ابراهيم خليل
السيسى فرض الإرادة المصرية عـلى أوبـامـا
الواضح أن الرئيس عبدالفتاح السيسى عند حضوره إلى الأمم المتحدة للمشاركة فى أعمال الجمعية العامة كان متأكدًا من نجاحه فى فرض سياسة مصر الجديدة على العالم، وهى السياسة التى قفزت بمصر خلال شهور قليلة من التجاهل إلى الانفتاح على جميع دول العالم، وهو ما أكدته الاجتماعات المتوالية مع رؤساء دول العالم.
الخطاب الرئيسى الذى ألقاه الرئيس السيسى فى 28 سبتمبر كشف أيضا المقومات الأساسية لمصر الجديدة صاحبة استقلال القرار الذى يخدم الشعب والمصلحة العامة، وأوضح الخطاب أن مصر الجديدة قدمت مشروعا لخدمة الإنسانية وهو افتتاح قناة السويس الجديدة وما تمثله من تسهيل حركة التجارة العالمية، ومن ثم حرية انتقال جميع أنواع السلع والطاقة بين مختلف دول العالم فى أقصر وقت ممكن وبتكلفة أقل من أى وسيلة نقل أخرى.
وأن التركيز الأعظم فى سياسة مصر هو محاربة الإرهاب ووأده باعتباره هو العدو المشترك لجميع دول العالم والمعوق الأساسى للتنمية المستدامة.
لذلك نال خطاب الرئيس عبدالفتاح السيسى أكبر قدر من الاستحسان والتصفيق الشديد من كل وفود العالم، حتى إن الرئيس الأمريكى باراك أوباما قام بتحية الرئيس السيسى فى مؤتمر الإرهاب الذى تلى خطاب الرئيس السيسي، وأشاد بموقف مصر من الإرهاب، وذلك قبل أن يلقى كلمته.
ويبرز فى هذا الإطار أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تستطع تجاهل مصر فى مؤتمر الإرهاب الذى أشيع عنه أنه سيعقد بدون أن تحضره مصر.
لكن المفاجأة هى دعوة الرئيس السيسى لحضور المؤتمر بعد كلمة مصر التى تركز جزء كبير منها على خطورة الإرهاب على دول العالم.
لذلك لم تستطع الإدارة الأمريكية تجاهل مصر باعتبار أن السياسة الجديدة للقاهرة قد فرضت نفسها على كل دول العالم، وأنها شريك أساسى فى محاربة الإرهاب الذى تعانى دول العالم من خطورته وتعطيله لرفاهية الإنسانية.
وفى وقت سابق قبل أن يحضر الرئيس السيسى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة قد أصدر قرارًا بالعفو الرئاسى عن مائة سجين بما فى ذلك عدد كبير من النشطاء وصحفيى الجزيرة، وهو ما حظى باهتمام كبير من قبل وسائل الإعلام الأمريكية والتى ربطت بين قرار العفو وزيارة الرئيس السيسى لأمريكا.
جاء هذا القرار ليلجم كل الادعاءات الباطلة حول التضييق على حرية الرأى فى مصر، خصوصًا أن الجماعة الإرهابية ومن يمثلونها فى الولايات المتحدة قد بنوا كل معارضاتهم على عدم الإفراج عن صحفيى الجزيرة.
لذلك وأد قرار العفو الرئاسى كل هذه المحاولات حتى إن الجماعة الإرهابية قد تقلص نفوذها وانكشفت ادعاءاتها بصدور قرار العفو الرئاسي، وهذه الجماعة الإرهابية قد اختل توازنها ولم تجد أحدًا يساندها حتى من المهمشين فى أمريكا إلا حشداً من أبناء بعض أعضائها ونسائهم واستخدام الألفاظ الخارجة باللغة العربية حتى لا تفهمها الشرطة الأمريكية.
ويلاحظ أن وسائل الإعلام الأمريكية لم تهتم بما قامت به الجماعة الإرهابية.
وعلى خلفية هذه المظاهرات أو التجمعات القليلة التى قامت بها الجماعة الإرهابية اعترض بعض المأجورين من الجماعة عددًا من مقدمى البرامج الفضائية المصرية لمحاولة طردهم لإحداث ضجة إعلامية للتعتيم على كلمة مصر فى الجمعية العامة، وأن تقوم الميديا العالمية بالاهتمام بحوادث اعتداء الجماعة على مذيعى الفضائيات المصرية بدلاً من أن تهتم بخطاب مصر أمام الجمعية العامة.
