المنافذ التى كانت مخصصة لتسريب المياه!
فى الوقت نفسه الذى ارتفعت فيه أكوام القمامة، فغرق الناس وتهدمت بعض المنازل، ونظرا إلى عدم وجود خدمات أو متابعة تلامس فى بعض المناطق التيار الكهربائى مع بحيرات المياه التى تكونت نتيجة الأمطار الشديدة، الأمر الذى أدى إلى صعق عدد من الناس الذين لقوا مصرعهم، وهذه كانت المصيبة الكبيرة التى كشفت المحافظ المقال، وفى الوقت نفسه كشفت المتطلعين لهذا المنصب بعدم وجود صيانة للمرافق، والتى وصل حالها إلى تعمد المسئولين عن المحليات فى أن يدور فى بالهم أو فى تفكيرهم فصل التيار الكهربائى عن الأماكن الغارقة فى المياه، بخلاف أن النوة أو سقوط هذه الأمطار كل أهل الإسكندرية يعرفون موعدها، والشوارع والبالوعات معدة لاستقبال هذه الأمطار كما كان يحدث فى الماضي، إنه بمجرد هطول الأمطار ويمضى عليها بعض الوقت نجد أن الشوارع نظيفة ولم تترك الأمطار أى أثر إلا نظافة الشوارع نظرا لأن المرافق الخاصة بالصرف معدة ومؤهلة لتصريف هذه الأمطار.
هل نصل إلى وضع تصبح فيه المعرفة والعلاقات الشخصية هى المؤهل لتولى المناصب؟ هل نفقد فى أيام معدودة ما حصلنا عليه فى سنوات؟ هل القرابة والصداقة هما المؤهلات الرئيسية لتولى المناصب العامة؟
فى هذا الجو لم نعد نعرف لماذا تم اختيار هذا الشخص لهذه المسئولية، بمعنى أننا لم نعد نعرف المؤهلات التى يحملها الشخص الذى يتولى المنصب أو المسئولية.
ووسط ذلك تنتشر الإشاعات ويسود الإحباط ويمتنع الكثير من الناس عن المشاركة فى الحياة السياسية.
فمبادئ الموضوعية والشفافية والانحياز للمصلحة العامة والاستجابة للمطالب الشعبية بعيدة كل البعد عن الكثير من الاختيارات للمناصب التنفيذية.
وليس عيباً أننا نخطئ فى هذه الاختيارات، لكننا يجب أن نتعلم ونستوعب الدروس المستفادة مما جرى بالعاصمة الثانية الإسكندرية عروس البحر المتوسط التى كانت دائما درة المدن التى تطل على البحر المتوسط، فهى مدينة السعادة والدفء فى الشتاء، ومدينة الراحة والاستجمام فى الصيف.
فأهل إسكندرية دائما كانوا يتباهون بنظافتها وسهولة مرورها، وعدم عصبية أهلها، إلا أن الكثير من هذه الأشياء قد تبخر فى الهواء كما يتبخر الماء من شدة حرارة الشمس وتبدلت سعة الصدر ورحابته إلى الاختناق، ونظافة الشوارع إلى أكوام القمامة، حتى أن هذه المدينة التى تطل على البحر تواجد بها بعض التيارات السلفية المتطرفة، وهذه هى المفارقة كيف تنشأ الجماعات المتطرفة وسط بلد ساحلى يطل على الشواطئ الأوروبية وتتناقل عن طريقه الثقافات المستنيرة، لكن ما جرى من بعض المحافظين الذين تولوا مناصب قيادية فى هذه المحافظة قد أجبروا عدداً ليس بقليل على أن يتركوا الحياة العامة وينتموا إلى هذه الجماعات المتطرفة لما عانوه من ضيق العيش، وقلة الدخل، وهو ما تلقفته جماعات التطرف فى أن تقدم بعض الخدمات الاجتماعية خصوصا وسط الشباب فى الجامعات، وتكون النتيجة أن تحولت بعض الأماكن فى مدينة الحضارات المستنيرة إلى وكر من أوكار الجماعات المتطرفة وأصحاب النفوذ والمصالح.
والواسطة لا تقتصر على الإسكندرية بل شملت معظم المحافظات كنتيجة طبيعية للظلم وعدم المساواة بين الناس، فإذا تساوى الجميع وتحقق العدل ستتساوى الفرص وستمحى الواسطة التى لا يخلو منها أى مجتمع ولكن انتشارها يختلف حسب ثقافة المجتمع مما جعلها أخطر أنواع الفساد الإدارية على الإطلاق.
بخلاف ذلك نجد أن المواطن فى المجتمعات الراقية لا يحتاج إلى أى دعم أو واسطة للحصول على حقوقه، فحقه محفوظ وله حرمته تسانده أنظمة وقوانين وأعراف لا يمكن مخالفتها أو التعدى عليها. أما فى المجتمعات النامية فتسود تفرقة كبيرة بين الأفراد مما يجعلهم يفقدون روح التنافس والمثابرة.
وتتسبب الواسطة فى ظهور أنواع من الحقد الطبقي، لأنها تقسم المجتمع إلى فئات بينها فوارق كبيرة جدا مما يؤدى بدوره إلى ضعف القيم الأخلاقية وانتشار الحقد والكراهية والجرائم وإضعاف سيادة القانون وعرقلة التقدم وانتشار التطرف.
هذا هو ما جرى فى الإسكندرية خلال وقت وجيز، فكل السواتر التى احتمى بها المحافظ المُقال قد انهارت بسبب النوة أو السيول التى تحدث كل عام فى نفس الموعد.
لكن هذه المرة لم تكن هناك مقومات أساسية أو خرسانية تحمى المحافظ من هذه السيول ، لأنه جاء بالعلاقات الشخصية.
والأدهى أن المحافظ المُقال أو الذى قيل له قدم استقالتك لم يدافع عن نفسه أو يصدر بياناً يوضح ما جرى وأسباب تحول مدينة الإسكندرية إلى بحيرات فى كل الأحياء والشوارع مما جعله مصيدة للمتآمرين عليه من المحليات.
وعندما دافع عنه بعض أقاربه لم يجدوا ما يقولونه للدفاع عنه سوى التهجم على الناس الذين عانوا أشد المعاناة من تواجده أو من احتلاله أو من جلوسه على كرسى المحافظة.
فكل ما كان يقوم به هو التباهى بالتاتو الذى رسمه على كتفه أو ممارسة رياضة الجرى فى شوارع المناطق الراقية أو على الكورنيش.
الناس فى الإسكندرية تصرخ وهو فى عالم آخر.
الانتقادات الشديدة ترفع صوتها وهو كله آذان صماء.. الزوار الكبار لمدينة الإسكندرية يستغربون لأنه أخذ المدينة إلى المجهول.
لا مجال للهرب من العبرة التى أعادت فرض نفسها.
إن الخبرة والكفاءة والإلمام بالمنصب والرؤية لطرح الحلول غير التقليدية هى بعض المقومات الأساسية فى اختيار المسئول حتى يكون له الصدى الإيجابي.
إنه فى خلال شهور قليلة أصيب الناس بالإحباط، ففى وقت سابق ألقى القبض على وزير الزراعة بتهمة الرشوة وهذا بسبب سوء الاختيار وعدم تمتعه بالكفاءة والخبرة لتولى هذا المنصب، فسقط فى الوحل.
ولم تمض إلا أسابيع قليلة حتى تم إجبار محافظ الإسكندرية على تقديم الاستقالة بسبب سلبيته واستهتاره لأنه جاء للمنصب بسهولة لمجرد تمتعه بـ علاقات صداقة وجيرة مع ابن رئيس وزراء سابق وتبادل الزيارات بين الأسرتين.
إلى أين يأخذنا استمرار اختيار الأقارب والأصدقاء لمناصب تنفيذية بعد أن مررنا بتجربة المحافظ المُقال؟
لقد ولدت معارضة جديدة للحكومة وهى معارضة أن يكون أصحاب المناصب من الجيران أو الأقارب أو أصحاب الواسطة.
إن الناس اكتشفوا أن حكومتهم تعمل بلا تخطيط ولا أفق لبعد النظر، فأين التخطيط الذى يسبق الحدث المعروف للجميع وهو سقوط الأمطار فى هذا الوقت من كل عام؟.
فمازال هناك ارتجالية فى إدارة الأزمات التى تمر بها وكل ساعة بساعتها. وهو مخالف تماما لما ينادى به الرئيس عبدالفتاح السيسى الذى يحقق بالتخطيط والمعلومات نجاحات وتكليفاته التى أصدرها إلى الحكومة والتى تؤكد على ضرورة استعادة هيبة الدولة وعدم القبول بالتجاوزات ووجوب القضاء على المحسوبية والواسطة وتحقيق الإصلاح الإدارى بالدولة.
لقد أصبح موضوع إقالة محافظ الإسكندرية موضع تندر بين الناس الذين بات لسان حالهم يقول إذا كنت تريد منصباً لا تستطيع الوصول إليه فعليك أن تقترب من مسئول بدرجة رئيس وزراء أو تصادق أسرته أو تسكن بجوار منزله.