وجاءت نتيجة هذه الاعتداءات بالتجاهل التام لها وعدم الحديث أو النشر عنها إلا فى نطاق ضيق جدًا وحصل خطاب مصر على الاهتمام الكبير، حتى إن وكالة الاسوشيتدبرس للأنباء ووكالة رويترز قد أشادتا بالعفو الرئاسى عن النشطاء السياسيين وإعلاميى الجزيرة.. ولاحظ المراقبون هنا فى نيويورك أن الرئيس السيسى رغم كل ما تعانيه مصر من تصرفات ومواقف حركة حماس إلا أن مصر لم تفض يدها عن القضية الفلسطينية كما لا تريد أن تصل العلاقة مع حماس إلى حالة الطلاق البائن، لكنها فى الوقت نفسه لا ترغب فى أن تكون علاقة مصر بحماس علاقة إيجابية.
ووصف المراقبون علاقة مصر بحماس بأنها علاقة فاترة بسبب عدم التزام قادة حماس بتنفيذ تعهداتهم ووعودهم، وهذه الوعود والتعهدات لم ينفذ منها شيء رغم أنها اتفق عليها أكثر من مرة، لكن قيادات حماس لم تنفذ أيًا من تعهداتها مع مصر، ودائمًا يبررون عدم تنفيذ تعهداتهم بوجود خلافات داخل قيادات حماس، وهو ما يكشف عن أن قيادات حماس ليس قرارهم بأيديهم، ولكن قرارهم يأتى من الخارج وعلى وجه التحديد دولة خليجية هى التى تأمرهم باتخاذ مواقف معينة.
الأهم فى السياسة المصرية التى طرحها الرئيس السيسى من خلال خطابه فى الجمعية العامة هى ضرورة الحل السياسى فى سوريا. وأن تتوقف الدول الداعمة للمتطرفين خصوصًا جبهة النصرة وداعش عن دعم هذه الحركات الإرهابية، وهو ما يفسر بتوافق مصرى روسى تجاه القضية السورية.
ولم تتوقف السياسة المصرية عند هذا الحد، بل إن الإشارة المهمة بالنسبة للقضية السورية هى أن مصر تشارك الإخوة السوريين فى كل معاناتهم، وأن الأعداد الكبيرة من السوريين التى تعيش فى مصر يتم معاملتها كأبناء الوطن، فالخدمات التى تقدم للمصريين تقدم للسوريين من ناحية التعليم والصحة مثلهم مثل المصريين، ولم تئن أو تشكو مصر من وجود الإخوة السوريين على الأراضى المصرية، وعلى العكس تمامًا صرخت كل أوروبا من تواجد أعداد قليلة من السوريين على أراضيها، وعقدت الاجتماعات الأوروبية وشكلت اللجان وأعلنت بعض الدول الأوروبية حالة الطوارئ على حدودها لمكافحة ووقف الهجرة لأراضيها.
وشتان ما بين موقف الدول الأوروبية من الإخوة السوريين وموقف مصر، وطالبت السياسة المصرية الجديدة بضرورة تحمل العالم الغربى لمسئولياته عما يجرى فى سوريا، وأن مشكلة اللاجئين سببها وجود الإرهاب.
فى هذه الأجواء، لايزال الموقف الأمريكى من مصر يشوبه الكثير من الغموض والطرح السياسى المغرض، فأمريكا لاتزال تطالب مصر بضرورة مشاركة الجماعة الإرهابية فى الحياة السياسية بدون تحفظ ومع معرفتها بأن هذه الجماعة مسئولة عن الكثير من عمليات الإرهاب داخل مصر ومناصرتها ومشاركتها فى العمليات الإرهابية التى تتم فى سيناء.
وتتبنى الإدارة الأمريكية وجهة نظر أنه لا حل للاستقرار فى مصر إلا بمصالحة مع الجماعة الإرهابية.
المصادفة أن الرئيس الأمريكى باراك أوباما أقام خلال فترة وجوده فى نيويورك بفندق نيويورك بالاس الذى أقام فيه الرئيس السيسي، وهو ما أشاع عن وجود اجتماعات ما بين الرئيسين، إلا أن الحقيقة أنه لم تعقد أى اجتماعات ثنائية سواء فى الفندق الذى أقام فيه الرئيسان أو فى مقر الأمم المتحدة.
وقد نال وجود الرئيس السيسى فى نيويورك اهتمام كل الدوائر الإعلامية حتى إن شبكة P.B.Sالأمريكية التى تعد من أبرز الشبكات الأمريكية وتحظى بنسبة مشاهدة عالية قد أجرت مع الرئيس السيسى حوارا قدمته الإعلامية البارزة «مرجريت ووم» يوم الأحد الماضى 27 سبتمبر، قبل أن يلقى الرئيس كلمة مصر بيوم واحد، وقامت المذيعة الأمريكية بإجراء الحوار فى إحدى قاعات فندق نيويورك بالاس مقر إقامة الرئيس، وقد حظى الحوار بتعليقات متنوعة من الصحف الأمريكية.
والحوار الأهم الذى أجرته محطة CNN بعد إلقاء الرئيس كلمة مصر فى الجمعية العامة، حتى إن وولف بليتزر مذيع قناة CNN الذى أجرى اللقاء مع الرئيس صرح عقب اللقاء بأن القيادة المصرية متمثلة فى السيسى كانت تتحدث بوضوح عن رؤيتها لخطر التطرف وتهديدات تنظيم داعش الإرهابي، مضيفا أن رد السيسى على السؤال حول الصفقة النووية مع إيران كان دبلوماسيا للغاية.
وأشار بليتزر فى حديثه مع مذيعة CNN حول المقابلة مع السيسى وما حوته من مواقف إلى أن السيسى قال فى المقابلة إن التطرف فى بلاده هو الخطر الأكبر حاليا وأن خطر داعش يتعاظم، وقد حان الوقت من أجل أن يجتمع الشرق الأوسط برمته لمواجهة هذا الخطر.
وعن الموقف المصرى حيال الوضع فى سوريا ونظام الرئيس بشار الأسد، قال السيسى أنه بحال رحيل الرئيس الأسد وسقوط نظامه فإن الجيش السورى سينهار، وقد يقع عتاده العسكرى برمته فى يد الإرهابيين، ورأى أن ذلك قد لايهدد سوريا فحسب، بل الأردن ولبنان.
هذه الرؤية الشاملة للسياسة المصرية التى أوضحها الرئيس السيسى سواء فى خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أو من خلال تصريحاته وأحاديثه للمحطات الأمريكية تكشف عن الدور المصرى النشط الذى تم تفعيله خلال الفترة الماضية ويجنى الآن ثماره من خلال الاجتماع الدولى على أهمية الدور المصرى والرؤية الشاملة للقيادة المصرية وتأثير هذا الدور على دول الجوار والقارة الأفريقية.
وهذا التأثير لم يأت من فراغ لكنه نتيجة مجهود كبير قامت به القيادة المصرية بدأب ونشاط وسعة صدر فضلا عن الوضع التام والكامل فى الطرح المصرى على جميع المستويات الدولية سواء فى اجتماعات الرئيس مع نظرائه من الرؤساء الآخرين أو من خلال لقاءات وزير الخارجية مع وزراء خارجية دول العالم.
إضافة إلى ذلك فريق العمل من الخبراء ورجال الدولة سواء الدبلوماسيين أو الأجهزة السيادية التى توفر جميع المعلومات الصحيحة حتى يكون القرار المصرى والخطوات المصرية مبنية على المعلومات.
ومن حسن الطالع أن زيارة الرئيس السيسى إلى نيويورك تزامنت مع زيارة بابا الفاتيكان والذى أقام فى نفس الفندق الذى أقام فيه الرئيس السيسى مما أضفى على الزيارة جوا روحيا تفاءل به معظم دبلوماسيى العالم لما أسفرت عنه زيارة البابا والترحيب الكبير من جانب الشعب الأمريكى بهذه الزيارة واصطفاف الكثير من الأمريكيين لتحية البابا فى الأماكن التى كانت سيارته تمر عبرها.
فمن خلال هذا الجو الروحانى تفاءل الكثير من الأمريكيين باجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة التى حضرها عدد كبير من رؤساء العالم.
لكن الرئيس السيسى قد حظى فى رأى الأمريكيين ببركة البابا لوجوده فى نفس الفندق الذى أقام فيه البابا، وساد انطباع لدى الكثير من الأمريكيين بصدق وموضوعية الرئيس السيسى بخلاف أنه مصدر تفاؤل للأمريكيين.
واللافت فى هذا السياق أن بابا الفاتيكان رفض أن يتناول الغداء الفاخر الذى أقامه له الرئيس أوباما وفضل أن يتناول الغداء مع المعدمين والفقراء.
وعلى الوجه الآخر تسبب انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة وزيارة البابا فى أزمة مرورية خانقة لم تشهدها نيويورك من قبل، حيث تحولت شوارع المدينة إلى ما يشبه الجراجات لأن السيارات لم تكن تتحرك إلا كل ساعة زمن، وبسبب أيضا إغلاق الشوارع المحيطة بالأمم المتحدة.
بخلاف الإجراءات الأمنية الشديدة التى وصلت إلى حد التفتيش الذاتى أكثر من مرة لمن يجرؤ على الدخول إلى هذه الشوارع مترجلا، فيتم منع أى شخص لايحمل كارنيه الأمم المتحدة ويريد المرور من هذه الشوارع.
وشملت الإجراءات الأمنية أيضا الفنادق التى يقيم فيها الرؤساء والدبلوماسيون ولم يسمح لأى زائر بدخول هذه الفنادق إلا للنزلاء فقط بعد تفتيشهم.
وفى نفس السياق أعلنت جميع الفنادق عدم وجود غرف شاغرة بها وارتفاع الأسعار حتى إن بعض الفنادق حددت لنزلائها سعر الغرفة يوما بيوم، فكل يوم بسعر أعلى من اليوم الذى سبقه، بما يشبه بورصة إشغال غرفه الفنادق.
وقد وصل سعر الغرفة إلى 1000 دولار، الأمر الذى أدى إلى لجوء عدد من النزلاء لاستئجار الغرفة التى بها سريران لتوفير النفقات وقسمة مبلغ الإيجار على شخصين بدلا من شخص واحد.
وقد تسببت اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة مع زيارة البابا وتجمع عدد كبير من سكان الولايات الأخرى فى نيويورك، فى ارتفاع جنونى فى أسعار الخدمات، ولم تهدأ الأسعار إلا بعد مغادرة البابا والرؤساء المشاركين فى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة لنيويورك، فبدأت حركة المرور فى العودة إلى شبه طبيعتها، وتراجعت أسعار الإقامة بالفنادق.
ونيويورك التى تشبه القاهرة فى صخبها وعدم هدوئها وأزماتها المرورية تعانى كما تعانى القاهرة من ارتفاع درجات الحرارة ونسبة الرطوبة والتى يواجهها سكانها بالملابس الخفيفة والقصيرة.
ويطلق على نيويورك عاصمة المال والأعمال على مستوى العالم، لأنها لا تهدأ ولا تنام، فالصفقات التجارية والبيزنس يجرى طوال 24 ساعة، والمصريون يحتلون نواصى الشوارع بسيارات المأكولات وبعضهم أمامه الأمريكان بالطوابير لشراء وجبة مكونة من الأرز واللحوم أو الدجاج.
والظاهرة الواضحة فى مدينة المال والأعمال هى الطوابير، حتى إن الطوابير الكبيرة التى تشهدها نيويورك الآن لشراء أحدث موديلات التليفونات المحمولة.
ويكاد أن يطلق على نيويورك مدينة الطوابير بدلا من عاصمة المال والأعمال باعتبار أن الظاهرة السائدة فى كل مكان فى نيويورك هى الطوابير المنظمة التى يسودها الدعابة والحوارات عن الموديلات الجديدة والذى يساعد على انتهائها بسرعة هو المساواة والعدالة بين الواقفين فى الطابور وعدم الإخلال بالنظام أو المجاملة، فالكل يتساوى فى الوقوف بالطوابير، سواء كان هذا الشخص فقيرا أو غنيا، رئيس وزراء أو موظفا بسيطا، لذلك الكل يحترم النظام والطابور.
فالطابور فى نيويورك هو النظام والمساواة أمام القانون، حتى يكون هناك تقدم والقفز إلى الرفاهية.
هذه هى نيويورك مدينة الطوابير، وهذا هو الرئيس السيسى الذى فرض الإرادة المصرية على دول العالم، كما فرضت نيويورك الطوابير على سكانها وزائريها.







